الجنيه المصري تحت ضغوط متزايدة.. ما الحلول المطروحة لاحتواء التراجع؟
(العربية)-28/10/2026
يتعرض الجنيه المصري لضغوط متصاعدة دفعت العملة إلى تسجيل مستويات تاريخية جديدة أمام الدولار، في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق تجاه التطورات الجيوسياسية والاحتياجات التمويلية الخارجية، ما يضع البنك المركزي والحكومة أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي ودعم النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يرى النائب في مجلس النواب المصري محمد فؤاد أن إعلان البنك المركزي استهداف معدل تضخم عند 7% بهامش نقطتين مئويتين لم يعد كافياً بمفرده لتوجيه توقعات الأسواق، في ظل تركيز المستثمرين والشركات بشكل أكبر على مسار سعر الصرف وتأثيره المباشر على الأسعار وتكاليف الإنتاج.
ويؤكد فؤاد في حديثه لـ”العربية Business” أن استعادة مصداقية السياسة النقدية تتطلب رسائل أوضح بشأن المسار المتوقع للتضخم والإجراءات المرتقبة للوصول إلى المستهدف، بما يساعد على إعادة تثبيت توقعات السوق وتقليص حالة عدم اليقين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أظهرت فيه بيانات مجموعة بورصات لندن تسجيل الجنيه المصري مستوى قياسياً متدنياً عند 56 جنيهاً للدولار، بينما شهدت سوق الأسهم تقلبات حادة دفعت البورصة المصرية إلى تعليق التداولات مؤقتاً في إحدى الجلسات بعد هبوط قوي للمؤشرات. كما كان الجنيه قد تجاوز مستوى 56 للدولار في البنوك الكبرى يوم أمس الاثنين، وفي تعاملات الثلاثاء تماسك الدولار فوق هذه المستويات، ما يعكس ضغوطاً متزايدة من الطلب على النقد الأجنبي وارتفاع درجة الترقب تجاه التطورات الإقليمية والاقتصادية.
هل تكفي مرونة سعر الصرف وحدها؟
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله شدد مؤخراً على أن سعر الصرف المرن يمثل “خط الدفاع الأول” في مواجهة الصدمات الخارجية، معتبراً أن الهدف الأهم يتمثل في الحفاظ على سعر صرف موحد ومنع عودة التشوهات التي شهدتها السوق خلال فترات سابقة. ويستند هذا التوجه إلى الدروس المستفادة من أزمة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية، عندما أدى الدفاع عن سعر صرف شبه ثابت إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي واستنزاف موارد النقد الأجنبي.
لكن فؤاد يرى أن مرونة الصرف، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة المستخدمة لمواجهة الضغوط الحالية. فمع انتقال تراجع العملة إلى أسعار السلع والخدمات، يصبح البنك المركزي مطالباً بالاستعانة بأدوات أخرى مثل امتصاص السيولة من الأسواق، وتشديد السياسة النقدية إذا استدعت الظروف، أو حتى رفع أسعار الفائدة بشكل استباقي للحيلولة دون ترسخ موجة تضخمية جديدة.
معضلة الفائدة والتمويل الحكومي
غير أن رفع الفائدة لا يأتي دون تكلفة. فبحسب فؤاد، ارتفع متوسط تكلفة التمويل الحكومي إلى نحو 24.5% خلال الربع الثاني مقارنة مع 23.8% في الربع الأول، فيما بلغ متوسط العائد المقبول على أذون الخزانة لأجل عام نحو 25.9% في عطاء 22 أكتوبر. وهذه المستويات المرتفعة تعكس التحدي المزدوج الذي تواجهه السلطات النقدية: مكافحة التضخم من جهة، وتجنب زيادة أعباء خدمة الدين الحكومي من جهة أخرى.
ولذلك فإن أي تشديد نقدي إضافي قد يساهم في دعم الجنيه واحتواء الضغوط التضخمية، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الاقتراض على الدولة والقطاع الخاص، ما قد يؤثر في وتيرة النشاط الاقتصادي والاستثمار.
الحلول تتجاوز البنك المركزي
ويرى مراقبون أن استقرار الجنيه لن يتحقق عبر السياسة النقدية وحدها، بل يتطلب معالجة الأسباب الهيكلية الكامنة وراء الضغوط المتكررة على العملة. وتشمل هذه الإجراءات زيادة صافي التدفقات الدولارية من قطاعات التصدير والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، وتقليص فاتورة الواردات وخاصة الطاقة، وتعزيز الانضباط المالي، وتحسين ميزان المدفوعات.
كما أن تسريع برامج الطروحات الحكومية، وجذب استثمارات جديدة إلى قطاعات الصناعة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، يمكن أن يوفر مصادر أكثر استدامة للنقد الأجنبي مقارنة بالاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل أو أدوات الدين المحلية.
بين الصدمات الخارجية والإصلاحات الداخلية
يبقى التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو كيفية امتصاص الصدمات الخارجية دون إلحاق ضرر كبير بالنمو الاقتصادي. فالتوترات الإقليمية والمخاطر الجيوسياسية الحالية تعزز الطلب على الدولار وترفع علاوات المخاطر في الأسواق الناشئة، بينما تستمر الضغوط التمويلية على الاقتصاد المصري.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مزيج من السياسات يجمع بين مرونة سعر الصرف، وإدارة فعالة للسيولة، واستمرار الإصلاحات الهيكلية، وزيادة الموارد الدولارية المستدامة. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمكان استقرار الجنيه، بل بقدرة الاقتصاد المصري على بناء مصادر قوة دائمة تقلل من حساسيته للصدمات وتدعم استقرار العملة على المدى الطويل.
