حذف أصفار العملة السورية.. أداة مالية بأبعاد أمنية
(البيان)-05/01/2026
«خطوة لإعادة الثقة وتنظيم التعامل بالليرة السورية».. هكذا وصف مصرف سوريا المركزي خطوة «حذف الأصفار» التي تم اعتمادها رسمياً ضمن الخطوات التي تتخذها البلاد لضبط السياسة النقدية بعد سنوات من الاضطرابات الناجمة عن تداعيات الحرب.
حددت السلطات السورية المعنية، الإجراءات والتعليمات التنفيذية لاستبدال العملة.
وحدد حاكم المصرف المركزي، عبد القادر الحصرية، مطلع يناير 2026 موعداً لإطلاق العملة السورية الجديدة، وبدء عملية استبدال العملة القديمة، بعد «حذف صفرين»، بحيث تكون كل 100 ليرة تساوي ليرة سورية واحدة، على أن تُجرى عملية الاستبدال عبر 66 شركة وألف منفذ مخصص، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».
يأتي ذلك في وقت تدخل فيه سوريا مرحلة نقدية مفصلية، بعد عام من سقوط النظام السابق، ومع عودة ملف العملة إلى صدارة النقاش الاقتصادي، في ظل ضغوط تضخمية مزمنة، واقتصاد أنهكته سنوات الحرب منذ 2011، وتراجع غير مسبوق في القوة الشرائية لليرة، ما أعاد طرح سؤال جوهري حول أدوات الدولة المتاحة لإعادة ضبط المشهد النقدي واستعادة الحد الأدنى من الثقة.
تطرح خطوة حذف الأصفار من الليرة السورية نفسها بوصفها أكثر من إجراء تقني لتبسيط التعاملات اليومية، إذ تحمل أبعاداً اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة، تتزامن مع محاولات كبح الاقتصاد الموازي، وتجفيف مصادر تمويل غير رسمية، وإعادة رسم العلاقة بين الكتلة النقدية المتداولة والجهاز المصرفي الرسمي.
وبحسب مراقبين، فمن شأن هذه الخطوة فتح الباب أمام اختبار حقيقي لفاعلية السياسة النقدية في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، بين آمال بإعادة تنظيم السيولة وضبط الأسعار، ومخاوف من أن يتحول الإصلاح النقدي إلى إجراء شكلي، ما لم يُسند بإصلاحات مؤسسية وإنتاجية أوسع تعالج جذور الأزمة الاقتصادية العميقة.
خطوة محورية
يقول الخبير الاقتصادي السوري، يونس الكريم، في تصريحات لـ «البيان»: إن حذف الأصفار من العملة يُعد خطوة محورية في مسار السياسة النقدية، لما يحققه من تقليص حجم الكتلة النقدية المتداولة، الأمر الذي يمنح المصرف المركزي قدرة أكبر على المناورة مستقبلاً في مواجهة التضخم، من خلال إصدار فئات نقدية أعلى قيمة وأكثر ملاءمة للتداول، مشيراً إلى أن «هذه الخطوة من شأنها تعزيز فاعلية أدوات السياسة النقدية ورفع كفاءتها في ضبط الاستقرار المالي».
ويوضح الكريم أن نجاح البنك المركزي في عملية الإصدار النقدي سيُسهم في تعزيز ثقة المتعاملين بالعملة الوطنية، وتنشيط الحركة التجارية، بما يدفع نحو اتساع استخدام الليرة كوحدة للتداول. وهذا بدوره ينعكس إيجاباً على رفع مستوى الاحتياطيات من العملات الأجنبية عبر زيادة الطلب على الليرة وتحسين تدفقاتها.
ويلفت كذلك إلى أن العملة الجديدة ينبغي أن تتضمن مستويات أعلى من مؤشرات الأمان للحد من التزوير والطباعة غير الرسمية، إضافة إلى كبح المضاربات التي أنهكت الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب، ولا سيما تلك المرتبطة بقنوات الحوالات غير الرسمية.
ويضيف الكريم أن إصدار عملة جديدة يمكن أن يسهم في كشف الأموال المجمدة وإعادة ضخّها في الدورة الاقتصادية عبر استثمارها من جديد، فضلاً عن دوره في إعادة هيكلة الأسعار وضبطها بما يتيح بناء سوق أكثر شفافية واستقراراً، معتبراً أن هذه الخطوة قد تمثل فرصة حقيقية للشروع في إعادة بناء الاقتصاد السوري إذا ما جرى تنفيذها ضمن رؤية متكاملة.
