الاقتصاد العربي في عام 2026
(اخبار الخليج)-05/01/2026
بقلم: عدنان يوسف
في عام 2025 شهد الاقتصاد العربي أداءً متباينًا بين الدول والمؤسسات الاقتصادية، لكن بالإجمال يمكن القول إنه عام نمو واستقرار نسبي وسط بيئة دولية معقدة، وفي ظل تحديات داخلية متعددة. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى نحو 3.8 تريليونات دولار، مع توقعات بنمو أكبر في العام المقبل، مما يعكس تحسن بعض المتغيرات الاقتصادية الأساسية رغم المخاطر المحيطة.
اقتصاديًا، أثبت الاقتصاد العربي قدرته على المرونة النسبية في ظل تباطؤ أسعار النفط العالمية، واستمرار الصراعات في بعض المناطق، وارتفاع كلفة التمويل عالميًا. وقد ساعد تحسن أداء بعض الاقتصادات الكبرى في المنطقة، والإصلاحات الهيكلية التي نفذتها حكومات، على دعم التعافي النسبي للنمو. ويتضح هذا من تقديرات الصندوق والمؤسسات الاقتصادية التي تشير إلى تحسن في مؤشرات النمو مع استمرار انخفاض البطالة تدريجيًا.
على مستوى المالية العامة، شهد عام 2025 تباينًا واضحًا بين الدول. ففي حين واصلت بعض الدول إدارة عجزها بصورة منضبطة، بقي الدين الحكومي يمثل تحديًا ملموسًا، حيث ارتفعت نسبته مجتمعة إلى نحو 46.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع خفيف إلى أكثر من 47% في 2026. كما ارتفع الدين الخارجي إلى حوالي 54.6% من الناتج، ما يعكس الحاجة إلى سياسات مالية أكثر صرامة في بعض الاقتصادات. وفي المقابل، منح الاحتياطي الأجنبي الذي بلغ نحو 1.2 تريليون دولار الدول هامش أمان مهمًا لتغطية واردات السلع والخدمات لمدة تقارب 5.6 أشهر، مع توقع زيادة هذه التغطية في 2026.
ومن أبرز ما يميز أداء عام 2025 هو تعدد مصادر النمو الاقتصادي بعيدًا عن النفط في العديد من الدول العربية، وهو توجه مهم للمستقبل. فقد أسهمت القطاعات غير النفطية بشكل متزايد في النشاط الاقتصادي، مستفيدة من تنامي التجارة، الخدمات، السياحة، والصناعات التحويلية. وقد انعكس ذلك في تحسين فرص العمل في هذه القطاعات، ما أسهم في تقلص معدل البطالة إلى نحو 9.4% في المنطقة، مع توقع استمرار هذا التراجع إلى نحو 9.2% في 2026.
إلا أن الأداء لم يكن موحدًا؛ إذ أثرت الاضطرابات السياسية والمواجهات العسكرية في دول مثل السودان، اليمن، سوريا، لبنان وليبيا على أوضاعها الاقتصادية بشكل حاد. في هذه الدول، أدت الصراعات إلى انكماش النشاط الاقتصادي، تراجع الاستثمار، تدهور البنية التحتية، وتراجع مستويات المعيشة، ما أسهم في توسيع الفوارق بين الاقتصادات العربية. كما زادت هذه الاضطرابات من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، ما حدّ من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى بعض الأسواق.
في القطاع المصرفي العربي، استمر الأداء في 2025 بدعم من احتياطيات قوية وسيولة جيدة في غالبية الأسواق، وارتفع الائتمان الممنوح للقطاع الخاص في العديد من الدول، ما أسهم في دعم النشاط الاقتصادي. ومع ذلك، كانت هناك تحديات مرتبطة بارتفاع تكلفة التمويل بسبب السياسات النقدية العالمية المشددة، ما أثر على القدرة الاستهلاكية والاستثمارية في بعض الأسواق.
وعند النظر إلى توقعات عام 2026 فإن الأرقام تبعث على التفاؤل بحذر؛ من المتوقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى نحو 4 تريليونات دولار بزيادة بنحو 5.6% مقارنة بعام 2025، مستفيدًا من النمو المتوقع في 19 دولة عربية، من بينها 8 اقتصادات نفطية تسهم بأكثر من 70% من الناتج العربي الإجمالي. ويعكس هذا التفاؤل تحسنًا نسبيًا في بيئة الأعمال، وتوسعًا في الصادرات، وارتفاعًا في قيمة الخدمات.
في ظل هذه التوقعات، تبرز أهمية اعتماد سياسات اقتصادية رشيدة خلال 2026 تركز على: تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية التي تعزز الإنتاجية والنمو في القطاعات غير النفطية؛ تعزيز الاستقرار المالي من خلال تقليل الاعتماد على الديون وتشجيع الادخار والاستثمار المستدام؛ دعم السياسات النقدية المرنة التي توازن بين التحكم في التضخم وتحفيز النمو؛ وأخيرًا، تحسين بيئة الأعمال لجذب مزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصًا في التكنولوجيا، الطاقة النظيفة، والبنية التحتية الذكية.
خلاصة القول إن الاقتصاد العربي في 2025 أثبت قدرة على التعافي النسبي، لكنه لا يزال يواجه تحديات هيكلية وجيوسياسية جوهرية. أما عام 2026 فيمثل فرصة لتسريع التحول نحو نماذج اقتصادية أكثر تنوعًا، استدامةً، وقدرة على خلق فرص عمل حقيقية وتحسين مستويات المعيشة في المجتمعات العربية.
