اقتصاد عالمي بسرعتين.. نمو مستقر على الورق وانقسامات تتسع في الداخل
(العربية)-15/10/2026
رغم أن الاقتصاد العالمي يبدو أكثر صموداً مما كان متوقعاً قبل أشهر، بعد أن رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو عام 2026 إلى 3.1%، فإن الأرقام التفصيلية تكشف واقعاً مختلفاً تماماً. فالنمو العالمي اليوم لم يعد موزعاً على نطاق واسع كما في السابق، بل أصبح أكثر تركزاً في عدد محدود من الاقتصادات القادرة على الاستفادة من التحولات التكنولوجية الكبرى وطفرة الذكاء الاصطناعي.
وبينما توحي الأرقام الإجمالية باستقرار الاقتصاد العالمي، فإن هذا الاستقرار يخفي اتساع فجوة الأداء بين الدول. فبحسب الصندوق، باتت 32 دولة فقط تقود نحو 95% من النمو العالمي، في وقت تواجه فيه اقتصادات عديدة ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ التجارة وارتفاع أعباء التمويل. ونتيجة لذلك، تتشكل خريطة اقتصادية جديدة يمكن وصفها بـ”اقتصاد السرعتين”، حيث تتسارع دول مدفوعة بالابتكار والتكنولوجيا، فيما تكافح دول أخرى للحفاظ على وتيرة نموها وسط بيئة عالمية أكثر تعقيداً وتقلباً.
النمو لم يعد موزعاً بالتساوي
بحسب صندوق النقد الدولي، فإن الاقتصاد العالمي لا يتباطأ أو يتسارع بشكل جماعي، بل إن النمو “يعاد توزيعه” بين الدول وفق عاملين رئيسيين؛ مدى تعرضها لصدمة الإمدادات الناتجة عن الحرب، وقدرتها على الاستفادة من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
الولايات المتحدة والصين تمثلان أكثر من ثلاثة أرباع الطلب العالمي الصافي على أشباه الموصلات ومعدات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الدول المرتبطة بسلاسل توريد التكنولوجيا المستفيد الأكبر من موجة الاستثمار الحالية. كما استفادت اقتصادات مثل كوريا الجنوبية وماليزيا والمكسيك وتايلاند من الطلب المتزايد على البنية التحتية الرقمية والرقائق الإلكترونية.
في المقابل، تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة ضغوطاً مزدوجة تتمثل في ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، من دون امتلاك محركات نمو بديلة مرتبطة بالتكنولوجيا.
الرابحون والخاسرون في الاقتصاد الجديد
تتصدر الهند قائمة الرابحين، مع توقعات بنمو يبلغ 7% خلال 2026 و2027، لتبقى أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً عالمياً. كما تواصل الولايات المتحدة الحفاظ على نمو يبلغ 2.3% بدعم مباشر من الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. أما الصين فتحافظ على نمو عند 4.5% رغم التباطؤ النسبي مقارنة بالسنوات السابقة.
على الجانب الآخر، تبرز الاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة والدول منخفضة الدخل باعتبارها الأكثر هشاشة أمام ارتفاع الأسعار العالمية. ويشير الصندوق إلى أن هذه الدول تجد نفسها خارج دائرة الاستفادة المباشرة من الطفرة التكنولوجية، بينما تتحمل كامل أثر ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.
لماذا يخدعنا الرقم العالمي؟
تكمن المشكلة في أن متوسط النمو العالمي يشبه متوسط عمق نهر؛ فقد يبدو آمناً على الورق بينما تخفي بعض المناطق أعماقاً خطيرة.
فعندما تحقق اقتصادات ضخمة مثل الولايات المتحدة والصين والهند نمواً قوياً، فإنها ترفع المتوسط العالمي حتى لو كانت عشرات الاقتصادات الأخرى تتباطأ أو تتعرض لخفض توقعاتها. وتشير بيانات الصندوق إلى أن نحو 47% من اقتصادات العالم تعرضت لخفض في توقعات النمو مقارنة بالتقديرات السابقة.
بمعنى آخر، فإن استقرار النمو العالمي لا يعني بالضرورة أن معظم دول العالم تنمو بالسرعة نفسها، بل يعكس قوة عدد محدود من الاقتصادات الكبيرة القادرة على امتصاص الصدمات والاستفادة من التحولات التكنولوجية.
ماذا يعني ذلك للدول العربية المستوردة للطاقة؟
بالنسبة لدول مثل الأردن والمغرب وتونس، يحمل هذا الواقع تحديات إضافية.
أولاً، يؤدي ارتفاع أسعار النفط والطاقة إلى زيادة فاتورة الاستيراد والضغط على الموازنات العامة والحسابات الخارجية. ثانياً، يؤثر ارتفاع تكاليف النقل والطاقة على القدرة التنافسية للقطاع الصناعي. وثالثاً، فإن بقاء الاستثمارات العالمية موجّهة نحو قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا قد يوسع فجوة النمو بين الاقتصادات الرقمية والاقتصادات التقليدية.
لكن هذا لا يعني غياب الفرص بالكامل. فالتحولات الجارية تمنح هذه الاقتصادات فرصة للاستفادة من خدمات التعهيد الرقمي، وتطوير المهارات التقنية، وجذب الاستثمارات المرتبطة بسلاسل القيمة التكنولوجية، ولو بشكل غير مباشر. غير أن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات أكبر في البنية الرقمية والتعليم والمهارات المستقبلية.
الرسالة الأساسية في تقرير أكتوبر 2026 لصندوق النقد الدولي ليست أن الاقتصاد العالمي قوي أو ضعيف، بل أنه أصبح أكثر انقساماً. فبينما تدفع طفرة الذكاء الاصطناعي مجموعة محدودة من الدول إلى الأمام، تواجه عشرات الاقتصادات الأخرى ضغوطاً من ارتفاع الطاقة والديون وتباطؤ الاستثمار. ولهذا فإن رقم النمو العالمي البالغ 3.1% يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً؛ عالم ينمو بالفعل، لكن بسرعتين مختلفتين، وربما بثلاث سرعات أو أكثر خلال السنوات المقبلة.
