القمة العالمية للحكومات وتأثير الابتكار الحكومي على الاقتصاد في الوطن العربي
(سي أن أن)-09/02/2026
محمد محمود عبد الرحيم*
يُعدّ الابتكار أحد أهم سمات التحول من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد المعرفة، فهو مفتاح التنمية الاقتصادية، وأبالغ في القول إن الدول تعتمد عليه في الاقتصاد كمورد رئيسي للتنمية، ويتطلب الابتكار إجراء تغيير اجتماعي وثقافي مصاحب للتحول الاقتصادي.
وأعتقد أن الابتكار يسير في دوائر متعددة، فهناك دائرة الابتكار الشخصي، ثم الابتكار المؤسسي، ثم الابتكار الحكومي، وتتفق دوائر الابتكار في الأهداف، ولكنها تختلف في الأدوات والنتائج.
تُعدّ اليابان أول الأسماء المطروحة المقترنة بالابتكار، فهي دولة بلا موارد طبيعية، ولكن مع الاهتمام بالمورد البشري والابتكار الاقتصادي، استطاعت أن تكون من أهم الاقتصادات على مستوى العالم، ومحققة معدلات مرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي.
الروتين والابتكار الحكومي
يمكن القول إن الحكومات والأفراد والشركات والمؤسسات في جميع دول العالم تواجه تحديات جديدة وتغيرات متسارعة ومتزايدة، وذلك في ظل التكنولوجيا والأدوات التي يمكن استغلالها لتلبية متطلبات التنمية الاقتصادية، إلا أن هذه الأدوات لن تنجح في سياق العمل التقليدي، وتحتاج إلى تفكير خارج الصندوق، وحلول غير تقليدية في إطار الابتكار والإبداع، للوصول إلى حلول وآليات حديثة وملائمة لتحديات القرن الحادي والعشرين.
ولعل أهم ما يواجه الكثير من المستثمرين في الوطن العربي هو الإجراءات الحكومية الروتينية التي تعيق الاستثمار، فكلما كانت هناك بيئة حكومية ابتكارية مناسبة، زاد الاستثمار، وكلما زاد تقديم الخدمات الحكومية عن بُعد، وعن طريق الإنترنت، والابتكار في تقديم الخدمات، زادت فعالية الحكومة في تقديم خدمة عالية الجودة للمواطن، فمهمة الحكومات هي توفير بيئة مناسبة للابتكار الاقتصادي، بالتعاون مع شركات القطاع الخاص والمؤسسات والمجتمع المدني والأفراد.
وتؤدي مكافحة الروتين وتقليص وقت إنشاء الشركات إلى نتائج إيجابية على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وعلى سبيل المثال -ووفقاً لبعض التقارير التاريخية للبنك الدولي- أكدت أن تأسيس شركة في رواندا عام 2008 كان يتطلب 9 إجراءات ويستغرق 16 يوماً على الأقل، وبفضل الإصلاحات الرقمية تم اختصار ذلك إلى يوم عمل واحد أو أقل، ما أسهم في قفز رواندا أكثر من 100 مركز في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال خلال عقد واحد.
وأعتقد أن هناك أسباباً متعددة لتعثر الابتكار بشكل عام في العالم العربي، ومن أهم هذه الأسباب افتقاد فلسفة صنع القرار والتخطيط الاستراتيجي، حيث تخلط الكثير من الحكومات بين مفاهيم الإدارة التشغيلية والإدارة الاستراتيجية، وذلك بالتزامن مع غياب البيئة التشريعية المناسبة للحفاظ على الابتكار، وضعف قنوات التواصل مع الباحثين والمجتمع المدني، وانتشار الروتين والفساد الإداري، وقد أدى عدم الابتكار والتعثر الحكومي في الوطن العربي إلى زيادة الفساد، وضياع الفرص الاقتصادية، وبطء التنمية.
وهنا يبقى السؤال المهم: كيف يمكن تقديم الخدمات الحكومية بطريقة مبتكرة؟
يمكن ذلك من خلال التواصل مع المواطنين وفهم احتياجاتهم، وبناء شراكات بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، واستغلال البيانات الضخمة والتكنولوجيا، ومحاربة الفساد والروتين بجدية، وتبني مبادرات وسياسات ابتكارية، مع الأخذ في الاعتبار التغذية العكسية.
وفي الإمارات، على سبيل المثال، ووفقاً لوكالة الأنباء الإماراتية، أُنجزت نحو 173.7 مليون عملية حكومية في عام 2024، مع أكثر من 1,419 خدمة حكومية رقمية متاحة، وتجاوزت نسبة رضا المستخدمين عن الخدمات الرقمية أكثر من 90%.
