الجنيه المصري تحت الضغط.. لماذا يرتفع الدولار رغم تحسن التدفقات النقدية؟
(العربية)-12/10/2026
فقد الجنيه المصري أكثر من 5% من قيمته مقابل الدولار الأميركي آخر شهرين، ليرتفع سعر العملة الأميركية من مستويات تقارب 49.7 جنيه في 9 أغسطس إلى نحو 52.3 جنيه، وفق أسعار الصرف الرسمية المعلنة من البنك المركزي المصري.
ويأتي تراجع الجنيه رغم تحسن عدد من مصادر النقد الأجنبي لمصر، وفي مقدمتها تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة والتصدير وقناة السويس، إلى جانب زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وتطرح تحركات الدولار تساؤلات بشأن العوامل الضاغطة على الجنيه، ومدى ارتباطها بتحركات رؤوس الأموال الأجنبية (الأموال الساخنة)، والتوترات الجيوسياسية، واتجاهات السياسة النقدية الأميركية، وفق محللي اقتصاد وخبراء مصرفيين تحدثوا مع “العربية Business”.
الأموال الساخنة تضغط على الجنيه
قال الخبير المصرفي عز الدين حسانين، إن ارتفاع الدولار يرتبط بتحركات الأموال الساخنة في ظل التوترات الجيوسياسية بالمنطقة، التي قد تدفع المستثمرين الأجانب إلى تحويل استثماراتهم نحو أدوات الدين الأميركية، بالتزامن مع رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في سبتمبر، وتزايد التوقعات بإقرار زيادة أخرى قبل نهاية العام.
أضاف حسانين لـ”العربية Business” أن ارتفاع سعر الدولار يصبح مفيداً للخزانة المصرية عند تخارج الأموال الساخنة، حيث يقلل الحصيلة الدولارية المسحوبة من السوق المصرية في الأجل القصير، ويحد من مكاسب المستثمرين سريعي التداول والناتجة عن تغير سعر الصرف.
“التخارج الجزئي للمستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية يزيد الطلب على الدولار وهو ما قد يؤثر على سعر العملة لاحقاً، خاصة حالة رفع الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة مرة أخرى”، وفق حسانين.
من جانبه، أوضح مسؤول خزانة بأحد البنوك العاملة في مصر أن تحسن موارد النقد الأجنبي لا ينعكس بالضرورة بصورة فورية على سعر الصرف، إذ تتوقف حركة الدولار أيضاً على حجم الطلب على العملة الأجنبية لتغطية احتياجات الاستيراد والالتزامات الخارجية، إلى جانب اتجاهات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية.
المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه، قال لـ”العربية Business” إن تغير شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، في ظل حالة عدم اليقين بشأن التطورات الجيوسياسية ومسار الفائدة الأميركية، قد يزيد الضغوط على الجنيه حتى مع تحسن بعض المؤشرات الخارجية، مشيراً إلى أن قدرة التدفقات الدولارية على تلبية احتياجات السوق تمثل عاملاً مهماً في تحديد اتجاه سعر الصرف.
وأظهرت بيانات البورصة المصرية تسجيل المستثمرين الأجانب صافي بيع بنحو 43 مليار جنيه (826.2 مليون دولار) في أذون الخزانة بالسوق الثانوية خلال سبتمبر الماضي.
العرض والطلب محددات التسعير الرئيسية
في المقابل، يرى المدير التنفيذي لأسواق الدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، محمود نجلة، أن تحركات الجنيه الأخيرة لا تعكس تغيراً جوهرياً في اتجاه سوق الصرف، موضحاً أن العملة المحلية لا تزال تتحرك في نطاق عرضي يتراوح بين 48 و53 جنيهاً للدولار منذ فترة طويلة.
وأضاف نجلة لـ”العربية Business” أن التحركات داخل هذا النطاق تعكس آليات العرض والطلب الطبيعية في ظل نظام سعر الصرف المرن الذي تتبعه مصر منذ مارس 2024، ولا تدعو لمخاوف بشأن سعر الصرف.
وأشار إلى أن تحسن الأوضاع الجيوسياسية ينعكس عادةً على سعر الصرف من خلال تراجع الدولار أمام الجنيه، بينما تؤدي عودة التوترات إلى ارتفاعه مجدداً.
“الجنيه اقترب خلال فترات التحسن من مستويات 48 و49 جنيهاً للدولار، قبل أن يتحرك صعوداً باتجاه 53 جنيهاً مع تصاعد التوترات”، وفقاً لنجلة.
وأشار إلى أن ارتفاع الدولار عالمياً يفرض ضغوطاً على العملات المختلفة، ومنها الجنيه، في ظل احتياجات مصر التمويلية بالعملة الأميركية، مضيفاً أن هذا العامل لا ينبغي تحميله أكثر من حجمه في تفسير التحركات الأخيرة، التي لا تزال ضمن نطاق عرضي محدود.
توقعات بارتفاع الدولار حتى 55 جنيهاً
إلى ذلك، توقع حسانين تحرك الدولار في نطاق يتراوح بين 48 و55 جنيهاً حتى نهاية العام الحالي، وربما خلال الربع الأول من العام المقبل، وفقاً لتطورات التدفقات النقدية وحركة الأموال الساخنة.
ورجح أن يدفع أي رفع جديد لأسعار الفائدة الأميركية البنك المركزي المصري إلى دراسة تحرك مقابل للفائدة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية والحد من خروج الاستثمارات الأجنبية، محذراً من أن عدم اتخاذ إجراءات مناسبة قد يزيد الضغوط على الجنيه.
ويرى حسانين أن خروج أكثر من 20 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية حال رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة مجدداً قد يفاقم الضغوط على العملة المحلية ويدفع الدولار إلى تجاوز النطاق المتوقع.
من جانبه، توقع مسؤول الخزانة تحرك الدولار بين 50 و55 جنيهاً حتى نهاية العام، مرجحاً اقترابه من الحد الأدنى للنطاق إذا استمرت التدفقات الدولارية وتحسنت شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين المحلية، مقابل احتمال اقترابه من الحد الأعلى إذا تجددت تخارجات الاستثمارات الأجنبية أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية.
ورهن المسؤول تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهاً بحدوث ضغوط إضافية على سوق الصرف، سواء نتيجة خروج استثمارات أجنبية بوتيرة كبيرة وسريعة أو زيادة الطلب على الدولار بما يفوق المعروض المتاح.
