مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي
يُذكر العام 2025 كعام حافل بالصدمات والصمود، عام إتسم بعدم اليقين، ولكنه أيضاً عام إزدهار التكنولوجيا والأداء القياسي. فعلى رغم إرتفاع الرسوم الجمركية، والتشرذم الجيوسياسي، وتزايد حالة عدم اليقين في السياسات، حافظت التجارة العالمية والنشاط الإقتصادي على إستقرارهما في الإقتصادات المتقدمة والناشئة. ولم تتحقق الضغوط التضخُّمية التي كان يخشى منها كثيرون، وظلّت الأسواق المالية مستقرّة إلى حدٍ كبير، بينما ساهم إزدهار التكنولوجيا في تحقيق أداء قياسي للأسواق.
لقد كانت قدرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الصمود لافتة للنظر بشكل خاص. فبالإضافة إلى الرياح المعاكسة العالمية، واجه العديد من إقتصادات المنطقة صدمات داخلية حادة، تمثّلت في تصاعد الصراعات في الصيف الماضي، وعام آخر من الأحداث المناخية المتطرّفة، مثل الجفاف في شمال أفريقيا، وإستمرار التراجع عن حزم التحفيز المالي التي تم إعتمادها خلال فترة جائحة «كورونا». ومع ذلك، حافظ النمو على مستواه.
وتساعد عوامل عدة في تفسير هذه النتيجة، فقد قلّلت محدودية التبادل التجاري مع الولايات المتحدة من التأثير المباشر للرسوم الجمركية المرتفعة. كما ساهم ارتفاع إنتاج النفط، عقب قرارات منظمة «أوبك+»، بإلغاء تخفيضات الإنتاج الطوعية التي بلغت 2.2 مليون برميل يومياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، في دعم المصدّرين، في حين إستفاد المستوردون من إنخفاض أسعار الطاقة.
وبالإضافة إلى ذلك، خفّفت التحويلات المالية المرتفعة، وتدفقات السياحة القوية، ومرونة الطلب المحلي من الأثر السلبي لهذه التحدّيات.
لكن هل سيستمر هذا الوضع؟ مع بداية العام 2026، يبقى السؤال الرئيس: هل كان من الممكن الحفاظ على هذه المرونة؟
ويبقى صندوق النقد الدولي متفائلاً بحذر، إذ يُتوقع أن يرتفع النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليصل إلى نحو 3.7 % في العام 2026 مقارنة بـ3.2 % في العام 2025، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط، والطلب المحلي القوي، والإصلاحات المستمرة. لكن يجب التريّث في هذا التفاؤل، إذ إن هناك 5 مخاطر على الأقل تستدعي الإنتباه.
أولاً: آثار عدم اليقين نادراً ما تظهر في السياسات بشكل فوري، إذ يشير العديد من الأدلة التجريبية، بما في ذلك أبحاث صندوق النقد الدولي، إلى أن آثار عدم اليقين على الإستثمار، والتوظيف، والإستهلاك، غالباً ما تظهر بعد فترة طويلة. وإذا إستمر عدم اليقين العالمي، فإنه قد يؤدي إلى تقليص الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 5 % في حلول العام 2027.
وقد تكون بعض العوامل المؤقتة، مثل زيادة الواردات وتراكم المخزونات، قد أخفت التأثير الحقيقي في العام 2025، لكن مع تلاشي هذه التأثيرات قد يصبح تأثيرها السلبي على النشاط الإقتصادي العالمي وعلى إقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر وضوحاً.
ثانياً: لقد شكّل ازدهار الذكاء الإصطناعي عاملاً موازناً قوياً لصدمات هذا العام، فقد أدّت التقييمات المرتفعة للأسهم وتدفقات الإستثمارات الكبيرة إلى القطاعات المرتبطة بالذكاء الإصطناعي إلى دعم الثقة العالمية.
وقد إستثمر العديد من اقتصادات المنطقة، ولا سيما دول الخليج، بكثافة في تبنّي الذكاء الإصطناعي والبنية التحتية للبيانات، مستفيدة من وفرة الأراضي، ورأس المال، والطاقة المتجدّدة الرخيصة نسبياً. ولكن تزايد المخاوف حيال الإفراط في التفاؤل يثير تساؤلات حول كيفية تأثير تصحيح السوق على المنطقة.
وثالثاً: في حين يُتوقع أن تظل معدلات التضخم منخفضة، وأن تنخفض أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة الكبرى، فإن الأوضاع المالية العالمية قد تشهد تشديداً غير متوقّع.
فمن المتوقع أن تظل إحتياجات التمويل الإجمالية لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عند مستويات مرتفعة للغاية في العام 2026. ومع وصول الديون العامة في الإقتصادات المتقدّمة إلى مستويات قياسية جديدة، فإن العلاوات المرتفعة على الأجل الطويل قد تؤدي إلى زيادة أسعار الفائدة العالمية، وسيمثل تراجع تدفقات رأس المال اختباراً صعباً للدول التي لديها إحتياجات كبيرة لإعادة التمويل واحتياطيات محدودة.
رابعاً: تظل أسواق النفط سلاحاً ذا حدين، ففي العام 2025، دعمت ديناميكيات النفط كلاً من المصدّرين والمستوردين. وبالتطلُّع إلى المستقبل، فإن الأسعار قد ترتفع إذا كانت الطلبات على الوقود الأحفوري أقوى من المتوقع، أو إذا تسبّبت التوترات الجيوسياسية في تعطيل الإمدادات.
وفي المقابل، سيؤدي أي إنخفاض حاد في الأسعار إلى الضغط على المصدرين، حتى مع توقعات بإنخفاض فوائض الحساب الجاري في دول مجلس التعاون الخليجي على المدى المتوسط. لذا، فإن إدارة التقلبات ستظل أمراً بالغ الأهمية.