القمة العالمية للحكومات
تُقام في دبي، بالإمارات العربية المتحدة، وهي تجمع سنوي يجمع قادة الحكومات لإجراء حوار عالمي حول السياسات الحكومية، مع التركيز على قضايا المستقبل والابتكار التكنولوجي، ويحظى هذا التجمع بحضور عالمي من معظم دول العالم.
وتقدم كل دولة تجاربها والتحديات التي واجهتها، وأساليب الابتكار لحل المشكلات الوطنية، ويمكن أن تكون هذه القمة نقطة اتصال وارتكاز لنقل تجارب الابتكار الحكومي في العالم العربي.
من لا يبتكر يمُت
سيطرت شركة كوداك الأميركية لعقود على سوق التصوير، لكنها أعلنت إفلاسها عام 2012 لعدم مواكبتها الثورة الرقمية، كما سيطرت شركة نوكيا على سوق الهواتف لما يقارب 20 عاماً، لكنها تأخرت في دخول عالم الهواتف الذكية، وفقدت مكانتها العالمية بسبب غياب ثقافة الابتكار.
نماذج متعددة للابتكار الحكومي
في إستونيا، على سبيل المثال، تم بناء نظام يجعل المواطن يتعامل مع الحكومة من خلال الهاتف المحمول أو الكمبيوتر في دقائق عبر «الهوية الرقمية»، حيث يربط هذا النظام الضرائب والبنوك والمرور واستخراج البيانات والأوراق الحكومية.
وفي الدنمارك، تم إنشاء مختبر الابتكار الحكومي MindLab عام 2002، وقد أُغلق رسميًا عام 2018، وكان الهدف منه تصميم سياسات وخدمات حكومية تسهم في تحسين الخدمات، وبعد الإغلاق تم استبداله بوحدة جديدة تُسمى Disruption Taskforce، تابعة لرئاسة الوزراء، وتركز على التحول الرقمي في القطاع العام.
وفي ماليزيا، تم تطبيق «رخصة الزواج» كدورة تدريبية للزواج بعد ارتفاع نسب الطلاق، في عملية ابتكارية لحل مشكلة مجتمعية، وفي البرازيل طُبق برنامج دعم الأسر الفقيرة المشروط بالتعليم والتطعيم، واستفاد منه أكثر من 30% من السكان.
كما لا يمكن إغفال النماذج العربية في الابتكار الحكومي، ففي السياق المصري تم إطلاق جائزة مصر للتميز الحكومي لدعم الابتكار في القطاع العام، من خلال تطبيق معايير دولية لقياس الأداء، وتعزيز ثقافة التنافسية والجودة.
وقد فازت مدينة شرم الشيخ بالمركز الأول في فئة «الإدارة المحلية للمدن» ضمن جائزة مصر للتميز الحكومي في دورتها الرابعة لعام 2026، وذلك للجهود المبذولة في الارتقاء بجودة الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين والسائحين.
وفي دولة الإمارات، تم إدخال مناهج الابتكار وريادة الأعمال في التعليم المدرسي والجامعي ضمن الاستراتيجية الوطنية للابتكار، وفي السعودية تم ابتكار تطبيق «نسك» لتسهيل خدمات الحج والعمرة، بالإضافة إلى إطلاق تطبيق «أبشر»، وهو المنصة الرقمية الرسمية التابعة لوزارة الداخلية السعودية، حيث يتيح للمواطنين والمقيمين إنجاز مئات الخدمات الحكومية إلكترونياً دون زيارة الجهات.
ومع الاتجاه نحو الذكاء الاصطناعي، يمكن القول إن تطبيقاته في إدارة الوثائق والخدمات الحكومية تسهم بشكل كبير في تقليل الأخطاء وخفض زمن تنفيذ الإجراءات، وفي بعض الأحيان حتى 70%، فالذكاء الاصطناعي لم يعد تكنولوجيا فقط، بل قوة اقتصادية واجتماعية تتطلب سياسات حكومية فاعلة.
في النهاية يجب على الاقتصادات العربية الاستفادة من الثورة الصناعية والعلمية لتطوير الخدمات الحكومية، من خلال إنشاء مراكز أبحاث ومختبرات للابتكار، وتهيئة البيئة المناسبة للقطاع الخاص، ودعم المجتمع المدني.
كما يجب الاستثمار في رأس المال البشري، فالابتكار هو الطريق الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
وأدعو القمة العالمية للحكومات في النسخة القادمة إلى إصدار مؤشر دولي بمعايير علمية ومنهجية محددة حول الابتكار الحكومي، لمحاولة زيادة ثقافة الابتكار الحكومي، خصوصاً في الدول النامية.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
*باحث اقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع
