أوروبا على صفيح ساخن.. كيف يؤجج التقشف وغلاء المعيشة الاحتجاجات؟
(العربية)-21/10/2026
لم تعد الاحتجاجات التي تجتاح شوارع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وألبانيا مجرد رد فعل على ارتفاع الأسعار أو أزمة إسكان محلية. فالمشهد الأوروبي الحالي يكشف عن أزمة أكثر عمقاً تتعلق بحدود النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي بنته القارة خلال العقود الماضية، والذي قام على توفير مستويات مرتفعة من الخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي بالتوازي مع نمو اقتصادي مستدام.
اليوم، تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: مواطنون يطالبون بمزيد من الإنفاق لتحسين مستوى المعيشة، مقابل قواعد مالية أوروبية جديدة تضغط نحو خفض العجز والديون العامة. وبين هذين الاتجاهين تتصاعد موجة غضب اجتماعي تعد الأكبر منذ سنوات.
شهدت فرنسا أكبر التحركات، حيث شارك أكثر من 500 ألف شخص في تظاهرات ضد تدهور مستويات المعيشة والخدمات العامة، بينما تحولت بعض الاحتجاجات إلى أعمال شغب شملت إحراق مبانٍ عامة ونهب متاجر والاشتباك مع قوات الأمن. كما خرج متظاهرون في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا لأسباب مختلفة ظاهرياً، تراوحت بين أزمة الإسكان وتكاليف المعيشة وضعف الخدمات التعليمية وارتفاع رسوم الجامعات.
ورغم اختلاف الشرارة الأولى في كل دولة، فإن القاسم المشترك يتمثل في تراجع القدرة الشرائية للأسر الأوروبية وصعود الشعور بأن الحكومات لم تعد قادرة على توفير مستوى الرفاه الذي اعتاد عليه المواطنون لعقود.
لماذا انفجرت الأزمة الآن؟
تاريخياً، نجحت الحكومات الأوروبية في امتصاص كثير من الصدمات الاقتصادية عبر برامج الدعم والإنفاق العام. إلا أن السنوات الست الأخيرة استنزفت جزءاً كبيراً من هذه القدرة.
فقد أنفقت الحكومات مليارات اليورو خلال جائحة كورونا، ثم اضطرت إلى تمويل برامج ضخمة لدعم الأسر والشركات بعد أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية. وبعد ذلك جاءت الضغوط المرتبطة بارتفاع الإنفاق الدفاعي والتوترات الجيوسياسية الجديدة.
ونتيجة لتضخم النفقات الطارئة عام بعد عام، أصبحت الحكومات تتحمل مستويات مرتفعة من العجز والديون في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي. وتظهر بيانات “المعهد الوطني للإحصاء الفرنسي” (Insee) أن الاقتصاد الفرنسي سجل نمواً صفرياً خلال الربع الثاني من 2026، بينما بلغ معدل البطالة 8.3% وارتفعت بطالة الشباب إلى 21.6%. كما صعد التضخم السنوي إلى 3.1% في سبتمبر، وقفزت أسعار الطاقة بأكثر من 21%.
وتشير تقديرات نقلتها صحيفة “لوموند” عن “المعهد الفرنسي للاقتصاد” إلى أن تراجع القوة الشرائية منذ عام 2024 يعادل خسارة نحو 1200 يورو سنوياً لأسرة مكونة من شخصين وطفلين.
أزمة الإسكان.. الشرارة التي تحولت إلى نار سياسية
إذا كان التضخم يشكل الخلفية الاقتصادية العامة، فإن الإسكان أصبح في كثير من الدول الأوروبية القضية الأكثر إلحاحاً سياسياً واجتماعياً.
في إسبانيا اندلعت الاحتجاجات بعد طرد سيدة مسنة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها إثر زيادة إيجارها بنسبة 230% من قبل صندوق استثماري، وهي الواقعة التي تحولت إلى رمز للأزمة السكنية في البلاد.
أما في البرتغال، فقد أصبحت أسعار السكن مصدر القلق الرئيسي للأسر. وتشير تقارير محلية إلى أن مدفوعات الإيجار والسكن تلتهم ما بين 35% و50% من دخل الأسر في المدن الكبرى، وهي مستويات تفوق بكثير المعايير الأوروبية التقليدية للقدرة على تحمل تكاليف السكن.
وقال وزير المالية البرتغالي، ميراندا سارمينتو إن تكاليف السكن تشكل المحرك الأساسي للاحتجاجات، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.
هل عادت أوروبا إلى التقشف؟
رسمياً، ترفض معظم الحكومات الأوروبية وصف سياساتها الحالية بالتقشف. لكن كثيراً من الاقتصاديين يرون أن القارة دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الانضباط المالي.
ففي أبريل 2024 دخل الإطار المالي الأوروبي الجديد حيز التنفيذ، وألزمت القواعد المعدلة دول الاتحاد بإعداد مسارات واضحة لخفض العجز والديون العامة على المدى المتوسط. كما أعادت التأكيد على الحد الأقصى للعجز عند 3% من الناتج المحلي الإجمالي والدين العام عند 60% من الناتج، مع منح الدول مرونة محدودة فقط في كيفية تحقيق هذه الأهداف.