وخامساً: تظل الجغرافيا السياسية تلقي بظلالها. ففي نهاية العام 2025، ظهرت علامات أولية على التقدُّم نحو السلام وإعادة الإعمار في بعض أجزاء المنطقة، بما في ذلك سوريا. لكن التعافي من النزاع يظل هشّاً ومعقّداً، وسيكون تعزيز السلام، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان الدعم الخارجي المستمر، عوامل حاسمة لتحقيق تعافٍ مستدام.
وفي هذا السياق، ليس لدى صانعي السياسات خيار سوى إتباع نهج اقتصادي كلي حذر في العام 2026، إذ يُوفر الزخم الحالي نافذة لإعادة بناء الإحتياطات المالية والخارجية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد المتاحة. ويُعدّ تعزيز الأطر المالية ودعم مصداقية السياسات النقدية من أهم وسائل الحماية من الصدمات المستقبلية.
وعلى المدى المتوسط، تظل الإصلاحات الهيكلية أمراً لا غِنى عنه، وسيكون تسريع تنمية القطاع الخاص، والحدّ من هيمنة الشركات المملوكة للدولة، وتعزيز الشمول المالي، وتنويع أنماط التجارة، عوامل أساسية لخلق فرص العمل وتحقيق نمو شامل.
وسيتطلّب الإستعداد لعصر الذكاء الإصطناعي الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، واللوائح التنظيمية، ورأس المال البشري. كما أن الإصلاحات في سوق العمل، ولا سيما تلك التي تعالج البطالة بين الشباب، هي أمر عاجل بالقدر عينه.
لقد أظهرت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرونة إستثنائية، والتحدي الآن يكمن في تحويل الإستقرار قصير المدى إلى قوة دائمة. وإذا نجح صانعو السياسات في بناء الإحتياطات وتحديث الأطر السياسية، فقد يُذكر العام 2026 ليس بإعتباره عاماً آخر من المرونة فحسب، ولكن كنقطة تحوُّل.
إحتياطات المصارف المركزية من الذهب تشهد تحوُّلاً بنيوياً يُعيد المعدن الأصفر إلى موقع متقدّم
الذهب ومساراته المستقبلية في ظل إقتصاد عالمي متعدّد المخاطر
سيبقى مرتبطاً بعمق التحوُّلات في النظام النقدي الدولي
مع نهاية العام 2025، لم يعد صعود الذهب حدثاً عابراً في منظومة الأصول التحوُّطية، بل تحوّل إلى إشارة مالية عالمية تعكس عمق التحوُّلات التي يشهدها النظام النقدي الدولي، فتجاوز سعر الأونصة حاجز 4,000 دولار لم يكن مجرّد رقم قياسي جديد، بل محطة مفصلية أعادت الذهب إلى صدارة النقاشات الإقتصادية بوصفه أصلاً سيادياً يعكس تراجع اليقين في العملات الورقية، وتنامي الحاجة إلى ملاذات آمنة في بيئة عالمية تتسم بتراكم الديون، وتعدُّد بؤر التوتر الجيوسياسي، وضبابية مسارات السياسة النقدية وأسعار الفائدة الحقيقية. ويكتسب هذا الصعود دلالته الإستثنائية من كونه جاء في مرحلة يفترض فيها نظرياً أن تُشكل أسعار الفائدة المرتفعة عامل ضغط على الذهب، غير أن الواقع عكس ذلك تماماً، فقد أثبت المعدن النفيس قدرته على إعادة تعريف دوره، متجاوزاً كونه أداة تحوّط تقليدية إلى مرآة للإختلالات البنيوية في النظام المالي العالمي. ففي عالم تتزايد فيه الشكوك حول إستدامة الدين العام، وتتراجع فيه الثقة النسبية ببعض العملات الرئيسة، عاد الذهب ليُنظر إليه كأصل يحتفظ بقيمته خارج الحسابات السياسية والنقدية قصيرة الأجل.
وتعكس الأرقام المتوافرة هذا التحوّل بوضوح، فقد بلغ إجمالي الذهب المستخرج عالمياً أكثر من 212 ألف طن، فيما تحتفظ البنوك المركزية بما يقارب 18 % من هذا المخزون ضمن إحتياطاتها الرسمية، في دلالة على عودة الذهب إلى قلب إستراتيجيات إدارة الإحتياطات. كما سجّلت مشتريات البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة مستويات تاريخية، تجاوزت في بعض الأعوام 1,000 طن سنوياً، بالتوازي مع تدفقات استثمارية قوية نحو الأدوات المالية المدعومة بالذهب، ما أضفى على موجة الصعود طابعاً بنيوياً لا ظرفياً.
التطور التاريخي لأسعار الذهب
لم يكن الصعود القياسي الذي شهده الذهب مع نهاية العام 2025 حدثاً منفصلاً عن مساره التاريخي، بل يُمثل تتويجاً لمسار طويل من التحوّلات النقدية والإقتصادية التي أعادت تشكيل دور الذهب في النظام المالي العالمي. فمنذ إنهيار نظام بريتون وودز مطلع سبعينيات القرن الماضي وفكّ الإرتباط الرسمي بين الذهب والدولار في العام 1971، إنتقل الذهب من كونه غطاءً نقدياً مباشراً للعملات إلى أصلٍ حرّ التسعير، يخضع لقوى السوق ويتفاعل مع دورات التضخُّم وأسعار الفائدة ومستويات المخاطر العالمية. وخلال سبعينيات القرن العشرين، شكّل الذهب ملاذاً رئيسياً في مواجهة موجات التضخُّم الحاد وصدمات أسعار الطاقة، مسجّلاً أولى موجات الصعود الكبرى في تاريخه الحديث. إلاّ أن مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي شهدت تراجعاً نسبياً في جاذبيته، مع صعود الدولار وتراجع معدلات التضخُّم وتزايد الثقة بالسياسات النقدية التقليدية، ما دفع العديد من البنوك المركزية آنذاك إلى تقليص حيازاتها من الذهب.
