هل تحولت بنوك المراسلة الأمريكية إلى بوابة للهيمنة المالية ؟
(البيان)-05/01/2026
عندما يضغط عميل في دبي زر التحويل بالدولار إلى القاهرة، لا تسافر أمواله مباشرة إلى وجهتها، بل تعبر أولاً نيويورك، حتى وإن لم تكن الولايات المتحدة طرفاً في الصفقة.
وفي عالم التجارة والتمويل الدولي، لا تنتقل الدولارات بين البنوك مباشرة، بل تمر عبر ما يُعرف بـ«بنوك المراسلة» (Correspondent Banks)، وهي بنوك كبرى – معظمها في الولايات المتحدة – تمسك فعلياً بمفاتيح التسوية والمقاصة بالدولار الأمريكي، وتُعد هذه البنوك العمود الفقري للتجارة العالمية، إذ تمر عبرها الغالبية الساحقة من المعاملات التجارية والمالية المقوّمة بالدولار، بما في ذلك تجارة النفط والسلع الأساسية والتحويلات العابرة للحدود.
هذه الرحلة غير المرئية ليست خللاً تقنياً، بل تعبير دقيق عن بنية مالية عالمية تتمحور حول الدولار الأمريكي، وتمنح واشنطن نفوذاً يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والسيادة.
وهذه البنية لا تعكس مجرد هيمنة نقدية، بل تكشف عن تبعية عميقة للبنية التحتية المالية الأمريكية، حيث تمر المدفوعات عبر أنظمة مثل CHIPS وFedWire، وتخضع لقواعد قانونية ورقابية أمريكية، وبذلك، تكتسب الولايات المتحدة سلطة فعلية على تدفقات الأموال العالمية، تمتد آثارها إلى الدول والشركات والأفراد، سواء كانوا خاضعين لعقوبات رسمية أم لا.
ومع أن هذه المنظومة وفّرت لعقود طويلة الاستقرار والكفاءة والسيولة للتجارة العالمية، إلا أنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام تسييس المال وتسليح العملة، ما دفع عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة التساؤل:
هل أصبحت بنوك المراسلة الأمريكية مجرد وسيط تقني، أم أداة نفوذ تتجاوز حدود الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية؟
بينما تظهر بدائل جديدة مثل العملات الرقمية للبنوك المركزية، ونظام المدفوعات الصيني (CIPS)، ومنصة «بُنى» العربية، يبقى الاعتماد على الدولار محورياً في التجارة والتمويل الدولي، مع كلفة هيكلية ودائمة على الدول العربية.
من هنا، يتتبع هذا التحقيق كيف تعمل بنوك المراسلة الأمريكية؟ ولماذا أصبحت بوابة إلزامية للمال العربي؟ وما الكلفة الاقتصادية والسيادية لهذا الاعتماد؟ وهل توجد بدائل واقعية تقلّص هذه الهيمنة دون تفكيك النظام المالي العالمي؟

فريقان متعارضان
استطلعت «البيان» آراء مجموعة من المصرفيين والخبراء الماليين العرب والأجانب يعملون أو عملوا سابقاً في مواقع بارزة بمؤسسات مالية حكومية أو شبه حكومية أو في القطاع الخاص، وبالفعل انقسمت الآراء حول دور بنوك المراسلة وهيمنتها، الفريق الأول يرى أن بنوك المراسلة الأمريكية تشكّل، بحكم الواقع، مفصلاً أساسياً في النظام المالي العالمي، في ظل الهيمنة الواسعة للدولار الأمريكي على التجارة الدولية وتسوياتها.
ويؤكد هؤلاء أن هذه الهيمنة لا تنبع بالضرورة من نيات سياسية مباشرة، بل من بنية تاريخية واقتصادية عميقة جعلت الدولار العملة الأكثر استخداماً في التجارة والاحتياطيات، ما فرض مرور المدفوعات عبر بنوك مراسلة وأنظمة مقاصة أمريكية.
ووفق هذا المنظور، يؤكد الفريق الأول أن البنوك المراسلة تُعد جزءاً من آلية تنظيمية تضمن الانضباط المالي والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتُسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي العالمي، وإن كانت هذه الآلية مكلفة من حيث الرسوم ومتطلبات الامتثال، وخصوصاً في المعاملات العابرة للحدود.
