هجرة الأموال الساخنة من تركيا إلى مصر… ما تأثيرها في البلدين؟
(النهار)-04/04/2025
ما هي قبلة الأموال الساخنة بعد الهجرة من تركيا، وما مدى تأثير ذلك على الاقتصاد التركي، وهل تحصل مصر على حصة من الاستثمار الأجنبي المهاجر من تركيا، وكيف يستفيد الاقتصاد المصري من الأموال الساخنة الوافدة من أنقرة؟
تسبب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو ، في تهم تتعلق بالفساد، بانتشار التظاهرات في الشارع التركي، ما أصاب الأسواق المالية بهزة قوية، وفقدت الليرة نحو 14% من قيمتها لتهبط إلى مستوى 42 ليرة لكل دولار، وانتاب المستثمرين الأجانب قلق شديد وبدأ العديد منهم ببيع أصول تركية، كما شهدت سوق المال التركية هجرة للأموال الساخنة، فما هي قبلة هذه الأموال بعد الهجرة من تركيا، وما مدى تأثير ذلك على الاقتصاد التركي، وهل تحصل مصر على حصة من الاستثمار الأجنبي المهاجر من تركيا، وكيف يستفيد الاقتصاد المصري من الأموال الساخنة الوافدة من أنقرة؟
تعريف الأموال الساخنة (Hot Money)
هي استثمار أجنبي غير مباشر في الغالب يكون قصير الأجل، مثل الاستثمار في السندات وأذون الخزانة، تم نقله من دولة إلى دولة أخرى؛ بهدف الاستفادة من الوضع الاقتصادي في الدولة الجديدة، مثل أنها تقدم فائدة أعلى على الاستثمار، أو أنها ستطبق تعويماً على سعر صرف عملتها المحلية فتصبح أضعف أمام العملات الأجنبية، وبالتالي تصبح هذه الدولة جاذبة للاستثمار الأجنبي غير المباشر.
المشهد الاقتصادي بين تركيا ومصر
شهدت بورصة إسطنبول تراجعات حادة عقب الاحتجاجات على اعتقال أكرم إمام أوغلو، وبدأ المستثمرون الأجانب ببيع أصول تركية وتحويل قيمتها إلى خارج تركيا، الأمر الذي دفع البنك المركزي التركي الى التحرك بسرعة لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار، وضخ على الفور 14 مليار دولار لتوفير السيولة والنقد الأجنبي ودعم الليرة واستقرار سوق الصرف الأجنبي بعد هجرة المليارات من الأموال الساخنة، وهذه الخطوة أدت إلى تحسن قيمة الليرة التركية لتسجل 37.9 ليرة للدولار في مقابل 42 ليرة للدولار عند اندلاع الاحتجاجات.
بورصة إسطنبول
ورجّح خبراء استطلعت “النهار” آراءهم أن تكون المليارات المهاجرة من السوق التركية قد ذهبت إلى مصر، وعزوا ذلك إلى جاذبية السوق المالية المصرية التي تقدم أعلى عائد على الاستثمار بفائدة 27.5% وسط توقعات بإجراء تعويم جديد قد يخفض سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية، ما يزيد من عوائد الاستثمار في القاهرة ويجعل السوق المصرية القبلة الأولى للأموال الساخنة المهاجرة من تركيا.
وفي مصر ضخ الأجانب والعرب 1.23 مليار دولار في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري يوم الثلاثاء 18 آذار (مارس) 2025، ليصل صافي مشترياتهم إلى 2.5 مليار دولار خلال أسبوع.
يقول خبير أسواق المال ياسر غريب لـ”النهار” إن هجرة الأموال الساخنة من تركيا إلى مصر تعكس تحولات كبيرة في الأسواق المالية الإقليمية، ويمكن أن تكون لها آثار كبيرة على كلا الاقتصادين، وقد يؤدي هذا التحول الى زيادة السيولة في السوق المصرية، ما قد يساهم في دعم النمو الاقتصادي. ومع ذلك، على الحكومة المصرية أن تكون حذرة في إدارة هذه التدفقات لضمان عدم حدوث تقلبات كبيرة في السوق.
ذكريات مصرية مؤلمة مع الأموال الساخنة
يذكر أن نحو 15 مليار دولار من الأموال الساخنة غادرت مصر أثناء أزمة الأسواق الناشئة عام 2018، وما يقرب من 20 مليار دولار خرجت أيضاً عند تفشي جائحة “كوفيد-19” خلال عام 2020. كما تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 بخروج 21.5 مليار دولار من قيمة الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وفق تصريحات وزير المال المصري السابق محمد معيط.
