الذكاء الاصطناعي قد يفاقم عدم المساواة في الثروة والدخل
(سي ان بي سي)-25/09/2026
إن التفاؤل المتزايد بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق عصر من الوفرة والازدهار السريع قد يتجاهل تداعيات اقتصادية واجتماعية مهمة، محذراً من أن المخاوف المرتبطة بعدم المساواة قد تزداد بدلاً من أن تتراجع مع توسع استخدام هذه التكنولوجيا.
ويتوقع عدد من أبرز قادة قطاع الذكاء الاصطناعي موجة نمو اقتصادي غير مسبوقة.
فقد تحدث مؤسس ديب مايند DeepMind ديميس هاسابيس عن “عصر من الوفرة الجذرية” يشبه العصر الذهبي، بينما يرى المستثمر التقني مارك أندريسن أن النمو الهائل في الإنتاجية سيجعل المخاوف بشأن التفاوت غير ذات أهمية.
كما تتوقع التقديرات المتوسطة لفريق الاقتصاد في شركة أنثروبيك Anthropic نمواً سنوياً للناتج المحلي الإجمالي يبلغ %8 بحلول عام 2030، وفق الاقتصادي والرئيس السابق لهيئة الخدمات المالية البريطانية أدير تيرنر.
ويؤكد تيرنر أن التقدم التقني المذهل للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تسارع النمو في الناتج المحلي الإجمالي المقاس أو في رفاهية الإنسان، مشيراً إلى أن التكنولوجيا قد تؤدي في كثير من الحالات إلى تعميق القلق المرتبط بتوزيع الدخل والثروة.
ويشرح أن المجتمعات كلما ازدادت ثراءً خصصت حصة أكبر من نشاطها الاقتصادي لمنافسات يكون مكسب طرف فيها على حساب طرف آخر.
ويضرب مثالاً بالهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تستلزم زيادة مستمرة في الإنفاق على الأمن السيبراني دون فائدة مباشرة للمستهلك النهائي.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات القانونية أن يؤدي إلى أتمتة بعض المهام، لكنه قد يطلق في الوقت نفسه موجة كبيرة من الدعاوى والشكاوى والأوامر القضائية التي يتم توليدها بواسطة الأنظمة الذكية.
فوائد كبيرة
ويتوقع الكاتب أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق اختراقات علمية كبيرة، خصوصاً في مجال اكتشاف الأدوية، وقد يمهد مستقبلاً لتطوير علاجات تتيح للإنسان العيش 100 عام من دون أمراض.
ويرى أن هذه المزايا ستنعكس في البداية على الناتج المحلي الإجمالي عبر الإنفاق على الأبحاث والتصنيع وأرباح شركات الأدوية، لكن بعد انتهاء حقوق الملكية الفكرية لتلك الأدوية وإنتاجها في مصانع تعتمد على الذكاء الاصطناعي، فإن الأرباح والأجور ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي ستتراجع بشكل حاد.
ويشير إلى أنه إذا أصبحت أي سلعة أو خدمة متوافرة بوفرة غير محدودة بفضل الذكاء الاصطناعي فإن قيمتها الاقتصادية المقاسة ستصبح ضئيلة للغاية، رغم أن منفعتها للبشر ستظل مرتفعة، وفق مقال الكاتب فى فينانشال تايمز.
رفاهية أكبر
يوضح تيرنر أن ارتفاع رفاهية الإنسان لا يترجم بالضرورة إلى إيرادات حكومية أكبر، إذ إن تمويل أعباء الدين العام والإنفاق الحكومي يعتمد على الناتج المحلي الإجمالي الاسمي وليس على المكاسب غير المرئية التي تحققها التكنولوجيا.
ويضيف أن مساهمات الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الحياة لن تنهي الخلافات السياسية المتعلقة بمن يتحمل تكلفة الإنفاق العام.
الناتج المحلي
يلفت الكاتب إلى أن المنافع المتوقعة ستترافق مع أضرار محتملة، بعيداً عن سيناريوهات الانقراض البشري.
ويشير إلى أن تقنيات التزييف العميق والتلاعب المدعومة بالذكاء الاصطناعي تسهم في زيادة عمليات الاحتيال عبر الإنترنت ورفع المخاطر التي تواجه الصحة النفسية للمراهقين، مؤكداً أن هذه الأضرار مثل كثير من الفوائد لن تظهر في بيانات الناتج المحلي الإجمالي.
الطبقة المتوسطة
يتوقع تيرنر أن يمنح الذكاء الاصطناعي مزايا إضافية لأصحاب المهارات المرتفعة مثل العلماء والمديرين التنفيذيين والمحامين، لكنه قد يشكل تهديداً للعمال أصحاب المهارات المتوسطة.
ويرى المتفائلون أن ركود الأجور لن يمثل مشكلة لأن كثيراً من السلع والخدمات سيصبح أرخص بكثير، إلا أن الكاتب يعتبر هذا الرأي مضللاً.
أزمة السكن
يؤكد تيرنر أن الأفراد في المجتمعات الأكثر ثراءً يخصصون جزءاً متزايداً من دخولهم لشراء أصول أو خدمات نادرة بطبيعتها.
ويعتبر أن السكن في المناطق الجذابة يمثل أبرز هذه الموارد النادرة، وهو ما يفسر ارتفاع نسب أسعار المنازل إلى الدخل في مختلف أنحاء العالم.
ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي لن يزيد عدد المواقع السكنية المميزة، ولذلك فإن أسعار الأراضي والعقارات في الأماكن المرغوبة ستواصل الارتفاع النسبي.
عدم المساواة
يخلص الكاتب إلى أن المخاوف المرتبطة بعدم المساواة مرشحة للزيادة لا للتراجع في عالم يزداد اعتماداً على الذكاء الاصطناعي.
ويرى أن انخفاض أسعار ألعاب الحاسوب أو وسائل الترفيه أو السلع المصنعة لن يعوض شعور أصحاب الدخول المتوسطة بتراجع فرصهم في امتلاك مساكن في مدن كبرى مثل لندن وباريس وسيؤول وشنغهاي.
ويؤكد في ختام مقاله أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين رفاهية الإنسان كما يمكنه الإضرار بها، وأن النتيجة النهائية ستعتمد على الخيارات والسياسات التي تتبناها المجتمعات، مشيراً إلى أن كثيراً من الآثار الإيجابية والسلبية الأكثر أهمية قد لا تظهر إطلاقاً في بيانات الناتج المحلي الإجمالي.