غير أن هذا الإتجاه بدأ بالإنعكاس تدريجياً مع مطلع الألفية الجديدة، وبلغ نقطة تحوّل حاسمة عقب الأزمة المالية العالمية في عامي 2008-2009، حين أعادت البنوك المركزية والمستثمرون تقييم مخاطر النظام المالي القائم على الديون، فقد أدت السياسات النقدية غير التقليدية، ولا سيما التيسير الكمي وأسعار الفائدة شبه الصفرية، إلى إحياء دور الذهب كأداة تحوّط من تآكل القيمة الحقيقية للعملات، ما دفع أسعاره إلى مستويات تاريخية جديدة آنذاك. وتعمّق هذا التحوُّل البنيوي بصورة أوضح منذ العام 2020 مع جائحة «كوفيد-19»، حيث ترافقت الصدمة الصحية مع توسّع نقدي ومالي غير مسبوق عالمياً، أعقبه تسارع في معدّلات التضخُّم وتشديد نقدي حاد في عاميّ 2022 و2023. وفي هذا السياق، لم يعد الذهب مجرّد أداة تحوّط ظرفية، بل تحوّل إلى مؤشّر على هشاشة التوازنات النقدية والمالية العالمية، مدعوماً بعودة قوية للبنوك المركزية كمشتر صاف للذهب، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة.
وعليه، فإن صعود الذهب إلى مستويات تفوق 4,000 دولار للأونصة في نهاية العام 2025 يُمكن قراءته بوصفه نتيجة تراكمية لمسار تاريخي طويل، تداخلت فيه الأزمات المالية، والتحوُّلات النقدية، وتغيّر سلوك البنوك المركزية، وصولاً إلى مرحلة بات فيها الذهب عنصراً محورياً في إعادة تشكيل الاحتياطات والسياسات التحوطية العالمية، وهو ما يمهّد للإنتقال إلى تحليل دور البنوك المركزية كأحد المحركات الأساسية لصعود الذهب في المرحلة الراهنة.
العوامل المحرّكة لأسعار الذهب في المرحلة الراهنة
تتحدّد حركة أسعار الذهب في المرحلة الراهنة عبر مزيجٍ متداخل من العوامل النقدية والإستثمارية والجيوسياسية، مع بروز مؤشرات كمية تؤكد تحوُّل جزء مهم من الطلب إلى طابع هيكلي لا دوري. فعلى مستوى التسعير، سجّل الذهب قمماً تاريخية متتالية، إذ أشار تتبع الأسواق إلى بلوغه 4,630 دولاراً للأونصة في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، بعد مكاسب قوية خلال 2025 قدرت بنحو أكثر من 64 %، وبداية العام 2026 على إرتفاع يتجاوز 6 % خلال أيامه الأولى، في إنعكاس مباشر لطلب الملاذات الآمنة وتوقعات تيسير نقدي لاحقاً.
وفي قلب هذا المسار، يبرز الطلب الرسمي من البنوك المركزية كمحرّك رئيسي، فقد أضافت البنوك المركزية 1,045 طناً إلى إحتياطاتها في العام 2024، بعد 1,037 طناً في العام 2023، و1,082 طناً في العام 2022 وهو يُعتبر مستوى قياسياً، وهو نمط شراء يتجاوز 1,000 طن سنوياً لثلاث سنوات متتالية ويعزّز أرضية سعرية أعلى للذهب مقارنة بدورات سابقة. وعلى صعيد الطلب الكلي، بلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب في العام 2024 متضمّناً الإستثمار خارج البورصة 4,974 طناً بقيمة تقارب 382 مليار دولار، مع تسارع مشتريات البنوك المركزية في الربع الرابع إلى 333 طناً، ما يوضح أن الزخم كان واسع النطاق.
وضمن الإطار نفسه، عاد الطلب الإستثماري عبر الصناديق المدعومة بالذهب ليشكّل داعماً مهماً، حيث سُجلت في العام 2025 تدفقات قياسية إلى صناديق الذهب بلغت نحو 89 مليار دولار بحسب التقديرات، ما يعكس إنتقال جزء من المحافظ نحو التحوّط في بيئة تقلبات مرتفعة. أما من زاوية السياسة النقدية، فما زالت الفائدة الحقيقية ولا سيما عوائد السندات الأميركية «المحمية من التضخم» متغيّراً مفصلياً في تفسير جاذبية الذهب، إذ تُظهر البيانات التاريخية للعوائد الحقيقية أن تغيّر هذا المتغيّر يؤثر مباشرة في كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، حتى وإن بات تأثيره اليوم أقل حتمية بسبب صعود وزن العامل الجيوسياسي والطلب الرسمي. وأخيراً، تؤكد أرقام سوق لندن أن مسار القيَم القياسية ليس مقتصراً على عاميّ 2025 و2026، إذ سُجل في العام 2024 مستوى قياسي لسعر الذهب في مزاد جمعية سوق السبائك في لندن (LBMA) بلغ 2,788.54 دولاراً للأونصة بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2024، في حين بلغ متوسط سعر الذهب خلال العام نفسه نحو 2,386 دولاراً للأونصة. ويُظهر هذا الفارق بين الذروة السعرية والمتوسط السنوي أن مسار الإرتفاع لم يكن لحظياً أو مرتبطاً بحدث منفرد، بل نتج عن تراكم عوامل هيكلية متداخلة تجاوزت تأثير دورة أسعار الفائدة وحدها.