ويضيف غريب أنه بالنسبة إلى مصر، يمكن أن يؤدي تدفق الأموال الساخنة إلى زيادة السيولة في الأسواق المالية، ما قد يعزز الاستثمار والنمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإنه يشكل أيضاً اخطاراً مثل زيادة التقلبات والضغوط التضخمية المحتملة إذا لم تتم إدارتها بشكل صحيح.
ويرى أن مصر التي تستعد لخفض أسعار الفائدة وتطبيق نظام تعويم جديد، قد تبدو وجهة جذابة للمستثمرين؛ لأن خفض الفائدة يعزز من جاذبية الأصول المصرية، كما أن التعويم الجديد قد يساهم في تحسين تنافسية الجنيه المصري ويجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
ويوصي غريب بضرورة مراقبة هذه التطورات عن كثب؛ لأنها يمكن أن تؤثر على استراتيجيات الاستثمار والظروف الاقتصادية في كلا البلدين، ويقول: “في النهاية، هجرة الأموال الساخنة تمثل فرصة وتحدياً في آن واحد، وعلى صانعي السياسات في مصر أن يتعاملوا مع هذه الديناميكيات بحذر لضمان استدامة النمو الاقتصادي”.
وفي السياق نفسه، يرى خبير أسواق المال وعضو مجلس إدارة شركة “كايزن” للاستشارات المالية عمرو وهيب في حديث إلى”النهار”، أن ما يحدث في تركيا حالياً يلقي بظلاله على خروج الأموال الساخنة، في وقت كانت فيه أنقرة سوقاً جاذبة للاستثمار الأجنبي غير المباشر بفضل الانخفاض المستمر لليرة في ظل معدلات تضخم مرتفعة، وفائدة مرتفعة بلغت 46% في آذار (مارس) 2025.
ويشرح وهيب أن خروج تلك التدفقات النقدية والمالية من تركيا يشكل ضغطاً كبيراً على قيمة الليرة التركية ويضع الاقتصاد التركي أمام مزيد من الضغوط والتحديات التي، بدورها، تهدد الاستقرار في أنقرة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير لمعدل التضخم البالغ 42% في كانون الثاني (يناير) الماضي، وتراجع قيمة الليرة وارتفاع سعر الفائدة على الإقراض لتصل إلى 50%، وكل هذه العوامل دفعت المستثمرين الأجانب والأتراك إلى البحث عن بلد أخر لنقل استثماراتهم إليها وهنا تظهر مصر دولة جاذبة للاستثمارات.
ويتابع أن القاهرة تسعى دوماً إلى جذب الاستثمارات والتدفقات المالية الأجنبية بشتى الطرق، وذلك عن طريق رفع أسعار الفائدة في البنوك التي بلغت قيمتها في آذار (مارس) 2025 مستوى 27.5% سنوياً، وهذا هدفه دعم وتعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر الدخول للسوق المصرية ودعم أدوات الدين المحلية.
تحذير من تقلبات اقتصادية في مصر
ويدعو وهيب الحكومة المصرية إلى الحذر الشديد من الأموال الساخنة ودخولها السوق المحلية؛ إذ انها قد تشكل اخطاراً كبيرة على معدل التضخم الذي سيرتفع في مقابل تراجع قيمة الجنيه المصري في حال خروج هذه الأموال الساخنة من السوق المصرية بشكل مفاجئ.
ويقول: “إذا لم تعد الحكومة المصرية توظيف تلك الأموال الساخنة بشكل يعود عليها وعلى اقتصادها بالفائدة التنموية والإنتاجية، فإن ضرر هذه الأموال الساخنة سينعكس سلباً بشكل كبير على التقلبات الاقتصادية الداخلية مع ارتفاع معدل التضخم، كما على الحكومة المصرية أن تعمل على تشريع قوانين محفزة وداعمة للاستثمار لضمان استدامة الأموال الساخنة في السوق المصرية وعدم خروجها بسرعة، بما يعود بالفائدة على الطرفين، خصوصاً أن السوق المحلية المصرية هي سوق كبيرة جداً واستهلاكية”.
ويتوقع أن تقتنص مصر الفرصة الكبيرة حالياً في ظل ضبابية الأوضاع التركية فتعمل بقوة وبشدة على جذب الاستثمارات التركية والأموال الساخنة، وإعادة رسملتها وتدويرها وتوجيهها لاستثمارات طويلة الأجل ومنتجة تعزز القطاعات الاقتصادية الإنتاجية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام بعيداً مما كان يحدث سابقاً من توجيه تلك الأموال الساخنة لتوظيفها في البورصة المصرية كاستثمارات وتدفقات مالية قصيرة الأجل.