حزمة «المركزي الإماراتي» تؤكد: الاستقرار المالي واقع لا توقعات
(البيان)-06/04/2026
حين تتحول السياسات إلى نتائج؛ حزمة مصرف الإمارات المركزي تعيد رسم معادلة الاستقرار المالي.. بهذه القراءة يمكن توصيف المرحلة التي أعقبت اعتماد «المركزي» لحزمة الدعم الاستباقية، حيث لم تعد آثارها مجرد توقعات نظرية، بل تحولت إلى مؤشرات ملموسة تعكس استقرار السيولة، واستمرارية التمويل، وتعزيز مستويات الثقة في القطاع المصرفي.
وفي مشهد اقتصادي تتسارع فيه المتغيرات عالمياً، برزت هذه الحزمة كأداة توازن فاعلة، عززت قدرة المنظومة المالية في الدولة على التكيف، مستندة إلى قاعدة صلبة من الملاءة المالية والاحتياطيات القياسية، ما يمنح «المركزي» زخماً تنفيذياً وقدرة حقيقية على التأثير.
وأكد مصرف الإمارات المركزي، الذي يشرف على احتياطيات قياسية من النقد الأجنبي تتجاوز 1 تريليون درهم (270 مليار دولار)، ونسبة تغطية للقاعدة النقدية تبلغ 119%، على متانة الأسس القوية للقطاع المصرفي في الدولة البالغ حجمه 5.4 تريليونات درهم.
واعتمد مجلس إدارة مصرف الإمارات المركزي حزمة من 5 محاور في مارس الماضي، تتضمن نهجاً استباقياً يهدف إلى تعزيز مرونة المؤسسات المالية، شملت:
1 – تدابير السياسة النقدية: تعزيز إمكانية الوصول إلى الأرصدة الاحتياطية بما يصل إلى 30% من متطلبات الاحتياطي الإلزامي، وتوفير تسهيلات سيولة آجلة بالدرهم والدولار الأمريكي.
2 – تخفيض متطلبات السيولة والتمويل: تخفيض مؤقت لنسب السيولة ونسب التمويل المستقر لمنح البنوك مرونة أكبر لدعم الاقتصاد.
3 – تخفيض متطلبات مصدات رأس المال: تخفيض مصدات التقلبات الدورية ومصدات حماية رأس المال (CCB) لدعم الاقتصاد.
4 – إدارة مخاطر الائتمان: إعطاء المرونة للبنوك لتأجيل تصنيف مديونيات الأفراد والشركات لتوفير تسهيلات مؤقتة لعملاء القطاع المصرفي المتأثرين بالظروف الاستثنائية.
5 – توفير دعم إضافي: في ظل الظروف الاستثنائية وأخذاً بعين الاعتبار الدعم المقدم، يؤكد المصرف المركزي على ضرورة استمرار البنوك بتقديم خدمات التمويل اللازمة لدعم العملاء والاقتصاد الوطني.
واليوم، ومع تفاعل البنوك والقطاع الخاص والأسواق مع هذه الإجراءات، تتأكد فاعلية الحزمة كأداة استراتيجية لم تقتصر على احتواء التحديات، بل أسهمت في تعزيز جاهزية القطاع المالي، وترسيخ ثقة المستثمرين، ودعم استدامة النشاط الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه أهمية المرونة والجاهزية في مواجهة المتغيرات العالمية، وهو ما يعكسه إجماع الخبراء على أن الحزمة شكلت نقطة تحول نوعية في مسار الاستقرار المالي وتعزيز كفاءة المنظومة المصرفية في الدولة.
مرونة ائتمانية
يرى الخبير المصرفي أسامة آل رحمة أن حزمة المرونة المالية التي أطلقها مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي شكلت نقطة تحول في طريقة تعامل القطاع المصرفي مع التحديات الراهنة، إذ لم تقتصر على كونها أداة دعم، بل جاءت كإطار متكامل لإدارة المخاطر وتعزيز الاستقرار، ما يجعلها أحد أهم محاور الدعم ذات التأثير المباشر على الأفراد والمؤسسات.
