تسونامي الذكاء الاصطناعي.. هل نحن مستعدون لاعادة مفهوم الاقتصاد؟
(العربية)-17/02/2026
م. عبدالله عودة الغبين
في المقابلات المتعددة مع إيلون ماسك نستمع إليه عادةً وهو يستشرف المستقبل بطريقة استثنائية فيما يتعلق بالتقنية؛ كيف لا، وهو أحد روادها ومهندسيها إن لم يكن رائدها الأول في هذا القرن. في استشراف جديد، في مقابلته الأخيرة في لقاء نُشر في الشهر الماضي على بودكاست شهير ، قدّم ماسك هذه المرة رؤية مركزية عن المستقبل القريب للذكاء الاصطناعي وتأثيره على الاقتصاد والمجتمع. في هذا اللقاء لم يقدّم قراءة تقنية عابرة، بل أطلق تحذيرًا وجوديًا شبّه فيه التحول القادم بموجة تسونامي عاتية. ليست الاستعارة هنا تزيينًا بل توصيفًا: نحن، وفق رؤيته، أمام قوة كاسحة لا تُنذر بتدرّج يمكن امتصاصه، بل باندفاع يمحو النماذج القائمة قبل أن تستوعب ما يجري.
الفكرة المركزية التي يطرحها أن الذكاء الاصطناعي لن يرفع الإنتاجية فحسب، بل سيعيد تعريف معنى الإنتاج ذاته. فالاقتصاد الصناعي الكلاسيكي كان مقيّدًا بثلاثة حدود: العمل البشري، ورأس المال المادي، والزمن. أما حين تقترن الخوارزميات بالروبوتات، فإن هذه القيود تتآكل دفعة واحدة. يصبح التوسع غير مرتبط بساعات عمل أو خطوط إنتاج تقليدية، بل بقدرة الأنظمة على التعلّم والتحسين الذاتي. يتسارع الإنتاج بوتيرة على شكل متوالية هندسية، فيما يظل المعروض النقدي يتحرك بوتيرة خطية مألوفة. والنتيجة ليست تضخمًا تقليديًا ولا ركودًا مألوفًا، بل فجوة تتسع بين ما يُنتَج وما يُقاس ويُدار نقديًا. في عالم كهذا، تبدو أدوات السياسة الاقتصادية وكأنها صُمّمت لعصر مختلف، لعالم كانت فيه الندرة قاعدة لا استثناء.
وحين يقول إن الأسعار ستنهار، فليس ذلك وعدًا استهلاكيًا بسلع أرخص، بل تشخيصًا لتفكك بنية التسعير ذاتها. إذا اقتربت التكلفة الحدّية من الصفر بسبب إلغاء العمالة البشرية وتقليص الهدر والأخطاء، فإن منطق الربحية الذي قام على ندرة الموارد سيتعرض لزلزال عميق. تاريخيًا، كان الانكماش كابوس البنوك المركزية لأنه اقترن بانهيار الطلب. غير أن الانكماش الناتج عن وفرة تكنولوجية شيء مختلف جذريًا؛ إنه يعكس فائض قدرة لا ضعف شهية.
يتوقع ماسك أن تلجأ الحكومات إلى الطباعة والتحفيز كما فعلت في أزمات الندرة. لكن ضخ السيولة في اقتصاد يغمره فائض مادي سريع النمو يشبه معالجة عدوى فيروسية بمضاد حيوي؛ ليس لأن الطبيب يجهل، بل لأن صندوق أدواته لا يحتوي على العلاج المناسب. النظريات الكلاسيكية لم تخطئ حين افترضت حدودًا للعمل والإنتاج؛ لقد وصفت واقعًا عاشه البشر قرونًا منذ الثورة الصناعية الأولى. غير أن الذكاء الاصطناعي يبدّل حدود المعادلة نفسها، فيجعل من الوفرة متغيرًا بنيويًا لا طارئًا دوريًا. عندها قد تفقد السياسة النقدية قدرتها على التأثير في الأسعار، لأن موجة العرض تتجاوز أي تدخل قصير الأمد.
ولا يتوقف التحول عند الأسعار والسياسات، بل يمتد إلى مقاييسنا ذاتها. الناتج المحلي الإجمالي يقيس القيمة المضافة عبر العمل ورأس المال والاستهلاك. لكن ماذا يعني هذا المقياس إذا أنتجت الأنظمة الذكية كميات هائلة بأسعار متدنية؟ هل ينمو الاقتصاد حين تتراجع الأسعار رغم تضاعف الكميات؟ أم يتقلص لأنه يقيس القيمة النقدية لا الوفرة الفعلية؟ المسألة ليست تحسين مؤشر هنا أو هناك، بل إعادة بناء الإطار المفاهيمي الذي نفهم به النشاط الاقتصادي. حين تنتقل البشرية من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة المدفوعة خوارزميًا، تصبح الحاجة ملحّة إلى فلسفة اقتصادية جديدة تعترف بأن القيمة قد تنفصل عن السعر، وأن الرفاه قد يرتفع حتى لو بدت الأرقام راكدة.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقًا بالسلطة. في الاقتصاد الصناعي كانت القوة لمن يملك رأس المال. أما إذا اقتربت تكاليف الإنتاج من الصفر، فإن المال يفقد جزءًا من مركزيته لصالح من يملك الأنظمة القادرة على إنتاج غير محدود. تتغير خريطة النفوذ من حيازة السيولة إلى حيازة البنية التحتية الخوارزمية والروبوتية. هنا يبرز خطر تركّز القوة في عدد محدود من الكيانات التقنية، بما يحمله ذلك من أسئلة حول الملكية، ودور الدولة، والعلاقة بين التكنولوجيا وأنظمة الحكم، وحدود الاحتكار في عالم تتضاعف فيه القدرة الإنتاجية بلا قيود بشرية تقليدية.
الرسالة التي يبعث بها ماسك ليست نبوءة تشاؤمية، بل دعوة إلى اليقظة. الأنظمة التي أدارت الاقتصاد العالمي منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بُنيت على افتراض أن الندرة هي الحالة الطبيعية. الذكاء الاصطناعي يقلب هذا الافتراض رأسًا على عقب، ويضعنا أمام مفترق تاريخي: إما أن نعيد تصميم أدواتنا ومقاييسنا وفلسفتنا الاقتصادية بما يلائم عصر الوفرة، أو نتمسك بأطرٍ تتآكل صلاحيتها سريعًا. الموجة، وفق هذا التصور، ليست احتمالًا بعيدًا بل واقعًا يتشكل. والسؤال ليس إن كانت ستضرب، بل إن كنا سنستقبلها كساحلٍ أعدّ سدوده واحتياطات سلامته، أم كأرضٍ مكشوفة تنتظر جرفها ؟!
