لندن تستضيف قمة «التمويل غير المشروع».. والكويت تدخلها بحزمة إصلاحات تشريعية
(القبس)-02/04/2026
تستعد المملكة المتحدة في يونيو 2026 لاستضافة «قمة التمويل غير المشروع» في قصر لانكستر في العاصمة لندن، بمشاركة حكومات ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات مالية كبرى، بهدف بناء تحالف دولي ضد «التمويل غير المشروع»، في إطار إستراتيجية بريطانية جديدة لمكافحة الفساد لعام 2025، تعيد تأكيد دور لندن القيادي في صياغة قواعد النظام المالي العالمي في حقبة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
تأتي قمة لندن في لحظة حرجة، تخضع فيها الكويت لتدقيق دولي غير مسبوق من مجموعة العمل المالي FATF، التي أقرّت في تقييماتها لعام 2024 بأن لدى الكويت إطارًا قانونيًا ورقابيًا ملائمًا لمكافحة التمويل غير المشروع، لكنه يعاني من قصور كبير على مستوى النتائج الفعلية، خاصة في التحقيقات والإدانات وتجميد أصول الإرهاب.
ورغم الإصلاحات التشريعية في 2025 (ومنها تعديلات قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106/2013 وتوسيع صلاحيات تجميد الأصول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن)، لم تكفِ هذه الخطوات لمنع إدراج الكويت فعليًا على «القائمة الرمادية» في اجتماع FATF في مكسيكو سيتي (11 – 13 فبراير 2026)، الذي أشار إلى «نواقص إستراتيجية خطيرة» في التنفيذ العملي رغم التقدم الجزئي، مما يجعل أي تشدد دولي تقوده لندن في ملف التمويل غير المشروع عامل ضغط مباشر ومكثف على المنظومة المصرفية والرقابية الكويتية، لإنجاز خطة عمل سريعة للخروج من القائمة.
تشابك مالي
الكويت ليست مراقِبًا بعيدًا عن لندن، فهي أحد المستثمرين البارزين في الاقتصاد البريطاني منذ خمسينيات القرن الماضي، عبر مكتب الاستثمار الكويتي في لندن، واستثمارات ضخمة في العقار والشركات البريطانية. هذا التشابك المالي يجعل أي إعادة تعريف بريطانية لمعايير المخاطر في العقارات أو الذهب أو حركة رؤوس الأموال، ضمن مخرجات قمة يونيو 2026، تطورًا له آثار مباشرة على طريقة تقييم البنوك والمؤسسات البريطانية لأموال الشركات والأفراد والصناديق القادمة من الكويت، خصوصاً في ظل وضع «القائمة الرمادية»، الذي يدفع المؤسسات المالية إلى تشديد العناية الواجبة، وتكلفة الامتثال على التعاملات ذات الصلة بالكويت.
تحذيرات FATF في 2024 وتشديد التشريعات الكويتية في 2025 لم تكفِ لتفادي الإدراج على «القائمة الرمادية» في فبراير 2026، رغم أنها هدفت أيضًا لحماية الوصول إلى المراكز المالية العالمية، مثل لندن، من تدقيق مفرط أو تأخيرات مكلفة. فقد أشارت تقييمات FATF الأخيرة، إلى تقدم في التحقيقات وبناء القضايا، لكن إلى ضعف في التنفيذ الفعّال لتجميد الأصول وملاحقة الشبكات المعقدة وإصدار الإدانات، مما أدى إلى الإدراج الفعلي رغم هذه الإصلاحات. ومع ذلك، يُعد الإدراج خطوة ضغط يمكن توظيفها لتسريع التنفيذ العملي والانتقال من التشريع إلى النتائج، مع التزام كويتي بخطة عمل محددة مع FATF للخروج من القائمة في أقرب وقت ممكن واستعادة الثقة المالية العالمية.
شريك واضح
خلال العقدين الماضيين، بُنيت صورة المستثمر الكويتي من أفراد ومؤسسات وصندوق سيادي في لندن على أنه رأس مال طويل الأمد، يسعى إلى الاستقرار أكثر من المضاربة. لكن مع تصاعد خطاب «التمويل غير المشروع» حول عقارات لندن المتضخمة والذهب والعملات المشفّرة، يصبح من مصلحة الكويت أن تتحول من مجرد مصدر لرأس المال إلى شريك واضح في ضبط التدفقات المالية، من خلال تحسين شفافية الملكية المستفيدة في الهياكل الاستثمارية، وتقوية دور وحدات الامتثال في البنوك المحلية، وتسهيل تبادل المعلومات مع السلطات البريطانية، بما يحد من مخاطر الربط بين الأموال الكويتية وأي تدفقات مشبوهة في السوق البريطاني.
تأتي قمة يونيو 2026 كمنصة نادرة أمام الكويت للانتقال من خانة «الدولة قيد المراقبة» على قائمة FATF الرمادية، إلى نموذج لدولة خليجية توظف موجة الإصلاحات الأخيرة في قوانين غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لتعزيز مكانتها كشريك موثوق في النظام المالي العالمي. فبدل أن تُقرأ الخطوات الكويتية كتجاوب دفاعي مع تحذيرات «القصور الجسيم في النتائج»، يمكن تقديمها في لندن كتحوّل استباقي لتعزيز جاذبية الكويت الاستثمارية، والانخراط في المعايير التي تسعى الدول الغربية إلى ترسيخها.
تمثّل قمة يونيو 2026 لحظة فارقة في مسار الحرب على «التمويل غير المشروع»، إذ تسعى لندن من خلالها إلى تحويل تراكم التقارير والتحذيرات إلى التزامات سياسية عملية، تعيد ضبط قواعد اللعب في قطاعات الذهب والعقار والعملات المشفّرة، وتربط بين مكافحة الفساد، وبين أمنها القومي ومكانتها كمركز مالي دولي. وفي هذا المشهد، لا تقف الكويت في موقع المتلقي السلبي، بل تدخل القمة بحزمة إصلاحات تشريعية ومذكرات تفاهم رقابية وأدوات امتثال متقدمة، تعكس إرادة سياسية واضحة لتعزيز متانة منظومتها المالية، والتموضع كلاعبٍ مسؤول يسعى إلى مواءمة معاييره مع أفضل الممارسات الدولية، مع الحفاظ على مكانته كمركز استثماري خليجي موثوق وشريك جاد في بناء تحالف دولي أوسع ضد التدفقات غير المشروعة.