في المقابل، يذهب الفريق الثاني إلى أن هذا الدور التنظيمي تحوّل مع الوقت إلى نفوذ بنيوي قابل للتفعيل سياسياً، معتمدين على حقيقة أن الوصول إلى أنظمة المقاصة الحيوية بالدولار بات شرطاً لا غنى عنه لأي بنك يسعى للمشاركة في التجارة والتمويل العالميين.
ويشير هؤلاء إلى أن الكلفة لم تعد اقتصادية فقط، بل سيادية أيضاً، إذ يفرض الاعتماد على الدولار التزاماً عملياً بالسياسات النقدية والتنظيمية الأمريكية، ويعرّض الدول والبنوك لمخاطر «خفض المخاطر» والعزل المالي حتى في غياب عقوبات رسمية.
وبينما يقرّ هذا الفريق بأن البدائل الناشئة سواء أنظمة مقاصة إقليمية أو عملات رقمية للبنوك المركزية لا تزال غير قادرة على استبدال النظام القائم بالكامل، إلا أنه يرى فيها مساراً تدريجياً لتقليص المخاطر وتنويع قنوات التسوية، بدلاً من الاستمرار في اعتماد أحادي على منظومة واحدة.
الدولار وسلاح النفوذ
يرى الدكتور ناصر السعيدي، الاقتصادي اللبناني المخضرم، مُؤسِّس ورئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه، والذي عمل سابقاً كوزير للصناعة في الحكومة اللبنانية ونائب محافظ البنوك المركزية اللبنانية وكبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي، أن الدولار الأمريكي يهيمن على التجارة والمعاملات المالية الدولية، بما في ذلك النفط، من خلال شبكة بنوك المراسلة الأمريكية، ما يمنح السلطات الأمريكية قدرة قانونية على أي معاملة بالدولار في العالم.
ويبلغ نصيب الدولار من حجم تمويل التجارة الدولية نحو 80.15%، مقابل 8.36% لليوان الصيني و6.17% لليورو، ما يعكس قدرة الدولار على التحكم في تدفقات الأموال العالمية، بما في ذلك الأموال العربية.
ويشير السعيدي إلى أن الولايات المتحدة تستخدم الدولار كأداة سياسية، عبر العقوبات الاقتصادية والاستبعاد من نظام سويفت ومصادرة الأصول، بما يعكس أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي، ويمتد هذا التأثير ليشمل حالات «سلاح ناعم» عبر قطع العلاقات المصرفية مع دول مثل لبنان وليبيا والسودان وسوريا، بذريعة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو لأسباب جيوسياسية، ما يؤدي عملياً إلى عزل هذه الدول عن النظام المالي العالمي.
ويؤكد السعيدي أن هيمنة الدولار اليوم ترتكز أكثر على بنية المدفوعات وأنظمة التسوية، وليس فقط على دور العملة.
حيث يعالج نظام FedWire نحو 4 تريليونات دولار يومياً، وCHIPS حوالي 1.8 تريليون دولار، فيما تمر نحو 95% من المدفوعات بالدولار عبر هذه الأنظمة.
ورغم أن نظام سويفت ليس أمريكياً، إلا أنه التزم غالباً بتوجيهات الولايات المتحدة في حالات إيران وروسيا، ما يعكس قدرة أمريكية على التأثير على النظام المالي الدولي.
ويضيف السعيدي إن الاعتماد على الدولار يرفع تكاليف المعاملات ويزيد مخاطر سعر الصرف، وخصوصاً في المعاملات الخليجية مع الصين، ما يدفع إلى التفكير في استخدام اليوان الصيني الرقمي لتسوية معاملات الطاقة والتجارة المباشرة بين الطرفين.
كلفة اقتصادية وسيادية
ويشير السعيدي إلى أن الاعتماد على بنوك المراسلة الأمريكية يفرض كلفة مباشرة على الدول العربية، تشمل رسوم البنوك وفروق أسعار الصرف، كما يتيح للدول المصدرة للدولار تحقيق عوائد سك العملة (Seigniorage)، ويعكس ما يُعرف بـ«الامتياز المفرط» للولايات المتحدة.
وتربط معظم دول الخليج عملاتها بالدولار، ما يعني الالتزام بالسياسة النقدية الأمريكية.
