صندوق النقد: السعودية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من بقية دول الخليج
(العربية)-16/10/2026
أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة ملحوظة على مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي طالت أسواق الطاقة وسلاسل التجارة في المنطقة، مستفيداً من تنوع البنية التحتية ومرونة الاقتصاد واحتياطياته الكبيرة.
وقال أزعور في مقابلة مع “العربية Business” على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، إن عدداً من العوامل مكّن المملكة من الحد من تأثير الأزمة، في مقدمتها الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية التي سمحت بتنويع مسارات تصدير النفط واستيراد السلع، إضافة إلى وجود مرافق ومنشآت استراتيجية على البحر الأحمر أسهمت في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد. وأضاف “ساهمت مستويات الاحتياطي المرتفعة، إلى جانب الاستثمارات السابقة في البنية التحتية، في منحه السعودية مرونة كبيرة لإعادة توجيه صادرات النفط بسرعة”.
وأوضح أن هيكل الاقتصاد السعودي وطبيعة العلاقة بين القطاعين النفطي وغير النفطي، إلى جانب امتلاك المملكة احتياطيات وأصولاً خارج منطقة الخليج، ساهمت جميعها في تخفيف آثار الحرب والتوترات الإقليمية على الاقتصاد.
وأشار إلى أن السعودية لعبت أيضاً دوراً محورياً في الحفاظ على درجة مرتفعة من الاستقرار في أسواق النفط والغاز العالمية خلال الفترة الماضية.
القطاع النفطي وراء انكماش 2026
وحول توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد السعودي، أوضح أزعور أن الانكماش المتوقع خلال عام 2026 يعود بالدرجة الأولى إلى أداء القطاع النفطي، في حين يواصل القطاع غير النفطي إظهار مستويات من المرونة.
وقال إن تأثير التباطؤ على الأنشطة غير النفطية يبقى محدوداً، بينما يتوقع أن يسجل القطاع النفطي نمواً سلبياً بنحو 3.4%، وهو العامل الرئيس وراء الأداء الاقتصادي الكلي خلال العام.
وأضاف أن سلطنة عُمان كانت الأقل تأثراً بالتداعيات الاقتصادية للأزمة على مستوى دول الخليج، تليها السعودية ثم الإمارات، مشيراً إلى أن المملكة في وضع أفضل من نظرائها الخليجيين لتجاوز هذه الاضطرابات.
تعافٍ متوقع في 2027
وأشار أزعور إلى أن توقعات الصندوق لعام 2027 تستند إلى افتراض تراجع التأثيرات السلبية للصراع الإقليمي على حركة التجارة والنشاط الاقتصادي خلال الربع الأول من العام المقبل.
وأضاف أن السيناريو الأساسي يفترض عودة تدريجية للإنتاج إلى مستوياته الطبيعية بحلول منتصف عام 2027، بما يدعم تعافي النشاط الاقتصادي في المنطقة.
وأوضح أن مستوى عدم اليقين لا يزال مرتفعاً، وأن التطورات الجيوسياسية قد تأخذ مسارات مختلفة، إلا أن الاقتصادات الخليجية تمتلك هوامش أمان كبيرة تساعدها على مواجهة الصدمات.
وأكد أن السعودية تتمتع باحتياطيات مالية قوية، فيما يمتلك الاقتصاد قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً وقدرة على امتصاص آثار الأزمات مقارنة بما كان عليه الحال في فترات سابقة.
وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية وبرامج التنويع التي نفذتها المملكة خلال السنوات الماضية عززت مناعة الاقتصاد ورفعت قدرته على التعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية.
الحرب وقدرة الاقتصادات الخليجية على التكيف
وبشأن اقتصادات الخليج، قال أزعور، إن الاقتصاد القطري يعد من أكثر اقتصادات الخليج تأثراً بالأزمة الحالية نظراً لاعتماد صادرات الغاز والطاقة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى أن التوقعات تشير إلى انكماش الاقتصاد القطري بنحو 16.8% خلال عام 2026، على أن يعقبه تعافٍ قوي خلال عام 2027.
وأضاف أن الصندوق يتوقع نمط تعافي سريع العام المقبل يشمل قطر وعدداً من اقتصادات الخليج بعد انتهاء آثار الأزمة.
وأشار إلى أن الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز أدت إلى إعادة تقييم الجدول الزمني لعودة الإنتاج، إلا أن المعلومات الواردة من قطر تشير إلى تسارع وتيرة الإصلاحات وإعادة المنشآت إلى مستويات الإنتاج التي كانت عليها قبل الأزمة.
وأكد أزعور أن هذه التوقعات تبقى مرتبطة بدرجة عالية من عدم اليقين، موضحاً أن مسار الأحداث خلال المرحلة المقبلة سيظل عاملاً أساسياً في تحديد حجم التعافي وسرعته.
مسارات بديلة
وفي تعليقه على تأثير الحرب في تسريع مشاريع البنية التحتية البديلة، قال أزعور إن الأزمة سلطت الضوء على قدرة دول الخليج، اقتصادياً ومؤسسياً، على التكيف مع الصدمات.
وأضاف أن دول مجلس التعاون الخليجي أظهرت خلال جائحة كورونا، ومجدداً خلال الأزمة الحالية، قدرة كبيرة على تطوير السياسات والإجراءات التي تحد من التداعيات الاقتصادية وتدعم استقرار الأسواق.
وأوضح أن إدارة الأزمة لا تقتصر على التعامل مع تداعياتها المباشرة، بل تشمل أيضاً تعزيز القدرة على استيعاب الصدمات المستقبلية من خلال تطوير قنوات ومسارات بديلة للتصدير والنقل.
التعاون الخليجي في مواجهة الأزمات
وأشار أزعور إلى أن أحد أهم الدروس المستفادة يتمثل في أهمية التعاون بين دول الخليج، لافتاً إلى أن تقريراً سيصدر قريباً عن صندوق النقد الدولي سيظهر حجم العوائد الاقتصادية الكبيرة الناتجة عن التكامل الخليجي ومشاركة البنية التحتية بين دول المجلس.
وأكد أن التعاون في البنية التحتية وخلق منافذ إضافية للتجارة والطاقة يحد من الاعتماد على مسار أو منفذ واحد، ما يعزز المرونة الاقتصادية خلال الأزمات وفي فترات الاستقرار على حد سواء.
وأضاف أزعور أن الأزمة الحالية ستدفع أيضاً إلى تسريع وتيرة الاستثمار في القطاعات المستقبلية، وفي مقدمتها تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
وأشار إلى وجود توجه واضح لدى دول المنطقة لتعزيز هذه الاستثمارات ودعم مسارات التنويع الاقتصادي.
واعتبر أن الحرب الحالية تمثل صدمة كبيرة للمنطقة، لكنها في الوقت ذاته قد تشكل نقطة تحول مهمة في المسار الاقتصادي لدول الخليج، مستفيدة من الاحتياطيات المالية والقدرات المؤسسية التي تمتلكها لمواجهة التحديات وتعزيز النمو في المرحلة المقبلة.