ويؤكد آل رحمة أن أبرز ما ميز الحزمة هو معالجتها المباشرة للضغوط الائتمانية، من خلال تأجيل تصفية الديون وإعادة تنظيم الالتزامات، وهي خطوة وفرت متنفساً مهماً للمستهلكين والمستثمرين، وساهمت في امتصاص جزء كبير من الضغوط قصيرة الأجل، خصوصاً لدى الجهات التي تعتمد على تدفقات نقدية متقلبة أو لديها التزامات تمويلية قائمة.
ويوضح أن هذا التوجه أسهم في خفض احتمالات التعثر، ومنح السوق فرصة لإعادة التوازن دون الدخول في دوامة من الضغوط الائتمانية المتراكمة، ما انعكس إيجاباً على استمرارية الأعمال وثقة المتعاملين مع القطاع المصرفي.
ويضيف أن قوة الحزمة تكمن في تحقيق هذا الدعم دون الإخلال بجودة الأصول المصرفية، حيث حافظت البنوك على التزامها بالمعايير الرقابية الصارمة، مدعومة بأطر تنظيمية متقدمة تضمن متانة المحافظ الائتمانية واستدامتها من خلال التقييم المستمر وإدارة المخاطر بكفاءة. وفي قراءة أعمق، يشير آل رحمة إلى أن القطاع العقاري كان أحد أبرز المستفيدين من هذه الإجراءات، لا سيما مع اعتماد تقييمات ما قبل 28 فبراير وتمديد العمل بها حتى نهاية يونيو، وهو ما جنب السوق تأثيرات التذبذبات اللحظية، ومنع انعكاسها المباشر على قرارات التمويل، خصوصاً فيما يتعلق بنسبة القرض إلى قيمة الأصل.
ويؤكد أن هذه الخطوة أسهمت في حماية توازن السوق العقاري وتفادي الصدمات السعرية، دون الإخلال بجودة الأصول، مستندة إلى سجل قوي للقطاع في مواجهة الأزمات السابقة، مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة «كوفيد – 19»، حيث أثبت قدرته على التعافي واستعادة زخمه.
ولا يقتصر تأثير الحزمة، بحسب آل رحمة، على القطاع العقاري، بل يمتد إلى الأسواق المالية، حيث ساهمت في تخفيف الضغوط على المستثمرين المرتبطين بتسهيلات ائتمانية مقابل الأسهم، عبر تقليل الاعتماد على التقييمات اللحظية المتقلبة، ما يحد من مخاطر طلب تغطيات فورية في توقيتات غير ملائمة.
ويرى أن هذه المعالجة عززت ثقة المستثمرين، وقللت من قرارات الخروج المتسرعة، ما دعم استقرار الأسواق ومنحها مساحة زمنية لاستعادة توازنها الطبيعي. كما يلفت إلى أن الشركات، خصوصاً في القطاعات المتأثرة، استفادت من الحزمة عبر مرونة إعادة جدولة القروض، بما يتناسب مع طبيعة تدفقاتها النقدية، ما مكنها من الاستمرار دون ضغوط تمويلية حادة. ويختتم آل رحمة قراءته بالتأكيد على أن ما تحقق يعكس نضج المنظومة المصرفية في الدولة، وقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة، مستندة إلى ملاءة مالية قوية وخبرات متراكمة، ما يجعل هذه الحزمة نموذجاً فعالاً في تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز استدامة النمو الاقتصادي.
ثقة واستقرار
وفي قراءة مكملة، ترى الخبيرة المصرفية عواطف الهرمودي أن الأثر الأبرز للحزمة الاستباقية تمثل في إعادة ترسيخ الثقة في القطاع المالي، ليس فقط على مستوى المؤسسات، بل لدى المتعاملين والأسواق بشكل عام، في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتسارع التقلبات الاقتصادية.
وتوضح أن أهمية هذه الحزمة لا تكمن في أدواتها فحسب، بل في توقيتها ودلالاتها التنظيمية، حيث بعثت برسالة واضحة مفادها أن الجهات الرقابية في الدولة تمتلك الجاهزية الكاملة للتدخل السريع، وتملك من المرونة ما يمكنها من حماية استقرار النظام المالي في مختلف الظروف.