وتحذر دراسات صادرة عن مراكز أبحاث أوروبية، من بينها “Bruegel” و”Social Europe”، من أن دولاً مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ستضطر إلى تنفيذ تعديلات مالية كبيرة خلال السنوات المقبلة للامتثال للقواعد الجديدة، ما قد يضغط على الإنفاق العام والاستثمار الحكومي والنمو الاقتصادي.
وفي فرنسا يتضمن مشروع موازنة 2027 إجراءات تهدف إلى خفض العجز المتوقع البالغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، من بينها تجميد بعض بنود أجور القطاع العام وتشديد قواعد تعويض الإجازات المرضية.
أزمة الديون تقيد الحكومات
تكمن المشكلة الأساسية في أن الحكومات الأوروبية لم تعد تمتلك المساحة المالية نفسها التي كانت تمتلكها خلال العقد الماضي.
ووفقاً للمفوضية الأوروبية، تخضع الدول الأعضاء حالياً لرقابة مالية أكثر تشدداً لضمان استدامة المالية العامة بعد سنوات من ارتفاع مستويات الاقتراض.
كما تشير دراسات أوروبية إلى أن دولاً مثل فرنسا وبلجيكا تعاني عجزاً مالياً يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبقى إيطاليا من أكثر الاقتصادات الأوروبية ثقلاً بالديون.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية، وهي أنه كلما ازدادت المطالب الاجتماعية بزيادة الإنفاق، ازدادت الضغوط الأوروبية والدولية لخفضه.
ما حجم الخسائر الناجمة عن الاضطرابات؟
حتى الآن لم تصدر الحكومات الأوروبية أو شركات التأمين تقديراً مالياً موحداً للخسائر الناتجة عن الاضطرابات الأخيرة.
لكن الأضرار الموثقة تشمل احتراق مبنى بلدية تاريخي بالكامل تقريباً في مدينة ليموج الفرنسية، وإحراق مكاتب ومنشآت عامة في مدن أخرى، إضافة إلى نهب مئات المتاجر وإصابة أكثر من 500 من رجال الشرطة والإطفاء خلال الاحتجاجات الفرنسية وحدها.
وبسبب عدم وجود تقديرات رسمية منشورة حتى الآن، فإن أي رقم إجمالي للخسائر سيظل سابقاً لأوانه.
العامل الخارجي.. الحرب والطاقة والفائدة
يصعب فهم الاحتجاجات الأوروبية بمعزل عن البيئة الدولية.
فالحرب في أوكرانيا أحدثت صدمة طويلة الأمد في أسواق الطاقة الأوروبية، بينما أسهمت التوترات المرتبطة بإيران والشرق الأوسط في زيادة الضغوط على أسعار الوقود والديزل خلال 2026، بحسب محللين ومسؤولين نقلت عنهم وسائل إعلام اقتصادية.
كذلك أدى ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية إلى زيادة كلفة خدمة الديون الحكومية، وهو ما حدّ من قدرة الحكومات على الاستمرار في الإنفاق السخي الذي اعتاد عليه المواطن الأوروبي.
من يملك الحل سياسياً؟
تكشف الاحتجاجات الحالية عن أزمة ثقة متزايدة في النخب السياسية التقليدية.
وفي فرنسا تحديداً، يرى مراقبون أن اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة أسهم في رفع حدة المواجهة السياسية، مع سعي قوى المعارضة إلى استثمار حالة التذمر الشعبي من إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون.
لكن اللافت أن المزاج الشعبي الأوروبي لا يتجه نحو معسكر سياسي واحد. فاليمين الشعبوي يستفيد من الغضب المرتبط بالهجرة وتراجع الأمن الاقتصادي، بينما تجذب الأحزاب اليسارية الأصوات المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة والداعية إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي. لذلك تبدو القارة أمام مرحلة من إعادة التشكل السياسي أكثر من كونها مقبلة على انتصار تيار واحد بعينه.
لماذا تهم الأزمة العالم؟
لا تمثل الاحتجاجات الأوروبية قضية محلية فحسب، بل تحمل تداعيات عالمية مباشرة.
فالاقتصاد الأوروبي يعد أحد أكبر مراكز الطلب والاستهلاك والاستثمار في العالم، وأي تراجع في النمو الأوروبي قد يؤثر في التجارة الدولية وأسعار الطاقة وتدفقات الاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية.
كما أن نجاح أو فشل أوروبا في التوفيق بين خفض الديون والحفاظ على دولة الرفاه سيشكل نموذجاً تتابعه اقتصادات متقدمة أخرى تواجه التحدي نفسه: كيف يمكن إدارة مستويات دين مرتفعة من دون إشعال موجات غضب اجتماعي واسعة؟
تبدو الاحتجاجات الحالية أقل ارتباطاً بقرار حكومي واحد أو أزمة محلية عابرة، وأكثر ارتباطاً بتحول اقتصادي عميق تعيشه أوروبا منذ سنوات. فالقارة التي بنت نموذجها على الوعد بالاستقرار والرفاه تجد نفسها اليوم أمام سؤال صعب: من سيدفع ثمن فواتير الأزمات المتلاحقة، الحكومات أم المواطنون؟ والأحداث الجارية في شوارع باريس ومدريد ولشبونة تشير إلى أن الإجابة لم تحسم بعد.