ورغم الأهمية التقليدية لأسعار الفائدة في تفسير تحركات الذهب، فإن المسار الصعودي الراهن يعكس تفاعل مجموعة أوسع من العوامل غير النقدية المباشرة، فقد تحوّل الطلب الرسمي من البنوك المركزية إلى محرك هيكلي للأسعار، مع تجاوز مشترياتها حاجز 1,000 طن سنوياً خلال الفترة 2022-2024، مقارنة بمتوسطات تاريخية أدنى بكثير، ما وفّر دعماً مستداماً للأسعار حتى في فترات تشديد الأوضاع النقدية. كما أسهم تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتنامي تسييس النظام المالي الدولي في تعزيز جاذبية الذهب كأصل محايد وغير مرتبط بمخاطر الطرف المقابل، لا سيما في ظل إتساع نطاق العقوبات المالية وإستخدام أدوات الدفع والإحتياطات لأغراض غير إقتصادية. وفي موازاة ذلك، أدّت الإختلالات المالية المتراكمة في الإقتصادات المتقدّمة وإرتفاع مستويات الدين العام إلى تآكل نسبي في الثقة طويلة الأجل بالعملات الإحتياطية التقليدية، ما دفع عدداً متزايداً من البنوك المركزية والمستثمرين إلى تعزيز حيازاتهم من الذهب كأداة حفظ للقيمة. وإلى جانب الطلب الرسمي، ساهم الطلب الاستثماري عبر الأدوات المالية المدعومة بالذهب في رفع سيولة السوق وربط حركة الذهب بتقلبات المحافظ الإستثمارية العالمية، بينما عزّزت تقلُّبات أسعار الصرف في الإقتصادات الناشئة الطلب الفيزيائي على الذهب كوسيلة تحوّط من تراجع العملات المحلية.
ويؤكد هذا التداخل بين العوامل النقدية وغير النقدية أن موجة الصعود الحالية لا تمثّل إستجابة ظرفية لدورة فائدة بعينها، بل تعكس تحوُّلاً بنيوياً في موقع الذهب ضمن النظام المالي العالمي.
إحتياطات المصارف المركزية من الذهب
شهدت إحتياطات المصارف المركزية من الذهب خلال السنوات الأخيرة تحوُّلاً بنيوياً أعاد الذهب إلى موقع متقدّم ضمن أدوات إدارة الإحتياطات الرسمية، بعد مرحلة طويلة من الإستقرار النسبي، فقد بلغت الحيازات الرسمية عالمياً نحو 35 ألف طن، أي ما يقارب 18 % من إجمالي الذهب المستخرج عالمياً، في دلالة واضحة على تنامي إدراك البنوك المركزية لأهمية الذهب كأصل سيادي يتمتع بخصائص فريدة، أبرزها انعدام مخاطر الطرف المقابل، والإستقلال عن السياسات النقدية للدول المُصدِرة للعملات الإحتياطية. ويعكس هذا التوجه العالمي تحوُّلاً في فلسفة إدارة الإحتياطات، حيث لم يعد الهدف محصوراً في تحقيق عائد مالي قصير الأجل، بل في تعزيز متانة الميزانيات العمومية للبنوك المركزية ورفع قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية. ويتم تنفيذ مشتريات الذهب عادة عبر السوق الفوري أو إتفاقيات مباشرة مع المنتجين، وبوتيرة مدروسة لتفادي التأثير الحاد على الأسعار، ما يعكس طابعاً إستراتيجياً طويل الأجل لهذه القرارات.
وعلى الصعيد العربي، تتسم إحتياطات المصارف المركزية من الذهب بتباين ملحوظ يعكس إختلاف الهياكل الإقتصادية والأنظمة النقدية بين الدول العربية. ففي الإقتصادات النفطية ذات الفوائض الخارجية المرتفعة، تميل البنوك المركزية إلى الإحتفاظ بجزء معتبر من إحتياطاتها على شكل أصول مالية سائلة، مع المحافظة على مستوى مستقر من الذهب كعنصر داعم للثقة والإستقرار طويل الأجل. وفي المقابل، تعتمد بعض الدول العربية ذات الموارد المحدودة أو المعرضة لتقلُّبات مالية ونقدية أكبر على الذهب كأداة تحوُّط سيادي لتعزيز مصداقية العملة الوطنية وتقليص الإنكشاف على العملات الأجنبية. وتبرز أهمية الذهب في السياق العربي بوصفه أداة توازن نقدي أكثر من كونه أداة إستثمارية، إذ يُسهم في دعم الثقة بالسياسات النقدية، وتحسين صورة الملاءة الخارجية، وتوفير هامش أمان إضافي في فترات الضغوط على أسعار الصرف أو الإحتياطات الأجنبية.
كما أن الإحتفاظ بالذهب يمنح المصارف المركزية العربية مرونة أكبر في إدارة الأزمات، ويحدّ من المخاطر المرتبطة بتقلُّبات الأسواق المالية العالمية أو بتسييس النظام المالي الدولي. ويشير هذا الواقع إلى أن مستقبل إحتياطات الذهب في المصارف المركزية العربية مرشح لأن يتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات العالمية في إدارة الإحتياطيات، وبمدى تعمُّق إدراك صانعي السياسات النقدية لأهمية التنويع الحقيقي للأصول. وفي ظل تصاعد عدم اليقين العالمي، يُتوقع أن يحتفظ الذهب بدور داعم وإن بدرجات متفاوتة في إستراتيجيات الإحتياطات العربية خلال المرحلة المقبلة.
وتُظهر بيانات إحتياطات الذهب الرسمية في الرسم البياني رقم 3، أن التركز العالمي لا يزال مرتفعاً لدى الإقتصادات المتقدمة، حيث تتصدر الولايات المتحدة القائمة بحوالي 8,133 طناً، أي أكثر من ضعفي مجموع حيازة أي دولة منفردة تليها، ثم ألمانيا (نحو 3,350 طناً)، تليها إيطاليا (نحو 2,452 طناً) ففرنسا (نحو 2,437 طناً)، ثم روسيا (نحو 2,333 طناً) والصين (نحو 2,290 طناً). ويستكمل نادي الكبار كلاً من سويسرا (نحو 1,040 طناً) والهند (نحو 878 طناً) واليابان (نحو 846 طناً)، وتركيا (نحو 641 طناً). وهكذا، فإن القسم الأكبر من الذهب الرسمي لا يزال متركّزاً في الولايات المتحدة وأوروبا، بما يعكس دور الذهب كأصل ثقة تاريخي في ميزانيات البنوك المركزية، وليس كأداة إستثمارية قصيرة الأجل.
