ماذا يحدث للاقتصاد عندما تقفز عوائد سندات الخزانة؟
(العربية)-25/09/2026
قفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، في تطور لا يقتصر تأثيره على الحكومة الأميركية المثقلة بديون تقترب من 40 تريليون دولار، بل يمتد إلى الأسر والشركات عبر زيادة تكاليف الاقتراض وتراجع الطلب على الائتمان.
وجاءت القفزة في العوائد الأربعاء مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها صدور بيانات أظهرت ضغوطاً تضخمية أعلى من المتوقع، وارتفاع رهانات الأسواق على إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال أكتوبر، إلى جانب نتائج مزاد لسندات الخزانة لأجل خمس سنوات كشفت ضعف الطلب عليها. كما أسهمت الإصدارات الضخمة من الديون التي طرحتها شركات التكنولوجيا العملاقة في زيادة الضغوط على السوق، وفقاً لما ذكرته شبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وسجلت العوائد أكبر ارتفاع يومي لها منذ نحو عام ونصف، وتحديداً منذ أبريل 2025 عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تطبيق الرسوم الجمركية المتبادلة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. كما لم تنجح جهود وزارة الخزانة لتحسين السيولة في السوق في كبح صعود العوائد، رغم تعزيز عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي للرهن العقاري والقروض طويلة الأجل، إلى 5.125%، وهو أعلى مستوى منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. كذلك صعد عائد السندات لأجل عامين بأكثر من 13 نقطة أساس ليتجاوز 4.9%، مع تسعير المستثمرين لاحتمالات قوية لرفع جديد للفائدة بعد الزيادة الأخيرة التي أقرها الاحتياطي الفيدرالي.
وتعني هذه التحركات عادة ارتفاعاً في تكاليف الاقتراض عبر مختلف قطاعات الاقتصاد، وهو ما يهدد المستهلك الأميركي الذي يمثل نحو 70% من النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة ويحمل ديوناً تقارب 19 تريليون دولار.
ورغم أن المدخرين قد يستفيدون من ارتفاع طفيف في العوائد على الحسابات المصرفية، فإن هذه المكاسب تبدو محدودة مقارنة بالأعباء المتزايدة الناجمة عن ارتفاع تكاليف التمويل، بحسب دان نورث، كبير الاقتصاديين لدى “أليانز تريد” في أميركا الشمالية.
وأشار نورث إلى أن تحسن العوائد على المدخرات لا يزال متواضعاً، في حين يواجه قطاع الإسكان وضغوط القروض الاستهلاكية، بما في ذلك بطاقات الائتمان، تداعيات أكثر حدة نتيجة صعود الفائدة.
وأظهرت بيانات مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية أن متوسط العائد على حسابات التوفير التقليدية يبلغ نحو 0.37% فقط، بعدما تراجع تدريجياً منذ خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال أواخر عام 2025.
في المقابل، واصلت معدلات الرهن العقاري ارتفاعها بوتيرة أسرع بكثير، إذ بلغ متوسط الفائدة على القروض العقارية لأجل 30 عاماً نحو 7.26%، بزيادة تتجاوز ربع نقطة مئوية خلال أسبوعين فقط، ونحو نقطة مئوية كاملة مقارنة بالعام الماضي.
كما تبدو أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان مرشحة للارتفاع إذا استمرت الاتجاهات الحالية في سوق السندات وأسعار الفائدة.
وتتغذى هذه الزيادات من قرارات الاحتياطي الفيدرالي، إذ ينعكس رفع الفائدة مباشرة على سعر الفائدة الأساسي المستخدم في تسعير العديد من القروض المتغيرة، والذي بلغ أخيراً 7% بعد ارتفاعه ربع نقطة مئوية عقب قرار الفيدرالي الأخير.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى رفع تكلفة الاقتراض وتقليص شهية المستهلكين للحصول على القروض، ما يحد من الإنفاق الذي يشكل المحرك الأساسي للاقتصاد الأميركي البالغ حجمه نحو 32 تريليون دولار.
وأوضح نورث أن ارتفاع أسعار الفائدة يدفع تكاليف الاقتراض للصعود على مختلف الآجال، ما يضعف الطلب على شراء السيارات والمساكن وغيرها من السلع المعتمدة على التمويل، ويؤدي في النهاية إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، حققت البنوك بعض المكاسب من بيئة الفائدة المرتفعة، إذ تستفيد من توسيع هوامش الربح بين تكلفة الودائع وأسعار الإقراض، فضلاً عن تحقيق عوائد أفضل على السيولة لديها.
لكن هذه المكاسب لم تمنع تراجع أسهم العديد من البنوك، مع مخاوف المستثمرين من أن تؤدي العوائد المرتفعة إلى إبطاء نمو القروض والنشاط الاقتصادي بشكل عام، رغم استمرار مؤشرات الاقتصاد الأميركي في إظهار قدر من القوة، ومنها توقعات بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.1% خلال الربع الثالث.
وحذر نورث من أن استمرار العوائد عند مستويات مرتفعة قد يهدد هذا الزخم الاقتصادي، مشيراً إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تضرراً بسبب محدودية قدرتها على الوصول إلى التمويل مقارنة بالشركات الكبرى، ما يجعل تشدد شروط الائتمان عقبة إضافية أمام نموها واستثماراتها.