وتشير إلى أن البنوك أظهرت استجابة احترافية وسريعة للحزمة، حيث بادرت إلى مراجعة سياساتها الائتمانية، وتبني نهج يجمع بين الحذر والمرونة، خصوصاً في التعامل مع العملاء المتأثرين، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بحركة التجارة والاستيراد والتصدير. وفي سياق متصل، تؤكد الهرمودي أن هذه الرسائل انعكست بشكل مباشر على مستويات السيولة داخل البنوك، التي حافظت على استقرارها، إلى جانب استمرار تدفق التمويل دون انقطاع، وهو ما يعكس فاعلية السياسات النقدية المتبعة، وقدرتها على تحقيق التوازن بين الدعم والاستقرار.
وتضيف أن هذا التوازن بين إدارة المخاطر وتقديم الدعم يعكس نضج القطاع المصرفي، وقدرته على التكيف مع المتغيرات دون الإخلال بأسس الاستقرار المالي، مشيرة إلى أن جميع هذه الإجراءات جاءت منسجمة مع توجيهات المصرف المركزي وأطر الحوكمة المعتمدة. كما تلفت إلى أن الحزمة أسهمت في تعزيز مرونة العملاء، من خلال توفير خيارات أوسع لإعادة هيكلة الالتزامات، وتخفيف الضغوط المالية، وهو ما انعكس إيجاباً على استمرارية الأنشطة الاقتصادية، وحد من أي تداعيات محتملة على السوق.
وترى أن هذه التطورات عززت من جاذبية البيئة المصرفية في الدولة، سواء للمستثمرين أم المودعين، حيث ارتفعت مستويات الثقة في قدرة البنوك على حماية الودائع وتوفير بيئة مالية مستقرة وآمنة.
وتختتم الهرمودي قراءتها بالتأكيد على أن ما تحقق ليس وليد اللحظة، بل نتيجة نهج مؤسسي متكامل يقوم على التنسيق المستمر بين الجهات التنظيمية والبنوك، وهو ما يرسخ مكانة دولة الإمارات نموذجاً متقدماً في إدارة الاستقرار المالي، وقادراً على مواجهة التحديات بكفاءة وثقة.
قوة مالية
وفي زاوية أكثر ارتباطاً بالأسس النقدية، يؤكد الخبير المصرفي أحمد عرفات أن قوة الحزمة لا يمكن فصلها عن الملاءة المالية الكبيرة التي يتمتع بها المصرف المركزي، والتي تشكل الركيزة الأساسية لفاعلية أي تدخل نقدي.
ويشير إلى أن امتلاك المصرف المركزي أصولاً تتجاوز تريليون درهم لا يعد مجرد مؤشر رقمي، بل يمثل درعاً مالية تعزز قدرة النظام المصرفي على امتصاص الصدمات، ويوفر هامش أمان واسعاً للتعامل مع مختلف السيناريوهات، سواء على مستوى السيولة أم الاستقرار النقدي.
ويوضح أن هذه القوة تنعكس مباشرة على ثقة الأسواق المحلية والدولية، حيث تعطي إشارات واضحة بوجود جهة تنظيمية قادرة على التدخل عند الحاجة، وتمتلك أدوات متعددة للحفاظ على التوازن المالي، خصوصاً في ظل التقلبات العالمية وارتفاع تكلفة التمويل.
وفيما يتعلق بمدى انعكاس الحزمة على النشاط الائتماني، يرى عرفات أن التأثير الفعلي سيعتمد على ديناميكية السوق وشهية البنوك للمخاطر، موضحاً أن توفر السيولة بحد ذاته لا يكفي، بل يجب أن يقترن بوجود طلب ائتماني قوي وقطاعات قادرة على تحقيق نمو مستدام. ويضيف أنه في حال توفرت هذه العوامل، فمن المتوقع أن نشهد تحول السيولة إلى تمويل فعلي، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية والشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي. وفي المقابل، يشير إلى أن بعض البنوك قد تتبنى نهجاً أكثر تحفظاً في المدى القصير، من خلال الاحتفاظ بجزء من السيولة كإجراء وقائي، في ظل استمرار بعض التحديات العالمية، وهو ما يعكس توازناً مطلوباً بين دعم النمو والحفاظ على جودة الأصول.
ويلفت إلى أن هذا السلوك لا يعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس نضجاً في إدارة المخاطر، حيث تسعى البنوك إلى توظيف السيولة بكفاءة دون التوسع غير المدروس في الإقراض.