ويرى السعيدي أن التنويع بسلة عملات تشمل الدولار واليورو واليوان قد يحقق استقلالاً نقدياً أكبر، في حين تبقى حيازات الصناديق السيادية الخليجية للدولار مرتفعة رغم بدء توجه تدريجي للتنويع بعيداً عن الأصول الأمريكية.
أما بالنسبة للبدائل، مثل نظام المدفوعات الصيني (CIPS)، والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، ومنصة «بُنى» العربية، فهي واعدة لكنها محدودة النطاق.
حيث عالج نظام CIPS نحو 12 تريليون دولار في 2024 عبر 1600 مؤسسة مالية في 100 دولة، فيما لا تتجاوز حصة اليوان من المدفوعات العالمية 3%.
وتتيح العملات الرقمية للبنوك المركزية إمكانية تحويل مباشر بين عملات سيادية دون المرور بالبنوك الأمريكية، كما نجحت الإمارات في أول تجربة دفع عبر الدرهم الرقمي مع الصين ضمن مشروع «إم بريدج» mBridge، ما يعكس إمكانيات تقنية لتقليل الاعتماد على الدولار مستقبلاً.
وتسمح منصة «بُنى» بتسوية المدفوعات بين الدول العربية باستخدام ست عملات، بما يقلل التكاليف والمخاطر الجيوسياسية، لكنها لا تزال غير قادرة على منافسة سيولة منصة سويفت العالمية، وتعالج نحو 15 ألف معاملة شهرياً بمشاركة 110 مؤسسات مالية، ما يجعلها في مرحلة نمو تدريجية لكنها واعدة.
آفاق مستقبلية
يختم السعيدي بقوله إن تطوير منصة «بُنى» وإدماج العملات الرقمية قد يشكّل خطوة أساسية نحو نظام مقاصة خليجي مشترك، بدعم البنوك المركزية الخليجية وقدرتها على إنشاء خطوط مقايضة ثنائية وإقليمية، ما يعزز المرونة ويقلص المخاطر الاقتصادية والسيادية، مع الاحتفاظ بالتكامل مع النظام المالي العالمي.
واقع المدفوعات الدولية
يرى جمال صالح، المدير العام لاتحاد مصارف الإمارات، أن اعتماد البنوك على المراسلة الأمريكية في معظم المدفوعات الدولية يشكّل حالة طبيعية في النظام المالي العالمي.
ويعود ذلك إلى أن نحو 60 – 70% من معاملات التجارة الدولية تتم بالدولار الأمريكي، ما يجعل المرور عبر البنوك الأمريكية جزءاً من آليات العرض والطلب وشعبية العملة على مستوى العالم.
ويشير صالح إلى أن أي عملية تجارية بين دولتين عادةً ما تمر عبر البنوك التابعة للدولة المصدرة للعملة المستخدمة في الدفع.
فعلى سبيل المثال، إذا أراد عميل في المغرب دفع مقابل بضائع لعميل في البحرين بالدولار، فمن الطبيعي أن تمر الحوالة عبر بنوك المراسلة في الولايات المتحدة، غالباً في نيويورك.
وقد يؤدي ذلك إلى تكاليف إضافية نتيجة تعدد الرسوم أو وجود أكثر من بنك مراسل في العملية، وهو أمر شائع وطبيعي في النظام المالي الدولي.
التسويات بالعملات الأجنبية
يوضح صالح أن هذا الأمر ينطبق على جميع العملات الصعبة، سواء الدولار الأمريكي أو الجنيه الإسترليني أو اليورو، أو أي عملة وطنية مستخدمة في التسويات الدولية.
ويؤكد أن مرور العمليات عبر بنوك المراسلة ليس هيمنة أو عقوبة، بل متطلب فني وبنيوي لا غنى عنه، حتى بالنسبة لتسويات بمليارات الدولارات.
ويشير إلى أن أي تسوية بعملة دولة معينة لا يمكن أن تتم من دون المرور بمنظومتها المصرفية، كما هو الحال عند تنفيذ معاملات بالدرهم الإماراتي بين هونغ كونغ والبرتغال.
ويعزز هذا من أهمية وجود أنظمة محلية متقدمة لضمان مرونة وأمان المعاملات المالية الدولية.
وفي ما يتعلق بالبدائل، يوضح صالح أن منصة «بُنى» تم إطلاقها لتسهيل التسويات بين الدول العربية الـ22 باستخدام العملات المحلية، ما يلغي الحاجة إلى تحويل المدفوعات إلى الدولار في معاملات مثل تحويل بنك بحريني إلى بنك تونسي.