وعلى المستوى العربي، تُظهر بيانات المجلس العالمي للذهب تركزاً نسبياً في عدد محدود من الدول، حيث تتصدّر السعودية بنحو 323 طناً، يليها لبنان بنحو 287 طناً، ثم الجزائر بحوالي 174 طناً، ثم العراق (حوالي 163 طناً) فليبيا (حوالي 147 طناً). ويعكس هذا التوزيع إختلاف نماذج إدارة الإحتياطات، فبعض الدول تعتمد الذهب كـدعامة للثقة والسيادة النقدية خصوصاً في الإقتصادات الأكثر تعرُّضاً للصدمات، بينما تميل دول أخرى لا سيما ذات الإحتياطات الأجنبية الكبيرة الى تفضيل الأصول السائلة بالعملات الأجنبية مع الإبقاء على الذهب كركيزة إستقرار طويلة الأجل. كما تُظهر مؤشّرات حديثة أن الدول العربية الخمس الأولى مجتمعةً (السعودية، لبنان، الجزائر، العراق، ليبيا) تمتلك قرابة 1,101 طن، ما يوضح أن الثقل العربي في الذهب الرسمي موجود لكنه أقل بكثير مقارنةً بالكتل الكبرى عالمياً، مما يجعل أي زيادة عربية في الذهب ذات أثر تحوّطي استراتيجي أكثر من كونها قادرة وحدها على إعادة تشكيل السوق العالمية.
آفاق أسعار الذهب ومساراتها المحتملة
تدلّ المؤشرات الراهنة على أن أسعار الذهب مقبلة على مرحلة تتسم بتعدّد المسارات أكثر من وضوح الإتجاه الأحادي، حيث بات تسعير الذهب إنعكاساً لتوازن دقيق بين عوامل دورية قصيرة الأجل وأخرى هيكلية طويلة الأمد. ففي المدى القريب، سيظل مسار أسعار الفائدة الحقيقية وتوجُّهات السياسة النقدية العالمية عاملاً مؤثّراً في تحديد وتيرة التقلبات السعرية، إلاّ أن تأثيره مرجّح أن يبقى محكوماً بسقف محدود مقارنة بدورات سابقة، في ظل تغيُّر بنية الطلب العالمي على الذهب. وفي هذا الإطار، قد تشهد الأسعار فترات من التذبذب أو التصحيح المرحلي كلّما تحسّنت شهية المخاطرة أو ارتفعت العوائد الحقيقية، غير أن هذه الحركات يُحتمل أن تكون مؤقتة ولا تُغيُّر من الإتجاه العام طويل الأجل.
وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن يستمر الطلب الرسمي من المصارف المركزية في لعب دور داعم للأسعار، مدفوعاً بإعتبارات تتجاوز الحسابات الإستثمارية البحتة نحو إعتبارات السيادة النقدية وإدارة المخاطر النظامية. كما أن إستمرار التوترات الجيوسياسية، وتزايد إستخدام الأدوات المالية في سياقات غير إقتصادية، يُعزّزان موقع الذهب كأصل «محايد» وغير مرتبط بمخاطر الطرف المقابل، ما يُوفر قاعدة دعم إضافية للأسعار حتى في بيئات نقدية أقل تيسيراً.
أما على المدى الأبعد، فإن مستقبل أسعار الذهب سيبقى مرتبطاً بعمق التحوُّلات في النظام النقدي الدولي ذاته، ولا سيما مدى قدرة العملات الإحتياطية التقليدية على الحفاظ على دورها الحالي في ظل تفاقم إختلالات الدين والعجوزات المالية. وفي حال إستمر هذا المسار، يُرجّح أن يتكرّس الذهب كمكوّن شبه دائم في إستراتيجيات إدارة الإحتياطات والمحافظ الإستثمارية، مع إنتقاله من أصل ملاذي ظرفي إلى عنصر هيكلي في منظومة الإستقرار المالي العالمي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
الأسباب تعود إلى التوترات الجيوسياسية والتضخُّم وإنخفاض الفوائد على الدولار
الذهب إلى إرتفاع في العام 2026
لم يعد السعي لإقتناء الذهب حكراً على السيدات، بإعتباره مصدراً للزينة والتباهي، ووسيلة «لتخبئة القرش الأبيض لليوم الأسود»، بل أيضاً أداة للإستثمار والربح لدى شريحة من المستثمرين حول العالم، خصوصاً مع عدم الإستقرار السياسي الحاصل في أكثر من منطقة، وبين العديد من البلدان، مما ينعكس تضخماً في الأسعار وتراجعاً في قيمة عملات أساسية وأولها الدولار.
في تفصيل سوق الذهب العالمي يبرز معطيان، الأول، إقبال كثيف على شراء الذهب من قبل مَن يملك الدولار من الأفراد والمستثمرين، والثاني تحوُّله إلى أداة أمان للمصارف المركزية، إذ شهد الذهب في العام 2025 أداءً إستثنائياً، وصفه تقرير توقعات الذهب لعام 2026، الصادر عن مجلس الذهب العالمي في ديسمبر/كانون الأول 2025 بـ «الطفرة المدهشة». وقد حقَّق المعدن الأصفر عوائد تجاوزت 60 %، مسجّلاً ما يزيد على 50 رقماً قياسياً جديداً على الإطلاق.
