طبول الحرب تضغط على الأسواق العالمية.. الشرق الأوسط يعيد رسم خريطة المخاطر
(العربية)-23/10/2026
لم تعد نتائج الشركات الكبرى أو مؤشرات النمو الاقتصادي العامل الوحيد الذي يحرك الأسواق العالمية. فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وعودة الحديث عن مواجهات أوسع قد تشمل إيران، بدأت موجة جديدة من القلق تضرب أسواق الأسهم والطاقة والعملات، لتعيد إلى الواجهة ما يعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي ترفع مستويات التذبذب وتدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير الأصول بوتيرة سريعة.
ففي الوقت الذي جاءت فيه نتائج شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، مثل ميتا وتسلا، أفضل من المتوقع في كثير من المؤشرات التشغيلية، اختارت الأسواق التركيز على المخاطر السياسية والأمنية بدلاً من الأساسيات الاقتصادية. وانعكس ذلك في تعاملات ما قبل افتتاح جلسة اليوم الخميس، حيث تراجع العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.8%، وهبوط العقود الآجلة لمؤشري S&P 500 وداو جونز، في إشارة إلى تنامي حالة الحذر بين المستثمرين العالميين.
النفط يعود لقيادة المشهد
كان النفط أكبر المستفيدين من تصاعد المخاوف الجيوسياسية. فقفز خام برنت فوق 112 دولاراً للبرميل، مقترباً من أعلى مستوياته منذ سنوات، وسط مخاوف من أن أي مواجهة عسكرية أوسع قد تهدد تدفقات الطاقة من المنطقة التي تنتج نحو ثلث النفط العالمي.
وتزداد حساسية الأسواق تجاه التطورات الحالية لأن الشرق الأوسط لا يمثل مجرد منطقة إنتاج نفطي، بل يضم أيضاً أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لنقل الخام والغاز، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية يومياً. ولذلك فإن مجرد الحديث عن احتمالات تصعيد عسكري كفيل بإضافة دولارات عدة إلى أسعار النفط خلال ساعات قليلة.
من أسهم التكنولوجيا إلى الملاذات الآمنة
اللافت أن الضغوط الحالية جاءت رغم استمرار الزخم القوي في قطاع الذكاء الاصطناعي وصدور نتائج إيجابية من شركات كبرى مثل ميتا وسبيس إكس ومايكرون وAMD. لكن المستثمرين باتوا ينظرون إلى المشهد من زاوية مختلفة: ماذا لو تسببت الأزمة الجيوسياسية في إبطاء النمو العالمي أو رفع التضخم مجدداً؟.
هذا السؤال دفع جزءاً من الأموال للخروج من الأصول عالية المخاطر والاتجاه نحو الملاذات الآمنة التقليدية مثل الذهب والدولار الأميركي والسندات الحكومية، وهو نمط يتكرر عادة كلما ارتفعت احتمالات اندلاع أزمات عسكرية أو توسع نطاق النزاعات.
أوروبا وآسيا تدفعان الثمن
لم تقتصر الخسائر على “وول ستريت”. فقد هبطت مؤشرات أوروبا وآسيا بصورة متزامنة، في إشارة إلى أن المخاوف تجاوزت الحدود الإقليمية وأصبحت عالمية الطابع. وتراجعت مؤشرات ستوكس 600 الأوروبي وكاك الفرنسي، فيما تكبدت بورصات هونغ كونغ وكوريا الجنوبية واليابان خسائر متفاوتة، وفقا لشبكة “CNBC” الأميركية.
ويعكس هذا الأداء المخاوف من أن يؤدي استمرار التوترات إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الطاقة والشحن، وهي عوامل قد تضغط على أرباح الشركات العالمية خلال الفصول المقبلة.
هل يواجه العالم صدمة نفطية جديدة؟
رغم القفزة الحالية في الأسعار، يرى عدد من الاقتصاديين أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل هشاشة أمام صدمات النفط مقارنة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فالاستهلاك أصبح أكثر كفاءة، كما أن مساهمة الوقود في إنفاق الأسر تراجعت في العديد من الاقتصادات المتقدمة.
لكن ذلك لا يعني غياب الخطر. فاستقرار أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة وأوروبا، ويصعّب مهمة البنوك المركزية التي كانت تراهن على دورة أكثر هدوءاً لأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
الأسواق أمام اختبار جديد
يزداد قلق المستثمرين مع تصاعد الخطاب السياسي والعسكري في المنطقة، خصوصاً بعد التقارير التي تحدثت عن خطط أميركية وإسرائيلية محتملة ضد إيران، إلى جانب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن “الحل الوحيد المقبول هو إسقاط النظام في إيران”.
وبالنسبة للأسواق، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وقوع مواجهة عسكرية، بل في احتمالات اتساعها وتأثيرها على حركة التجارة والطاقة والاستثمار العالمي.
في المحصلة، تبدو الأسواق العالمية اليوم أمام معادلة معقدة: نتائج شركات قوية، واقتصاد عالمي لا يزال متماسكاً نسبياً، في مقابل تصاعد سريع للمخاطر الجيوسياسية. وبين هذين العاملين، يبدو أن “طبول الحرب” هي التي تفرض إيقاعها حالياً على شاشات التداول حول العالم، فيما يترقب المستثمرون ما إذا كانت الأزمة ستبقى في إطار الضغوط النفسية أم ستتحول إلى حدث اقتصادي عالمي واسع التأثير.