كما تسمح المنصة بالتعامل مع حالات معقدة، مثل طلب جزء من الدفعة بعملة عربية وجزء بعملة صعبة، ما يبرز جاهزيتها للتعامل مع جميع السيناريوهات التجارية.
ويشير صالح إلى أن بعض السلع، مثل النفط، لا تزال تُسوى عالمياً بالدولار، وفي هذه الحالات تساعد منصة «بُنى» على تسهيل العمليات باستخدام الدولار، بالاعتماد على بنوك المراسلة الأمريكية عند الحاجة، ما يعكس قدرة المنصة على التعامل مع الواقع المالي العالمي.
الدرهم عملة صعبة
يعد صالح أن ازدياد شعبية الدرهم الإماراتي تطور إيجابي، مستشهداً بعمليات الدفع التي تمت مؤخراً من الهند إلى الإمارات بالدرهم.
ويؤكد أن الدرهم أصبح من العملات القادرة على التحول إلى عملة صعبة مستقبلاً، نظراً لارتفاع مستوى الثقة به واعتماده في المعاملات الدولية.
ويضيف إن هناك جهوداً حالية لتعزيز الطلب على الدرهم ليصبح وسيلة دفع دولية، بما في ذلك استخدامه في إصدار الصكوك والسندات بالعملة المحلية.
ويشير صالح إلى أن ترسيخ عملة كالدولار أو الجنيه الإسترليني أو اليورو استغرق مئات السنين، لكن الإمارات تسعى لاختصار هذا الزمن عبر تبني سياسات مالية واستراتيجية مدروسة، بما يعزز مكانة الدرهم على الساحة الدولية.
وتؤكد رؤية جمال صالح أن اعتماد البنوك على المراسلة الأمريكية يمثل حالة طبيعية ومتوقعة ضمن النظام المالي العالمي، وأن البدائل مثل منصة «بُنى» والعملات المحلية والدرهم الإماراتي توفر فرصاً لتعزيز الاستقلالية المالية وتقليل الاعتماد على الدولار تدريجياً.
ويعكس هذا التوجه نهجاً براغماتياً يوازن بين الامتثال للمعايير الدولية واستثمار الفرص الإقليمية لتعزيز قوة العملة المحلية، دون السعي إلى تغييرات مفاجئة قد تهدد استقرار النظام المالي.
دور بنوك المراسلة

أكد وسام فتوح، الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، أن بنوك المراسلة الأمريكية لا تمثل هيمنة فعلية على حركة الأموال العربية، بل إن السيطرة الفعلية تأتي من هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية، حيث لا يزال يشكل أكثر من 65% من المعاملات الدولية.
ويشير فتوح إلى أن أي عملية مقاصة أو تسوية مالية دولية غالباً ما تمر عبر بنوك المراسلة الأمريكية، إذ تلتزم هذه البنوك بإجراءات صارمة لضمان صحة المعاملات والامتثال للقوانين، ما يعزز الاستقرار المالي عالمياً وعلى مستوى المنطقة العربية.
ويضيف فتوح إن بنوك المراسلة الأمريكية تقوم بعمليات «العناية الواجبة» لأي تحويل مالي، للتحقق من خلوها من عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب أو فساد، ما يسهم في خلق نظم مالية مستقرة ومنتظمة.
ويشير إلى أن المصارف العربية يجب أن تلتزم بالقوانين الدولية الصارمة في هذا المجال، وأن البنوك المركزية العربية قامت بدور ممتاز في تطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي.
وبين فتوح أن دور البنك المراسل إيجابي لكنه مكلف في الوقت نفسه، إذ يتعين على البنك الذي يتعامل معه – أي البنك المستفيد أو المجيب – الالتزام الكامل بجميع القوانين والأنظمة المرعية.
ويضيف إن الالتزام بهذه المعايير يضمن وصول المعاملات المالية إلى الأسواق العالمية بسلاسة، ويجنب البنوك أي مخاطر مرتبطة بالعقوبات أو الرقابة الدولية، ما يحافظ على استقرار النظام المالي ويحد من المخاطر التشغيلية.
العملات الرقمية للبنوك المركزية
تطرق فتوح إلى العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، موضحاً أنها تصدر فعلياً عن البنك المركزي ومدعومة منه، وتختلف عن العملات المشفرة مثل البتكوين، التي تُعد سلعة وليست وسيلة دفع قانونية عامة.