هذا الأداء القوي جاء مدعوماً بمزيج من العوامل التي رسّخت مكانة الذهب ملاذاً آمناً، أبرزها: تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والإقتصادي، وضعف مستويات الدولار، بالإضافة إلى الزخم الإيجابي في الأسعار، وفق ما جاء في تقرير مجلس الذهب العالمي. وشهد العام 2025 زيادةً ملحوظةً في مخصّصات الذهب، حيث كثّف كل من المستثمرين والبنوك المركزية عمليات الشراء؛ بحثاً عن التنويع والإستقرار.
طفرة العام 2025
بحسب الخبراء لم يكن الأداء القياسي للذهب في العام 2025 مجرّد صدفة، بل كان إنعكاساً لتوجُّهات إستثمارية عالمية، إذ دعمت حالة عدم اليقين الجيوسياسي والإقتصادي المتزايدة أداء الذهب بشكل قوي، كما أسهم تراجع الدولار في جعل الذهب أكثر جاذبيةً للمشترين من العملات الأخرى. وأظهر كل من المستثمرين والبنوك المركزية زيادةً واضحةً في مخصّصاتهم للذهب، حيث سعوا للحصول على التنويع والإستقرار في محافظهم الإستثمارية ضد تقلُّبات السوق.
ويشير تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن طلب القطاع الرسمي (البنوك المركزية) كان ولا يزال مساهماً كبيراً في أداء الذهب العالمي. ورغم أن البنوك المركزية تراجعت قليلاً عن مستويات الشراء القياسية التي سجَّلتها في السنوات الـ3 السابقة، فقد إستمرّت في العام 2025 بـ «موجة الشراء»، حيث بقي الطلب أعلى بكثير من المتوسط التاريخي.
ويُظهر التحليل الذي أجراء مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية تشتري بمستويات مرتفعة بشكل هيكلي :متوسط ما قبل «كوفيد» (2010 – 2019): كان الشراء الصافي في حدود 500 طن سنوياً. أما متوسط ما بعد «كوفيد» (2020 – 2024): فقد إرتفع بشكل حاد إلى نحو 800 طن سنوياً. وفي العام 2025 تُراوح التقديرات بين 750 و 900 طن، مما يمثل إستمراراً للزخم القوي.
سيناريوهات ثلاثة في العام 2026
يشير تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن النظرة المستقبلية للذهب في العام 2026، تتشكَّل بفعل إستمرار حالة عدم اليقين الجيوإقتصادي، ويُحدّد 3 سيناريوهات رئيسية محتملة يُمكن أن يتبعها سعر الذهب:
1 – الإنزلاق الضحل: مكاسب معتدلة
هذا السيناريو يُمثل توقعات أكثر إعتدالاً، حيث يُتوقع أن يشهد الذهب مكاسب متوسطة. علماً أنه يحدث ذلك إذا تباطأ النمو الإقتصادي العالمي وإستمرت معدّلات الفائدة في الانخفاض. في هذه البيئة، سيعمل إنخفاض الفوائد على تقليل جاذبية الأصول المدرة للعائد (مثل السندات)، مما يقلّل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب ويزيد من الطلب عليه بوصفه تحوطاً، دافعاً الأسعار للأعلى بشكل معتدل.
2 – الحلقة الكارثية: إندفاع قوي للأسعار
هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً لمشتري الذهب، ويتمثل في حدوث تراجع إقتصادي أكثر حدّة في العام 2026، يترافق مع تصاعد في المخاطر العالمية (سواء جيوسياسية أو مالية). في هذه الحالة، سيشهد الذهب أداءً قوياً جداً، حيث يتّجه المستثمرون والبنوك المركزية بتركيز أكبر نحو المعدن الأصفر ملاذاً أخيراً.
3 – العودة إلى التضخُّم: خطر التراجع
يُمثل هذا السيناريو الخطر الأكبر على أداء الذهب، ويتحقَّق إذا أدت السياسات الإقتصادية التي تنفذها إدارة ترمب إلى نتائج ناجحة بشكل غير متوقع. هذا النجاح سيعمل على تسريع النمو الإقتصادي وتقليل المخاطر الجيوسياسية. ستؤدي هذه البيئة إلى رفع معدّلات الفائدة وزيادة قوة الدولار، وهما عاملان تاريخيان يؤديان إلى تراجع أسعار الذهب. ويُظهر إستطلاع لـ «غولدمان ساكس» أن العديد من المستثمرين يعتقدون بأن المعدن النفيس سيصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 5000 دولار في حلول نهاية العام 2026.
صورة إيجابية
في سياق متصل، رفع دويتشه بنك توقعاته لسعر الذهب في العام 2026 إلى 4450 دولاراً للأونصة في المتوسط من 4000 دولار، وفق وكالة «رويترز». ويشير البنك إلى إستقرار تدفقات المستثمرين والطلب المستمر من البنوك المركزية. وقد أبقى البنك على توقعاته لسعر الذهب في العام 2027 عند 5150 دولاراً، قائلاً: إنه «يتأرجح بين عدم اليقين» بين سيناريوهات العمل المعتادة وإرتفاع الطلب الرسمي.
بينما حذر دويتشه بنك من أن المخاطر الرئيسية تشمل الإرتباط الإيجابي للذهب بالأصول الخطرة، وإحتمال تخفيف سياسة مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي بشكل أقل مما تتوقّعه الأسواق في العام 2026، وإحتمال أن يبطئ مديرو الإحتياطي مشترياتهم.
في ميزان الخبراء، فإن الذهب شهد خلال العام 2025 موجة صعود لافتة، أعادت تسليط الضوء على إحتمالات بلوغه مستويات تاريخية في العام 2026، بدعم من مجموعة واسعة من المحرّكات الأساسية.