تجفيف منابع تمويل الميليشيات
في سياق متصل، ينظر محللون إلى أن قرار حذف الأصفار من الليرة السورية يعد أداة نقدية ذات أبعاد أمنية غير مباشرة، تتجاوز البعد التقني لإعادة هيكلة العملة، لتطال شبكات التمويل غير الرسمية التي راكمت سيولة نقدية ضخمة خارج النظام المصرفي.
فالميليشيات، سواء المحلية أو العابرة للحدود، اعتمدت خلال سنوات الصراع على تخزين الأموال نقداً أو تهريبها بعملات محلية متضخمة القيمة الاسمية، مستفيدة من ضعف الرقابة وانهيار الثقة بالمصارف.
وبالتالي فإن إعادة ترقيم العملة تُربك هذه الكتل النقدية، وتجبر حائزيها على المرور عبر قنوات رسمية لتحويلها، ما يعرّضها للتتبع والمساءلة.
من زاوية أخرى، يحدّ القرار من قدرة هذه المجموعات على استخدام النقد كوسيلة تشغيلية سريعة في التجنيد والدفع والتموين، فاستبدال العملة وفق ضوابط زمنية وإجرائية يفرض تكاليف ومعوقات لوجستية على من يحتفظون بأموال غير مُصرّح عنها، ويقلّص هامش المناورة في الاقتصاد النقدي الموازي.
وفي بيئة تتسم أصلاً بشح السيولة وانكماش النشاط الاقتصادي، تصبح أي عرقلة لتدفقات التمويل غير المشروع عامل ضغط مباشراً على استدامة هذه الكيانات.
كما أن إدماج جزء من الكتلة النقدية المتداولة في القنوات الرسمية يعزز قدرة الدولة على رسم خريطة أدق لتوزيع السيولة ومصادرها، ويفتح الباب أمام إجراءات لاحقة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة المسلحة.
ولا يُنظر إلى مسألة حذف الأصفار بوصفها حلاً سحرياً، غير أن توظيفها ضمن حزمة أوسع من السياسات النقدية والرقابية يمكن أن يحوّله إلى أداة فعّالة لتجفيف منابع التمويل غير المشروع، وتقليص الاقتصاد الرمادي الذي شكّل رئة مالية للميليشيات خلال سنوات الفوضى.
أبرز التحديات
وبالعودة لحديث يونس الكريم، فإنه في المقابل يحذّر من فجوات كبيرة قد تعيق تحقيق الأهداف الرئيسية من عملية استبدال العملة، ناجمة عن غياب بيئة قانونية واقتصادية واضحة، وضعف التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية، إضافة إلى عدم وضوح شكل الدولة الجاري العمل على إعادة بنائها، واستخدام الطباعة لإعادة خلق طبقة تجارية لصالح الحكومة، وهو ما يجعل أي إصلاح نقدي عرضة للتعثر ما لم تُستكمل المتطلبات المؤسسية والتنظيمية اللازمة.
يؤكد الكريم أن عملية استبدال العملة تصبح عالية المخاطر في ظل الهشاشة الأمنية، وخروج مناطق مثل شمال وشرق سوريا، وجنوب السويداء، والمناطق خارج الحدود عن معادلة التبادل، ما يفتح الباب أمام احتمال وجود عملتين أو حتى دفع الإدارة الذاتية إلى طباعة عملة جديدة خاصة بها، وتحول العملة إلى أداة تفاوض سياسي، وهو ما قد يربك المواطنين ويقوّض الاستقرار الاقتصادي ويصعب عملية جمع الجغرافيا السورية.
ويشير الخبير الاقتصادي السوري إلى أن تعايش عملتين (وفق التصور الذي يحذر منه) سيؤدي إلى صعوبة إجراء المعاملات المالية، ويدفع المواطنين للبحث عن عملات أكثر استقراراً، فضلاً عن احتمالات «ازدواجية الأسعار»، سواء عبر نشرات رسمية متعددة لسعر الصرف أو تنامي النشرات غير الرسمية، ما يعزز المضاربة ويخلق قيمتين مختلفتين للعملة، كما حدث في تجارب سابقة.