ويشير إلى أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تُعد أداة رسمية للمدفوعات، مدعومة بحسابات مصرفية فعلية، لكنها لا تشكل بديلاً عن عمليات التسوية والمقاصة التي تنفذها بنوك المراسلة التقليدية، على الأقل في المرحلة الحالية.
مشروع «بُنى» الإقليمي
في ما يخص مشروع «بُنى»، أوضح فتوح أنه منصة ممتازة أنشأتها البنوك المركزية العربية برعاية صندوق النقد العربي، وتختص بالمقاصة الإقليمية داخل الدول العربية وليست الدولية.
وتتيح المنصة تسوية المدفوعات بين الدول العربية بفعالية، مع الالتزام الكامل بجميع القوانين الدولية المعمول بها، بما في ذلك توصيات مجموعة العمل المالي وتوصيات بازل.
وأشار فتوح إلى أن منصة «بُنى» معترف بها دولياً، وتمتلك تواصلاً مباشراً مع الجهات الرقابية العالمية، وتطبق أعلى مستويات الحوكمة والشفافية، ما يعزز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي، ويسهم في تقليل الاعتماد على آليات التسوية الدولية بالدولار عند الحاجة.
وخلص رأي وسام فتوح إلى أن بنوك المراسلة الأمريكية تسهم في الاستقرار والانتظام المالي العالمي، وأن الهيمنة الفعلية على الأموال العربية تعود إلى اعتماد الدولار الأمريكي عملة رئيسة في التجارة الدولية، وليس لبنوك المراسلة دور استراتيجي في فرض السيطرة السياسية.
ويبرز كذلك أن العملات الرقمية للبنوك المركزية ومنصة «بُنى» تشكل بدائل مهمة لتسهيل المدفوعات الإقليمية، لكنها لا تزال مكملة للنظام القائم ولا تشكل تهديداً مباشراً للدولار أو للبنية التحتية المالية التقليدية.
ويعكس هذا التوجه نهجاً متوازناً بين الاستفادة من الاستقرار العالمي الذي توفره بنوك المراسلة الأمريكية، وبين تطوير أدوات إقليمية حديثة لتعزيز السيولة والمرونة المالية في العالم العربي، بما يدعم الاستقلال المالي التدريجي دون الإخلال بالاندماج في النظام المالي الدولي.
أداة فعّالة للسيطرة
يرى حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا في ساكسو بنك، أن بنوك المراسلة الأمريكية تمثل أداة مؤسسية فعّالة للسيطرة على تدفقات رأس المال العربي، حتى في الدول غير الخاضعة لعقوبات مباشرة.
وأوضح أن هذه السيطرة ليست نتاج قرارات سياسية ظرفية، بل متجذرة في البنية التحتية لنظام المقاصة بالدولار الأمريكي، الذي يُلزم البنوك العربية بالحفاظ على علاقات مراسلة مع مؤسسات مالية أمريكية للوصول إلى أنظمة التسوية الحيوية، وعلى رأسها نظاما فيدواير وتشيبس.
ويشكل هذان النظامان عصب المعاملات الدولية بالدولار، حيث يعالج نظام فيدواير نحو 4 تريليونات دولار يومياً، فيما يتولى تشيبس تسوية 1.8 تريليون دولار يومياً.
ونتيجة لذلك، يصبح الوصول إلى هذه الأنظمة شرطاً أساسياً لأي بنك يسعى للمشاركة الفاعلة في التجارة والتمويل العالمي.
قدرة استثنائية لواشنطن
أكد دويك أن هيمنة الدولار لا تقتصر على دوره النقدي، بل تمتد إلى السيطرة على البنية التحتية للنظام المالي العالمي.
فالدولار يشكل نحو 60% من الاحتياطيات العالمية و40% من المدفوعات الدولية، وتتحكم الولايات المتحدة في مفاصل رئيسة من أنظمة التسوية والمقاصة، بما في ذلك FedWire وCHIPS ومسارات سويفت الخاصة بالدولار.
ويشير دويك إلى أن أكثر من 95% من المدفوعات العابرة للحدود بالدولار تمر عبر بنوك أمريكية في مرحلة ما من مراحل التسوية، ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على الرصد والتنفيذ والضغط التنظيمي على التدفقات المالية العالمية، ما يعزز تأثير الدولار بما يتجاوز أدوات السياسة النقدية التقليدية مثل أسعار الفائدة.