ويأتي في مقدّم هذه العوامل، تزايد إقبال البنوك المركزية حول العالم على شراء الذهب بهدف تنويع الإحتياطات بعيداً عن الدولار، ما يُعزّز الطلب الهيكلي على المعدن النفيس. كما تُسهم صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب في رفع الطلب وتقليص المعروض القابل للتداول، مما ضاعف الضغوط الصعودية، كما أن تراجع الدولار وتنامي توقّعات خفض أسعار الفائدة الأميركية يزيدان من جاذبية الذهب كأداة تحوّط ضد التضخُّم وتقلُّبات العملات، في حين تدفع حالة عدم اليقين الإقتصادي والجيوسياسي، من الحروب وإرتفاع الديون السيادية إلى مخاطر الركود، المستثمرين نحو الأصول الآمنة وعلى رأسها الذهب، الذي بات يُنظر إليه كأصل إستراتيجي طويل الأجل لا مجرّد ملاذ تقليدي.
الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان
إستمرار خفض الفوائد على الدولار سيرفع أسعار الذهب
يتوقع الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان على أن «يبقى المسار في العام 2026 تصاعدياً للذهب، لأسباب عدة، أولها أن المصارف المركزية في العالم لا تزال تشتري الذهب، بالوتيرة عينها التي إتبعتها في العام 2025 وتزيد في محافظها المعدن الأصفر، مما يؤدي إلى زيادة أسعاره»، لافتاً إلى أن «البنك الفدرالي في الولايات المتحدة يخفّض فوائده تباعاً، وهذا مؤشر على زيادة الطلب على شراء الذهب، لأن كلفة شرائه وتخزينه تصبح أقل، بالإضافة إلى أنه لم تحصل سيطرة كاملة على التضخُّم عالمياً، ونحن نعلم أن أهم وسيلة إحتياطية للتضخُّم هو اللجوء إلى شراء الذهب، وهذا يعني أن المعدن الأصفر سيكون الطلب عليه أكثر بكثير من العرض».
ويختم أبو سليمان قائلاً: «التوترات الجيوسياسية لا تزال موجودة، والحرب التجارية والرسوم الجمركية التي تنتهجها إدارة ترامب لم تنته، وهي موجودة، بدليل أن الصين تقوم بإرسال مؤشّرات الى الولايات المتحدة، بأنها تتخلى عن الدولار من خلال تحويلها العملات الصعبة التي تمتلكها الى شراء الذهب، ما يعني أن أسعار الذهب ستبقى في مسار تصاعدي».
الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة
التوترات الجيوسياسية سترفع أسعار الذهب
من جهته، يشدّد الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة أن «التوقعات صعبة، لكن في حال بقيت سياسات الولايات المتحدة على حالها تجاه أوكرانيا والشرق الأوسط، والتصعيد الحاصل سياسياً وعسكرياً، فهذا يعني أن المعدن الاصفر سيبقى الملاذ الآمن»، معتبراً «أن الذهب سعره عالمي ويتأثر بالأحداث السياسية التي تجري، والجميع يعلم أن هناك مشكلة أساسية بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تجاه نظرتها إلى أوكرانيا، وهذا الإختلاف سيؤدي إلى تطوُّرات وتحدّيات، وتغيُّر في موازنات الدول، وتخبُّط وإرتفاع مستمر في أسعار الذهب».
ويختم د. حبيقة قائلاً: «إن إنخفاض سعر المعدن الأصفر غير متوقع، وبقاءه على حاله ممكن، لكن صعود أسعاره ممكن أكثر».
الخبير الإقتصادي زياد ناصر الدين
7 أسباب لإرتفاع أسعار الذهب 2026
يجيب الخبير الإقتصادي زياد ناصر الدين، على سؤال: لماذا يُتوقع إرتفاع أسعار الذهب في العام 2026 قائلاً:
«ثمّة سيناريوهات دولية عدة ترسم هذا المسار، أولُها خفض الفائدة بشكل كبير، ما يُضعف الدولار ويزيد الإقبال على الذهب كملاذ آمن، ثانيها عودة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة رغم التجميد المؤقت، فيما التوقعات تشير إلى جولة جديدة من الحرب التجارية في العام 2026، وثالثها تجدُّد الأزمات الإقتصادية في أوروبا، إذ تعاني بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا ركوداً حاداً يُضعف الثقة بالإقتصاد الأوروبي، ورابعها تباطؤ النمو العالمي، فالنمو المتوقع لا يتجاوز 3 % في العام 2026، ما يضغط على الأسواق ويُعزّز اللجوء إلى الذهب، وخامسها أزمة الديون والفوائد في الولايات المتحدة، فالدين العام المتصاعد وكلفة الفوائد المرتفعة يخلّفان مخاطر مالية واسعة، وسادسها الأزمة العقارية في الصين، إذ إن إستمرار الإنكماش العقاري وتباطؤ النمو إلى 5.8 % يضغط على الأسواق الآسيوية، وسابعها زيادة الطلب على الذهب من دول البريكس، المصارف المركزية، وصناديق الإستثمار الكبرى في ظل التحوُّط من المخاطر».
الخبير الإقتصادي ميشال قزح
التضخُّم من أسباب رفع أسعار الذهب في العام 2026
يشرح الخبير الإقتصادي ميشال قزح أن «إستمرار معدّلات التضخُّم في الولايات المتحدة بالإرتفاع، وتغطية العجز بطباعة الدولارات، وفي ظل إزدياد الكتل النقدية من 4 تريليونات دولار في العام 2020، إلى 22 تريليوناً في العام 2025، فإن هذا التضخُّم سيُترجم بإرتفاع أسعار الذهب عالمياً، لأنه إنعكاس لزيادة طباعة الدولارات»، موضحاً أن «إنخفاض أسعار النفط ليست مؤشّراً على إنخفاض أسعار الذهب في العام 2026، لأن المستثمرين والمصارف المركزية مستمرون في شراء الذهب، لأنهم يعرفون حجم عمليات طباعة الدولار، وهذا الإتجاه سيبقى مستمراً في العام 2026. ويُرجّح أن يُلامس سعر الأونصة 5000 آلاف دولار، في حين أن أسعار الفضة ستتجه صعوداً أيضا، إلى ما يزيد عن 75 دولاراً، لأن العرض أقل من الطلب، والذي تحتاجه الصناعات في العالم».