بموازاة ذلك يحذّر الكريم من أن التعامل المتوازي بعملتين قد يفتح الباب أمام غسل الأموال والتزوير، ويُحدث اختلالات اجتماعية واضحة؛ إذ قد يتمكن أصحاب النفوذ من استبدال أموالهم بسهولة أكبر مقارنة بالمواطنين الملتزمين بالقانون، بما يخلق فجوة إضافية في العدالة الاقتصادية.
وكان مصرف سوريا المركزي قد حدد فترة التعايش (الانتقالية) بين العملتين (القديمة والجديدة) لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، مؤكداً أن «إطلاق العملة الجديدة لا يُعد إجراءً شكلياً، بل يمثل محطة محورية ضمن استراتيجية شاملة تعكس التزام المصرف بتنفيذ سياساته الإصلاحية وفق معايير مهنية ومسؤولة»، وفق ما نقلت عنه وكالة سانا.
وفي سياق متصل، ينتقد الكريم غياب الجداول الزمنية الواضحة لعملية التبديل، معتبراً أن الطباعة المفتوحة تعيد إنتاج سياسة التمويل بالعجز كأداة لتغطية النفقات، ما يدفع عجلة الاقتصاد للدوران بشكل مصطنع، وخاصة أنها تتم دون تهيئة قانونية وسياسية ومؤسساتية كافية.
ويحذّر من أن ذلك كله سيقود إلى موجة تضخم جديدة وفوضى في إدارة السياسة النقدية، بدل أن يكون الإصدار النقدي خطوة إصلاحية مدروسة.
يختتم الخبير الاقتصادي حديثه لـ«البيان» بالتأكيد على أن غياب هذه التهيئة سيدفع المواطنين إلى التوسع في نهاية المطاف في استخدام الدولار باعتبار العملة الأمريكية عملة أكثر سهولة وقوة وضماناً واستقراراً.
دلالة نفسية
يقول الكاتب والمحلل الاقتصادي السوري، عدنان عبد الرازق، في تصريحات لـ«البيان»: إن قرار استبدال الليرة السورية يحمل أولاً دلالة نفسية ومعنوية بالغة الأهمية، لجهة إزالة صور رئيس النظام السابق بشار الأسد ووالده عن الفئات النقدية الكبيرة، معتبراً أن هذا الإجراء يخفف العبء النفسي لدى المتداولين والمكتنزين، ويرمز إلى طيّ مرحلة اقتصادية ارتبطت بانهيار الإنتاج وتدهور سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم.
وفيما يتعلق بالنتائج الاقتصادية المتوقعة، يؤكد أن سعر صرف العملة لا يحدده شكلها أو لونها أو حجمها، بل تحكمه مجموعة من المحددات الأساسية، في مقدمتها حجم الاحتياطي النقدي لدى المصرف المركزي.
ويشير إلى أن سوريا كانت تمتلك مع مطلع عام 2011 احتياطياً يقدَّر بنحو 18 مليار دولار، في حين لا يتوافر اليوم احتياطي فعلي، نتيجة ما تعرّض له من استنزاف وسرقة خلال السنوات الماضية.
ويوضح أن من أبرز محددات سعر الصرف أيضاً مستويات الإنتاج والصادرات، لافتاً إلى أن تدمير البنى التحتية والهياكل الإنتاجية جعل سوريا عند حدود دنيا من الإنتاج، وأوقعها في اعتماد واسع على الاستيراد، ما يستنزف الموجودات من القطع الأجنبي ويضغط على سعر الصرف.
ويتابع أن سوريا تحتاج بشكل ملحّ إلى رفع الإنتاج وتعزيز التصدير، إلى جانب تنشيط السياسة الترويجية للصادرات والسياحة، باعتبارهما رافدين أساسيين للعملات الأجنبية.
ويشير عبد الرازق إلى أن تحقيق توازن بين المعروض النقدي بالليرة والعملات الأجنبية هو المدخل لاستقرار سعر الصرف، غير أن هذه الشروط، وفق تعبيره، غير متوافرة حالياً. ومن المحددات المهمة أيضاً ثقة المستثمر والمكتنز والمتداول، معتبراً أن الورقة النقدية الجديدة قد تسهم في تعزيز هذه الثقة جزئياً من الناحية النفسية.