كلفة الهيكلة
يشدد دويك على أن الاعتماد على بنوك المراسلة الأمريكية يُمثل كلفة هيكلية دائمة للبنوك العربية، وليست مجرد ظرفية أو مرتبطة بالأزمات.
فالمؤسسات المالية تتحمل ملايين الدولارات سنوياً لتلبية متطلبات اعرف عميلك ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه التكاليف جزء أساسي من التشغيل اليومي.
وخلال فترات الضغط المالي، كما حدث أثناء الأزمة المالية العالمية 2008 أو جائحة كوفيد 19، أدى شح الدولار إلى ارتفاع تكاليف التمويل وتأخير تسويات التجارة وزيادة هشاشة الأنظمة المصرفية المحلية.
كما أشار دويك إلى أن أكثر من 20% من البنوك العربية بين 2016 و2020 فقدت علاقات المراسلة الأمريكية، ما أدى إلى زيادة تكاليف المعاملات بنسبة 15 – 20% وتقييد الوصول إلى السيولة العالمية.
من زاوية السيادة الاقتصادية، يحد هذا الاعتماد من قدرة الدول العربية على تنفيذ سياسات مالية وتجارية مستقلة، ويجعل استقرار أنظمتها المصرفية مرتبطاً بقرارات خارج نطاق سيادتها.
البدائل الناشئة
وأشار دويك إلى أن البدائل الناشئة تسجل زخماً متزايداً، لكنها لا تزال محدودة النطاق والتأثير.
فقد عالج نظام المدفوعات بين البنوك الصيني (CIPS) أكثر من 12 تريليون دولار عام 2024، وضم 1600 مؤسسة مالية في نحو 100 دولة، إلا أن حصة اليوان في المدفوعات العالمية لا تزال عند حدود 3%، ما يقيّد قدرته على منافسة الدولار على نطاق واسع.
أما مشاريع العملات الرقمية للبنوك المركزية، مثل مشروع إم بريدج mBridge بين الصين والإمارات والسعودية، فقد أثبتت جدواها التقنية عبر معاملات تجريبية بقيمة 22 مليون دولار، لكنها لم تصل بعد إلى حجم تجاري يمكنه إحداث تحول هيكلي.
كما تجري مناقشات حول إنشاء أنظمة مقاصة إقليمية داخل مجلس التعاون الخليجي، لكن تحديات مثل تشتت السيولة، وصعوبة التشغيل البيني، واختلاف الأطر التنظيمية، لا تزال عوائق رئيسة أمام البدائل الإقليمية.
وختم دويك بالقول إن النظام المالي المتمركز حول الدولار راسخ بعمق، ومن المرجح أن يكون أي تحول مستقبلي تدريجياً وبطيئاً، بعيداً عن أي انقلاب أو تغيير مفاجئ.
نفوذ مالي
ويرى المصرفي البريطاني المخضرم ديفيد جيبسون – مور، الرئيس التنفيذي لشركة جلف أناليتيكا، أن بنوك المراسلة الأمريكية تمارس نفوذها على النظام المصرفي العربي بشكل غير مباشر، من خلال أطر الامتثال وليس عبر السيطرة المباشرة.
ويأتي ذلك نتيجة الهيكل البنيوي للنظام المالي العالمي، حيث تتم معظم التجارة العالمية والاستثمارات والخدمات المصرفية العابرة للحدود بالدولار الأمريكي، ويجري تسوية هذه المعاملات غالباً عبر بنوك المراسلة الأمريكية، حتى بين أطراف غير أمريكية.
وأوضح مور أن هذه البنوك تعتمد معايير صارمة للعناية الواجبة، ومراقبة المخاطر، والتحقق من الامتثال، متأثرة بالتوقعات التنظيمية الأمريكية، والتي أصبحت أفضل الممارسات العالمية.
وبما أن البنوك العربية ترغب في الحفاظ على الوصول إلى مقاصة الدولار والأسواق الدولية، فإنها تُكيّف عملياتها وأنظمتها مع هذه المعايير، ما يؤثر في سلوكياتها التجارية وأولويات المعاملات، بما في ذلك تأجيلها أو رفضها أحياناً رغم قانونيتها.