ويؤكد عرفات أن الحزمة، مدعومة بهذه القاعدة المالية القوية، تمثل رافعة استراتيجية للقطاع المصرفي، تتيح له التحرك بمرونة أكبر، وتدعم قدرته على توجيه التمويل نحو القطاعات ذات الأولوية، بما يعزز استدامة النمو الاقتصادي.
ويختتم بالإشارة إلى أن تكامل قوة المصرف المركزي مع كفاءة البنوك وخبراتها المتراكمة يخلق منظومة مالية متماسكة، قادرة على الحفاظ على الاستقرار، وتعزيز جاذبية الدولة مركزاً مالياً موثوقاً في المنطقة.
تكامل مؤسسي
واستكمالاً للقراءة، يؤكد الخبير المصرفي د. حسن الريس أن ما يميز حزمة الدعم ليس فقط حجمها أو أدواتها، بل الإطار المؤسسي المتكامل الذي جاءت ضمنه، حيث تعكس انسجاماً واضحاً بين السياسات النقدية والتنظيمية، وقدرة عالية على إدارة التحديات بمنهج استباقي مدروس.
ويشير إلى أن الحزمة نجحت في تحقيق توازن دقيق بين تعزيز السيولة والحفاظ على الانضباط الرقابي، ما منح البنوك مرونة أكبر لدعم الاقتصاد، دون الإخلال بجودة الأصول أو مستويات الاستقرار المالي، وهو ما يعكس نضج البيئة المصرفية في الدولة.
ويضيف أن مرونة الإجراءات، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة مخاطر الائتمان وتصنيف التعثر، تعكس فهماً عميقاً لدورات الأعمال، حيث أتاحت للقطاع المصرفي التعامل مع الضغوط المرحلية بمرونة، دون تحويلها إلى تحديات هيكلية طويلة الأمد.
كما يلفت إلى أن قوة النظام المصرفي في الدولة ترتكز على دعائم استراتيجية متكاملة، تشمل الاستقرار النقدي المدعوم بربط الدرهم بالدولار الأمريكي، والتصنيفات الائتمانية المرتفعة للبنوك، إلى جانب البنية التحتية المتقدمة، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين ويجعل البيئة المالية أكثر جاذبية واستقراراً.
ويرى الريس أن القطاع المصرفي، في ضوء هذه الحزمة، سيواصل أداء دوره المحوري في تمويل الأنشطة الاقتصادية ودعم حركة التجارة والاستثمار، مع الحفاظ على كفاءة التشغيل وجودة الأصول، بما ينسجم مع مكانة الدولة مركزاً مالياً عالمياً.
ويختتم بالتأكيد على أن التجربة الإماراتية تعكس نموذجاً متقدماً في تحويل التحديات إلى فرص، عبر تكامل السياسات ومرونة الأدوات، ما يعزز استدامة النمو الاقتصادي، ويرسخ ثقة الأسواق محلياً ودولياً.
ثقة القطاع الخاص
وفي قراءة تعكس منظور القطاع الخاص، يؤكد راشد علي الأنصاري، الرئيس التنفيذي لمجموعة الأنصاري المالية، أن المبادرات الاستباقية التي دعمت الاقتصاد الوطني في الأوضاع الراهنة تمثل ترجمة عملية لرؤية مستدامة تضع تمكين القطاع الخاص وتعزيز تنافسيته في صميم الأولويات.
ويشير إلى أن أهمية هذه المبادرات لا تكمن في حجمها فحسب، بل في سرعة اتخاذها ودقة توجيهها، ما يعكس قدرة عالية على قراءة المتغيرات والتعامل معها بكفاءة، عبر قرارات حاسمة وسياسات واضحة وتنفيذ فعال يعزز استدامة الأعمال ويرسخ الثقة في البيئة الاقتصادية. ويضيف أن التجربة الإماراتية أثبتت قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص نوعية، حيث تواصل الدولة ترسيخ نموذجها الفريد في إدارة الأزمات، مستندة إلى منظومة اقتصادية متماسكة ومؤسسات قوية، قادرة على الحفاظ على التوازن ودعم النمو في مختلف الظروف. ويختتم الأنصاري بالتأكيد على أن هذه المبادرات تعزز من ثقة مجتمع الأعمال والمستثمرين، وترسخ مكانة الدولة بيئة اقتصادية جاذبة ومستقرة، تمضي بثقة نحو المستقبل في ظل قيادة رشيدة ورؤية واضحة.