ويتابع أن الأمل يبقى معقوداً على استقطاب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد رفع العقوبات الدولية، وفي مقدمتها عقوبات قانون قيصر الأمريكي، موضحاً أن الاستثمار يضخ أموالاً في الاقتصاد، ويوفر فرص عمل، ويرفع الإنتاج، ويعزز الصادرات، بما يحقق شروط تحسن العملة.
وحول مسألة إلغاء الأصفار من الليرة السورية، يوضح عبد الرازق أن هذا الإجراء يندرج أساساً في الإطار النفسي، ولا يحمل أهمية اقتصادية حقيقية؛ لأن إلغاء الأصفار لا يحدد سعر العملة، بل تبقى المحددات الحقيقية هي الإنتاج والتصدير والاستثمار والاحتياطي النقدي. ويشير إلى أن اللجوء إلى هذا الخيار جاء نتيجة التضخم النقدي الهائل الذي أصاب الليرة.
ويستشهد بأن سعر الدولار كان مطلع عام 2011 بحدود 50 ليرة سورية، بينما تجاوز 12 ألف ليرة ليلة سقوط بشار الأسد، قبل أن يتحسن نسبياً لاحقاً، مؤكداً أن الليرة السورية لا تزال من أكثر العملات العالمية تراجعاً وتضخماً.
ويشدد على أن إلغاء الأصفار قد يكون مهماً نفسياً، لكن المطلوب فعلياً هو تأمين «عوامل قوة النقد»، التي تبدأ من الزراعة والصناعة، وتمتد إلى التصدير والسياحة، وصولاً إلى استقطاب الاستثمارات.
تجارب سابقة
يشار في هذا السياق إلى أن حذف الأصفار من العملات أداة متكررة استخدمتها دول عديدة -منذ العام 1923 في ألمانيا- في مواجهة التضخم الحاد واضطراب الأنظمة النقدية.
وتبرز في هذا السياق العديد من الدول التي لجأت إلى هذا الخيار، من بينها دول أفريقية مثل زيمبابوي التي حذفت 25 صفراً من عملتها على مراحل.
ومن بين أكثر الدول التي حذفت أصفاراً -على مراحل- من عملتها كانت البرازيل، بمحصلة إجمالية 18 صفراً، والقائمة تضم أيضاً من أمريكا الجنوبية فنزويلا، في تجارب ارتبطت جميعها بفترات تضخم مفرط وانهيار حاد في القوة الشرائية. كذلك الحال بالنسبة لتركيا وهولندا وإيران وإسرائيل والسودان، التي مرت بتجارب مماثلة.
العوامل السياسية والأمنية
وبالعودة لحديث عبد الرازق مع «البيان»، فإنه يؤكد أن العامل السياسي والأمني يظل الأهم، إذ لا يمكن لأي بلد مضطرب أن يجذب الاستثمارات، كما أن رأس المال -كما يقول – يبحث دائماً عن بيئة آمنة ومناخ قانوني وسياسي جاذب.
وعندما تتوافر هذه الشروط في سوريا، ستتدفق الاستثمارات، وينتعش القطاع الإنتاجي والتصديري، وينعكس ذلك تحسناً تدريجياً في سعر الليرة.
وفي ختام تصريحه، ينتقد عبد الرازق آلية طرح الورق النقدي الجديد، معتبراً أنه جاء بقرار فردي ومعزول من دون استطلاع رأي الشعب السوري بشأن حجم الفئات أو الرسوم والتصاميم، وهو يخالف ما يجري في العديد من دول العالم، حيث تُناقش مثل هذه الخطوات عبر البرلمانات أو الاستفتاءات العامة، كما حدث في دول مثل الأرجنتين وتركيا. ويؤكد أن تغييب آراء المواطنين المتداولين والمكتنزين يضعف من فعالية أي إجراء نقدي، مهما كانت دوافعه.
إعادة تنظيم
وتفتح إعادة هيكلة النقد الباب أمام إعادة تنظيم السياسة النقدية على أسس أكثر انضباطاً، عبر تقليص الفجوة بين الكتلة النقدية المتداولة والقدرة الفعلية للاقتصاد.