تكاليف تشغيلية
رغم النفوذ غير المباشر، يرى مور أن هذه المتطلبات ساهمت بشكل إيجابي على المدى الطويل في تعزيز الحوكمة والشفافية وزيادة مرونة القطاع المصرفي الإقليمي.
فاستجابة المؤسسات المالية العربية تشمل تنويع علاقاتها مع بنوك المراسلة، وتطوير تقنيات الامتثال، وتوسيع استخدام العملات البديلة وقنوات الدفع، ما يقلل من مخاطر التركيز على الدولار ويعزز مرونة التعاملات المالية.
وأكد مور أن تأثير بنوك المراسلة الأمريكية هيكلي وليس سياسياً، إذ يعتمد على بنية النظام المالي الدولي، وليس على نوايا سياسية محددة تجاه المنطقة العربية.
ويُبرز أن الأنظمة مثل FedWire وCHIPS وشبكات بنوك المراسلة العالمية تشكّل العمود الفقري لمعظم عمليات التسوية الدولية بالدولار، بما في ذلك المعاملات بين أطراف غير أمريكية، ويُعد الوصول إليها ضرورة تشغيلية للبنوك الدولية.
وأشار مور إلى أن الاعتماد على سلاسل التسوية الدولارية يترتب عليه تكاليف هيكلية، تتجلى في ارتفاع تكاليف الامتثال، وتشدد متطلبات التوثيق، واعتماد نهج أكثر تحفظاً في معالجة المعاملات.
وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أسهمت في تعزيز الشفافية والاستقرار المالي، إلا أنها رفعت التكاليف التشغيلية الثابتة، وخصوصاً بالنسبة للبنوك الأصغر حجماً.
كما أن الاعتماد على قنوات مقاصة خارجية يمكن أن يحدّ من هامش المناورة في أوقات الأزمات، عندما تكون السرعة أو الخصوصية مطلوبة في اتخاذ القرار. في المقابل، ساهم الالتزام بالمعايير الدولية في تعزيز المصداقية المالية وبناء الثقة بالأسواق.
البدائل والتحديات
أكد مور أن البدائل المطروحة لبنوك المراسلة القائمة على الدولار، مثل CIPS الصيني، أنظمة المقاصة الإقليمية، والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، تكتسب مصداقية متزايدة، لكنها لا تزال تعمل كقنوات مكمّلة وليست بديلاً كاملاً.
وقدرتها على التوسع تختلف باختلاف المنطقة وأنماط التجارة ونظام سعر الصرف في كل دولة.
وأشار إلى أن نظام CIPS توسع تدريجياً لتسوية المعاملات بالرنمينبي، وخصوصاً في المسارات التجارية المرتبطة بالصين، فيما أسهمت أنظمة المقاصة الإقليمية في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا في تسهيل التسويات بالعملات المحلية للتجارة البينية، لكنها لا تستطيع محاكاة السيولة والانتشار العالمي للبنية التحتية الدولارية.
كما لفت إلى أن المبادرات المرتبطة بمجموعة بريكس (BRICS) عززت استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، بما في ذلك معاملات الطاقة والسلع الأساسية بين الصين والمنتجين الخليجيين، وأيضاً بين الصين والهند وروسيا، والتي جرى تسويتها جزئياً بالرنمينبي أو الروبية أو الدرهم الإماراتي، بعد أن كان الدولار العملة الافتراضية سابقاً.
أما العملات الرقمية للبنوك المركزية والمنصات متعددة العملات (multi-CBDC) فتمثل مستقبلاً محتملاً لتقليل الاحتكاك والكلفة التشغيلية، لكنها تواجه تحديات تتعلق بالتشغيل البيني، الحوكمة، والنهائية القانونية للتسوية.
وخلص مور إلى أن التحدي الاستراتيجي للدول العربية يكمن في تنويع خيارات التسوية والمدفوعات، مع الحفاظ على اندماج كامل وفعال في النظام المالي العالمي، بدلاً من محاولة استبدال مفاجئ للنظام القائم الذي أثبت قدرته على توفير السيولة والاستقرار لعقود.
كما أشار إلى أن أي قيود على المقاصة الدولية تنشأ من سياسات الحكومة الأمريكية، ما يدفع بنوك المراسلة لتبني ممارسات محافظة واستباقية لضمان الوصول المستمر إلى مقاصة الدولار والبنية التحتية العالمية للمدفوعات.
