ما بعد قيصر… هل يستعيد الاقتصاد اللبناني أنفاسه؟ ..غبريل: فرص كبيرة في سوريا ومزايا تفاضلية للبنان… لكن لا نوم على حرير
(الديار)-05/01/2026
لا شكّ أنّ لبنان كان من أكثر الدول تأثرًا بالأحداث السورية، نظرًا إلى الارتباط الجغرافي والتاريخي والاقتصادي الوثيق بين البلدين. ومن أبرز تداعيات هذه الأحداث ما عُرف بـ«قانون قيصر»، الذي لم يكن مجرد أداة ضغط أميركية محصورة بسوريا، بل تحوّل إلى عقوبات عابرة للحدود أصابت لبنان في صميم بنيته الاقتصادية والتجارية والمالية.
فالقانون، الذي فُرض لمنع أي تعامل اقتصادي أو مالي أو تجاري مع الدولة السورية أو الجهات المرتبطة بها، أدّى عمليًا إلى شلل شبه كامل في حركة لبنان البرّية نحو عمقه العربي. أُغلقت المعابر أمام الصادرات اللبنانية، وارتفعت كلفة النقل إلى مستويات غير قابلة للتحمّل، فيما خسر المزارعون والصناعيون والأسواق اللبنانية منفذها الطبيعي نحو الأردن والخليج، ما انعكس تراجعًا حادًا في الصادرات وتراكمًا في الخسائر، ولا سيما في القطاعات الزراعية والغذائية.
واليوم، بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إلغاء «قانون قيصر»، يبرز السؤال الجوهري: هل يستفيد لبنان فعليًا من هذا التطور؟ وما حجم انعكاسه على الاقتصاد اللبناني؟
غبريل: قيصر كلّف لبنان مليارات ولم يستفد المواطن
على هذه الأسئلة يجيب الباحث الاقتصادي وكبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، الدكتور نسيب غبريل، الذي أشار في حديث لـ«الديار» إلى أنّ «قانون قيصر» كان يهدف إلى الضغط على النظام السابق في سوريا ومحاصرته ماليًا واقتصاديًا، لكن تداعياته طالت لبنان بشكل مباشر، خصوصًا في ملف الدعم.
وقال: «كما نعلم، أقرت الحكومة اللبنانية عام 2020 سياسة دعم السلع المستوردة، والتي لم يستفد منها المواطن اللبناني فعليًا، إذ جرى احتكار وتخزين وتهريب معظم السلع المدعومة، ما أدّى إلى استنزاف نحو 12 إلى 14 مليار دولار من احتياطي مصرف لبنان. هذا الدعم لم يره المواطن، بل ذهب بمعظمه إلى سوريا واستفاد منه النظام السابق وحلفاؤه، ولا يزال لبنان يدفع ثمن هذه السياسة حتى اليوم».
رفع قيصر… الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ
وأضاف غبريل أنّ المشهد اليوم مختلف، في ظلّ تغيير النظام في سوريا، وإعادتها تدريجيًا إلى الحضن العربي، والانفتاح على العالم بعد عزلة استمرّت عقودًا. وأوضح أنّ إزالة «قانون قيصر» لم تعد مجرّد إعلان سياسي شفهي، بل تحوّلت إلى مسار قانوني داخل الكونغرس الأميركي، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ما يفتح الباب واسعًا أمام الشركات العربية والأجنبية.
وأشار إلى أنّه فور إعلان الرئيس ترامب رفع العقوبات، بات من الممكن للوفود الرسمية الدولية التوجّه إلى سوريا، وقد شهدنا بالفعل زيارات لوفود من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو أمر لم يكن ممكنًا في ظلّ «قانون قيصر». ولفت إلى أنّ الشركات والمصارف العربية والأجنبية كانت في حالة ترقّب بانتظار الإلغاء الرسمي للقانون، وهو ما تحقّق مؤخرًا.
إعادة إعمار بـ216 مليار دولار… وسوريا تبني دولة من الركام
وأوضح غبريل أنّ الإلغاء الرسمي للقانون فتح الباب أمام ترجمة هذا القرار على الأرض، من خلال مشاريع أُعلن عنها وبدأ تنفيذها، إضافة إلى إعادة دمج سوريا تدريجيًا في النظام المالي والمصرفي العالمي.
وأشار إلى أنّ البنك الدولي قدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يعني وجود حاجات ضخمة للتمويل والاستثمار. لكنه شدّد في المقابل على أنّ السلطات السورية الجديدة لا تبني اقتصادًا فحسب، بل تبني دولة كاملة من الركام الذي خلّفه النظام السابق، أي مؤسسات ودولة واقتصاد في آنٍ معًا.
لبنان أمام فرصة… ولكن المنافسة قاسية
وبحسب غبريل، فإنّ الإلغاء الرسمي لـ«قانون قيصر» يؤشّر إلى مرحلة جديدة لسوريا، وانخراط تدريجي في الاقتصادين الإقليمي والدولي، وإتاحة الفرص أمام الدول والشركات والمؤسسات والمصارف للبحث في مجالات تعاون اقتصادي.
وأكد أنّ هذا الأمر ينطبق أيضًا على القطاع الخاص اللبناني، مشيرًا إلى وجود مزايا تفاضلية للبنان، أبرزها القرب الجغرافي، وخبرة الشركات والمصارف اللبنانية في السوق السورية، والعلاقات التاريخية بين البلدين.
وكشف أنّ الصادرات اللبنانية إلى سوريا بلغت 110 ملايين دولار في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، بارتفاع نسبته 107% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، لكنها لا تزال تشكّل أقل من 5% من إجمالي الصادرات اللبنانية، ما يعكس هامشًا واسعًا للنمو.
وأضاف أنّ سوريا تُعدّ المعبر البرّي الوحيد للصادرات اللبنانية نحو الأردن والعراق ودول الخليج، وبالتالي فإنّ تحسّن الأوضاع فيها يفتح الباب أمام عودة التصدير البرّي، ويخفّف كلفة الشحن التي أثقلت كاهل المؤسسات اللبنانية منذ عام 2011.
تحذير: لا نوم على حرير
ورغم الفرص المتاحة، شدّد غبريل على أنّه «لا يجوز للشركات اللبنانية أن تنام على حرير المزايا التفاضلية»، لأنّ المنافسة ستكون شديدة، مع دخول شركات من الدول العربية وأوروبا وأميركا وآسيا إلى السوق السورية.
وقال: «على الشركات اللبنانية أن تكون جاهزة، وأن تعرف كيف تشارك بفعالية في نهضة الاقتصاد السوري، لأنّ المنافسة المقبلة ستكون قاسية، ولن تُترك الساحة لأحد».
وختم غبريل بالتأكيد أنّ إلغاء «قانون قيصر» يصبّ في مصلحة الاقتصاد اللبناني بطبيعة الحال، خصوصًا أنّ الاقتصاد السوري لا يمتلك حاليًا الإمكانيات الكافية للنهوض بمفرده، ويحتاج إلى مساهمات خارجية واسعة في مختلف القطاعات. ولفت إلى أنّ حجم الاقتصاد السوري تقلّص من نحو 60 مليار دولار عام 2010 إلى حوالى 8 مليارات دولار عام 2024، ما يشير إلى هامش نمو كبير محتمل في المرحلة المقبلة.