ويمنح استبدال العملة السلطات فرصة لإعادة تقدير حجم السيولة، وضبط إيقاع إصدار النقد مستقبلاً، بما يحد من التوسع غير المنضبط الذي غذّى التضخم سابقاً. ورغم أن الأثر لن يكون فورياً أو حاسماً، إلا أن هذه الخطوة -بحسب المحللين – قد تشكل نقطة انطلاق لإدارة نقدية أكثر تماسكاً، إذا ما أُتبعت بإصلاحات مالية وإنتاجية أوسع.
بدوره، يقول الأمين العام لهيئة العمل الوطني الديمقراطي في سوريا، محمود مرعي، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن استبدال الليرة السورية القديمة بعملة جديدة وطباعة إصدار نقدي جديد يعني عملياً إنهاء مرحلة سابقة كانت توضع فيها صور حافظ أو بشار الأسد على العملة.
ويوضح مرعي أن العملة السورية الجديدة لن تتضمن صوراً لأي رئيس، سواء الرئيس أحمد الشرع أو غيره، بل ستحمل رموزاً وطنية وتاريخية تعبّر عن الهوية السورية، مثل قلعة دمشق وقلعة حلب والجامع الأموي، إلى جانب عناصر أخرى مرتبطة بالتراث السوري.
ويشير إلى أن حذف صفرين من العملة، من شأنه أن يمنح العملة الجديدة قيمة اسمية مختلفة، وقد يسهم في الحد من معدلات التضخم، مضيفاً أن هذه الإجراءات من شأنها التخفيف من الأعباء اليومية على المواطن السوري، إذ إن تراجع قيمة الليرة السورية السابقة أمام الذهب أو الدولار أو اليورو كان يجبر المواطنين على حمل مبالغ نقدية ضخمة وبأحجام كبيرة لشراء أي سلعة من السوق.
ويتابع مرعي أن حذف صفرين من العملة الجديدة سيساعد على تسهيل التداول النقدي، وجعل عمليات البيع والشراء أكثر بساطة، بحيث يتمكن المواطن من حمل مبلغ كافٍ في جيبه أو حقيبة صغيرة لتلبية احتياجاته، بدلاً من حمل أكياس كبيرة من النقود.
استعادة الأموال المنهوبة
يُقرأ قرار حذف الأصفار من الليرة السورية كآلية ضغط غير مباشرة لإخراج الكتل النقدية المخبأة إلى العلن، خصوصاً تلك المتأتية من الفساد والنهب واقتصاد الحرب.
فالأموال التي جرى اكتنازها خارج الجهاز المصرفي، وبفئات نقدية قديمة، تفقد عملياً قابليتها للتداول ما لم تُقدَّم للتبديل ضمن أطر زمنية وإجرائية محددة، وهو ما يضع حائزيها أمام خيارين: إما الإفصاح عنها وتحمل مخاطر المساءلة، أو خسارة جزء معتبر من قيمتها الفعلية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تكسر منطق «الأموال المعطلة» الذي استفاد منه كبار المستفيدين من سنوات الفوضى؛ فإجبار هذه السيولة على المرور عبر نوافذ رسمية -ولو بشكل انتقالي- يمنح الدولة فرصة لإعادة بناء قاعدة بيانات نقدية أكثر شفافية، وربط الأموال المتداولة بمساراتها المحتملة.
ومع أن عملية التتبع قد لا تكون كاملة، إلا أنها تُقلّص هامش الإفلات، وتُعيد تعريف العلاقة بين السلطة النقدية والكتلة المالية المنهوبة.
إلى جانب ذلك، يحمل القرار بعداً ردعياً نفسياً واقتصادياً، إذ يبعث برسالة واضحة مفادها أن تراكم الثروة خارج الأطر القانونية لم يعد ملاذاً آمناً.
فمجرد الإعلان عن إعادة هيكلة العملة يُربك حسابات المضاربين، ويدفع بعضهم إلى تسويات غير معلنة أو إعادة ضخ الأموال في الاقتصاد الرسمي لتفادي الخسائر.
وبهذا المعنى، يتحول حذف الأصفار من إجراء نقدي تقني إلى أداة سياسية-اقتصادية لاستعادة جزء من الأموال المنهوبة، أو على الأقل تحييدها ومنع توظيفها مجدداً في شبكات النفوذ والفساد.