النظام المالي العالمي شبكة ساعي بريد دولية
يمكن تشبيه النظام المالي العالمي بشبكة ساعي بريد دولية: إذا أردت إرسال رسالة داخل المدينة، يكفي ساعٍ محلي، أما عند إرسالها إلى دولة أخرى، فإنها تمر عبر مراكز فرز رئيسة قبل الوصول إلى الوجهة النهائية.
الدولار الأمريكي يعمل بنفس الطريقة: الأموال لا تنتقل مباشرة من بنك إلى آخر، بل تمر عبر سلسلة من الوسطاء والبنية التحتية المصممة لتسوية المدفوعات الدولية بشكل آمن وفعال.
في هذا النظام، لا ينتقل المال مباشرة من بنك إلى آخر، بل يمر عبر سلسلة من الوسطاء والبنى التحتية، لكل منها دور محدد.
البداية مع بنوك المراسلة، وهي البوابات التي تسمح للبنوك حول العالم باستخدام الدولار، فالبنك في دبي أو القاهرة أو هونغ كونغ لا يمتلك حساباً مباشراً لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بل يفتح حساباً بالدولار لدى بنك أمريكي كبير مثل J.P. Morgan أو Citibank.
هذا البنك الأمريكي يصبح بمثابة ساعي البريد المعتمد، ينفّذ التحويلات نيابة عن البنك الأجنبي.
ولدينا أيضاً «نظام سويفت» (SWIFT)، الذي لا ينقل الأموال فعلياً، بل ينقل التعليمات، وهو أشبه بنظام مراسلة موحّد يخبر البنوك: من يدفع؟ لمن؟ وبأي عملة؟
ورغم أن سويفت مؤسسة دولية مقرها بلجيكا، إلا أن غالبية التحويلات الدولارية تمر عبره، وقد التزم تاريخياً بتوجيهات الولايات المتحدة في حالات العقوبات الكبرى.
ثم نأتي إلى قلب النظام المالي وهو CHIPS وFedWire، إذ هنا تنتقل الأموال فعلياً، إذ يعد CHIPS نظام مقاصة خاصاً تديره البنوك الأمريكية لتسوية المدفوعات الدولارية الكبرى والتجارة الدولية، أما FedWire فهو النظام الذي يديره الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ويُستخدم لتسوية التحويلات النهائية بين البنوك داخل الولايات المتحدة بشكل نهائي وفوري.
ويمكن تشبيه هذين النظامين بأنابيب المياه، إذا لم تكن متصلاً بها، فإن الدولار الذي تحمله يصبح بلا فائدة عملية، مهما بلغت قيمته.
أما مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) فهو بمثابة «المفتّش»، ففي الخلفية، يقف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، وهو الجهة التي تضع قواعد الامتثال والعقوبات، لا يتدخل المكتب في كل معاملة، لكنه يمتلك السلطة القانونية لمراجعة أو تعطيل أو معاقبة أي جهة تمر معاملاتها عبر النظام المالي الأمريكي، إذا رأت أنها تخالف القوانين أو العقوبات.
ولاستكمال شرح الموضوع تقنياً، لا بد من أن نعرج على حسابي (Nostro Account) وVostro Account وهما اسمان مختلفان ولكن لحساب بنكي واحد بحسب منظور كل بنك، أما نوسترو (Nostro Account) فهو حساب مصرفي يفتحه بنك ما لدى بنك آخر في دولة مختلفة وبعملة أجنبية، ويُستخدم لتنفيذ وتسوية التحويلات الدولية وتمويل التجارة، ومن منظور البنك الذي يملكه، يُعد هذا الحساب «حسابنا لدى بنك آخر»، ويشكّل الأداة الأساسية التي تُمكّن البنوك من استخدام العملات الصعبة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، والوصول إلى أنظمة المقاصة العالمية مثل CHIPS وFedWire.
وبالنسبة لفوسترو (Vostro Account) فهو الحساب نفسه ولكن من منظور معاكس، إذ يُنظر إليه من قبل البنك الذي يستضيف الحساب أنه «حسابكم لدينا»، ويُستخدم حساب فوسترو لإدارة أرصدة البنوك الأجنبية وتنفيذ عمليات الدفع والاستلام نيابةً عنها، كما يُعد إحدى الركائز التنظيمية التي تتيح لبنوك المراسلة مراقبة الامتثال وتنفيذ التعليمات العابرة للحدود ضمن النظام المالي الدولي.

