الغذاء والمياه والطاقة.. ثلاثية الأمن الاقتصادي الجديد في الخليج
(سي أن أن)-09/02/2026
جابر محمد الشعيبي*
لم يعد مفهوم الأمن في الاقتصاد العالمي يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات المالية أو قوة الجيوش، بل بات يرتبط بصورة متزايدة بقدرة الدول على تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والمياه والطاقة.
فهذه الموارد لم تعد مجرد مدخلات إنتاج أو خدمات عامة، بل تحولت إلى عناصر سيادية تحدد مدى استقرار الدول وقدرتها على النمو في عالم تتزايد فيه الصدمات الجيوسياسية، وتتكرر فيه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتتسارع فيه آثار التغير المناخي.
في هذا السياق، تبدو دول الخليج أمام معادلة تبدو، للوهلة الأولى، صعبة: بيئة صحراوية شحيحة المياه، واعتماد مرتفع على استيراد الغذاء، ونمو سكاني وعمراني متسارع، واقتصادات لطالما ارتبطت بالطاقة الهيدروكربونية، غير أن المفارقة تكمن في أن هذه التحديات نفسها دفعت المنطقة إلى تطوير نموذج اقتصادي جديد، يقوم على إدارة متكاملة لما يمكن تسميته «ثلاثية الموارد الحيوية»؛ الغذاء والمياه والطاقة، باعتبارها منظومة واحدة لا ملفات منفصلة.
في جانب الغذاء، تشير بيانات التجارة الزراعية الدولية وتحليلات الأمن الغذائي الصادرة عن منظمات مثل Food and Agriculture Organization وتقارير حديثة لـWorld Economic Forum إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد على الواردات لتأمين معظم احتياجاتها الغذائية، حيث تتراوح نسبة الاعتماد بين 80% و85% من إجمالي الاستهلاك، وترتفع في بعض السلع الأساسية مثل الحبوب والأرز إلى مستويات أعلى من ذلك.
هذا الواقع يجعل المنطقة نظريًا عرضة لأي اضطراب في الشحن أو الأسعار العالمية، كما حدث خلال الجائحة أو مع التوترات الجيوسياسية الأخيرة، لكن الاستجابة الخليجية لم تتوقف عند تأمين الواردات، بل اتجهت نحو ما هو أبعد من ذلك: التحكم في سلاسل الإمداد نفسها، فقد توسعت الصناديق السيادية والشركات الوطنية في الاستثمار المباشر في الأراضي الزراعية والمخازن اللوجستية والموانئ في إفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، بالتوازي مع تسريع تبني الزراعة الرأسية والهيدروبونيك والتقنيات الزراعية الذكية داخل المدن.
وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن تطوير هذه السلاسل والتقنيات يمكن أن يضيف أكثر من 30 مليار دولار إلى اقتصادات الخليج خلال السنوات المقبلة، ليس فقط عبر تقليل الواردات، بل عبر خلق صناعات غذائية جديدة قائمة على التكنولوجيا، وبذلك يتحول الخليج تدريجيًا من مستورد للغذاء إلى شريك في إنتاجه ونقله وتخزينه، أي من مستهلك للسلسلة إلى مدير لها.
أما المياه، فهي التحدي الأكثر حساسية، بل الوجودي، فوفق بيانات 2025 الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة، تضم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 12 من أصل 17 دولة الأكثر تعرضًا للإجهاد المائي في العالم، كما تراجعت الموارد المائية المتجددة المتاحة للفرد عالميًا بنحو 7% خلال العقد الأخير.
في بيئة كهذه، يصبح الاعتماد على الطبيعة وحدها خيارًا غير ممكن. ومن هنا، اختارت دول الخليج مسارًا مختلفًا: إنتاج المياه بدل انتظارها. فقد أصبحت المنطقة أكبر مركز عالمي لتحلية المياه، مع عشرات المحطات العملاقة التي توفر معظم احتياجات السكان والصناعة.
والأهم أن التحلية لم تعد عملية مكلفة بيئيًا كما في الماضي، إذ يجري ربط المحطات الجديدة بالطاقة الشمسية، مع التوسع في إعادة تدوير المياه ومعالجة مياه الصرف للاستخدام الزراعي والصناعي. وهكذا تتحول المياه من مورد نادر إلى قطاع تقني واستثماري يمكن التحكم فيه وتوسيعه، ما يمنح الدول هامشًا أكبر من الاستقلالية.
لكن الرابط الحقيقي بين الغذاء والمياه يكمن في الطاقة، التي تمثل العمود الفقري للمنظومة بأكملها. فمن دون طاقة وفيرة ومنخفضة التكلفة، لا يمكن تشغيل محطات التحلية أو أنظمة التبريد والتخزين الغذائي أو الصناعات التحويلية.
وهنا تحديدًا تظهر الميزة التنافسية للخليج. فإلى جانب النفط والغاز، تسجل المنطقة واحدة من أسرع معدلات نمو الطاقة المتجددة عالميًا، وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن مشاريع الطاقة الشمسية في الإمارات والسعودية باتت تحقق من بين أقل تكاليف الإنتاج عالميًا.
وفي الإمارات وحدها، بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة نحو 6.8 غيغاواط بنهاية 2024، مع خطط لمضاعفتها عدة مرات بحلول 2030. هذا التحول يجعل الطاقة النظيفة خيارًا اقتصاديًا قبل أن يكون بيئيًا، ويؤسس لقاعدة مستدامة لتأمين المياه والغذاء معًا.
ما يميز التجربة الخليجية ليس حجم الاستثمارات فحسب، بل طريقة التفكير الجديدة التي ترى هذه الموارد كمنظومة مترابطة. فالغذاء يعتمد على المياه، والمياه تحتاج إلى الطاقة، والطاقة تمول الاثنين معًا. هذا التكامل يمنح دول الخليج قدرة أكبر على إدارة المخاطر بدل الاكتفاء بردّ الفعل، ويقلل تعرضها للضغوط الخارجية، ويعزز مكانتها كمراكز استثمارية ولوجستية إقليمية.
ولكي يتحول هذا المسار إلى استراتيجية طويلة الأمد، تبدو الحاجة ملحة لتعميق الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية والمياه الذكية، وتسريع التحلية بالطاقة المتجددة، وتعزيز التكامل الإقليمي في المخزون الغذائي وسلاسل الإمداد، إضافة إلى تمكين القطاع الخاص من الدخول بقوة في هذه القطاعات باعتبارها محركات نمو جديدة لا مجرد خدمات أساسية. فالأمن الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق بالإنفاق الحكومي وحده، بل ببناء منظومة إنتاجية واستثمارية متكاملة.
وخلال العقد المقبل، ومع تصاعد آثار التغير المناخي وتكرار اضطرابات التجارة العالمية، ستصبح الدول القادرة على إنتاج غذائها وتأمين مياهها وتشغيل اقتصادها بطاقة نظيفة هي الأكثر استقرارًا وجاذبية للاستثمار، وفي هذا السياق يملك الخليج فرصة فريدة للانتقال من منطقة تعاني ندرة طبيعية إلى مركز عالمي لإدارة الموارد والتقنيات المرتبطة بها، فبدلاً من أن تكون الصحراء عائقًا، قد تتحول إلى مختبر عالمي للحلول.
لم تعد القوة تقاس بعدد براميل النفط أو حجم الاحتياطيات المالية فقط، بل بقدرة الدول على إدارة موارد الحياة نفسها. وهنا تحديدًا، تتشكل ملامح ثلاثية جديدة للأمن الاقتصادي الخليجي: غذاء مستدام، ومياه مضمونة، وطاقة ممكّنة.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