الدور المتنامي للإعلام الاجتماعي في تشكيل القناعات والسلوكيات
يُؤثر في الإنتقال من المقاربات العلاجية اللاحقة إلى إستراتيجيات وقائية إستباقية
أصبحت الجرائم في مختلف أشكالها، ولا سيما الجرائم ذات الطابع الإقتصادي والرقمي، نتاجاً معقداً لتفاعل عوامل نفسية وسلوكية مع بيئة معلوماتية متسارعة، لم يعد فيها السلوك الإجرامي فعلاً معزولاً بقدر ما هو نتيجة سياق إجتماعي إعلامي يُسهل التبرير، ويُخفّض كلفة المخاطرة، ويُعيد تشكيل إدراك الأفراد لمفاهيم الخطأ والمسؤولية. ففي ظل التحوّل الرقمي وإنتشار منصّات الإعلام الإجتماعي، لم يعد مصدر المعرفة أو التأثير مقتصراً على المؤسسات التعليمية أو القنوات الرسمية، بل باتت المعلومات بما فيها المضلّلة أو غير المكتملة تنتج وتُتداول بسرعة تفوق قدرة الأطر التقليدية على الضبط والتصحيح.
وفي هذا الإطار، يبرز التثقيف كعنصر حاسم في فهم السلوك الإجرامي والحدّ من مخاطره، ليس بوصفه نشاطاً توعوياً عاماً، بل كأداة وقائية تُسهم في تعزيز المناعة النفسية والسلوكية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. فضعفُ الوعي، وسوءُ تقدير المخاطر، وتأثيرُ الخطاب الإعلامي غير المنضبط، عوامل تفتح المجال أمام أنماط جديدة من الإستغلال والتلاعب، وتُعيد إنتاج السلوك الإجرامي بصيغ أكثر تعقيداً وأقل قابلية للإكتشاف المبكر.
العوامل النفسية المؤثرة في تشكّل السلوك الإجرامي
يتأثر السلوك الإجرامي بجملة من العوامل النفسية التي تُسهم في الإنتقال التدريجي من الإلتزام بالقواعد إلى خرقها، حيث تلعب آليات التبرير الذاتي دوراً محورياً في خفض الحواجز الأخلاقية لدى الأفراد، ولا سيما في البيئات التي تتسم بضعف الرقابة أو غموض المسؤوليات. فالإحساس بضعف إحتمالات الإكتشاف، إلى جانب النزعة إلى تعظيم المنفعة قصيرة الأجل، يدفع بعض الأفراد إلى إعادة تعريف السلوك المخالف بوصفه تصرفاً مقبولاً أو أقل ضرراً، خصوصاً عندما يكون الضرر غير مباشر أو مؤجّل الظهور. كما يُسهم الضغط المهني والإجتماعي، والرغبة في تحقيق مكانة أو مكاسب سريعة، في تعزيز قابلية الإنخراط في سلوكيات إجرامية، لا سيما عندما تغيب الثقافة المؤسسية الرادعة أو تُرسخ نماذج سلوكية تضفي طابعاً اعتيادياً على المخالفات الصغيرة. ويزداد هذا التأثير في السياقات الرقمية، حيث يُؤدي البُعد النفسي الناتج عن التفاعل غير المباشر إلى إضعاف الشعور بالمسؤولية، ويُسهل ممارسة الخداع أو التلاعب دون إدراك فوري لعواقبه القانونية أو الاجتماعية، ما يجعل العوامل النفسية عنصراً أساسياً في فهم أنماط الجريمة الحديثة وسبل الوقاية منها.
دور الإعلام الإجتماعي في نشر المعلومات وتشكيل السلوك الإجرامي
أدّى التوسُّع المتسارع في إستخدام منصّات الإعلام الإجتماعي إلى إعادة تشكيل بيئة تداول المعلومات، بحيث لم تعد هذه المنصّات مجرّد وسيلة تواصل، بل تحوّلت إلى فضاء مؤثر في تشكيل القناعات والسلوكيات، بما في ذلك السلوك الإجرامي. فسهولة إنتاج المحتوى وسرعة إنتشاره، مقرونتان بضعف آليات التحقُّق، أوجدتا بيئة خصبة لإنتشار المعلومات المضلّلة والخطابات التي تُطبع المخالفات أو تبرّرها، سواء بصورة مباشرة عبر الترويج لأساليب الإحتيال والإستغلال، أو بصورة غير مباشرة من خلال سرديات تمجّد التحايل وتُقلّل من خطورة العواقب القانونية. كما تُسهم خوارزميات تعزيز التفاعل في إبراز المحتوى الصادم أو الجاذب على حساب الدقة والموثوقية، ما يُؤدي إلى تضخيم أنماط سلوكية منحرفة وتوسيع دائرة تقبّلها إجتماعياً. وفي السياق ذاته، أصبحت هذه المنصّات أداة فعّالة في إستهداف الأفراد ذوي الوعي المحدود أو القابلية النفسية العالية للتأثر، عبر أساليب الهندسة الإجتماعية التي تستثمر في الثقة، وفي العاطفة، وفي ضغط الجماعة، مما يُعزّز إحتمالات الوقوع في الجريمة أو التحوُّل إلى ضحية لها. وبذلك، يغدو الإعلام الإجتماعي عاملاً مضاعفاً للمخاطر، يُسرّع إنتشار السلوك الإجرامي ويعقّد جهود المكافحة، ما لم يُقابل بإدارة معلوماتية رشيدة وتثقيف منهجي قادر على تحصين الأفراد والمؤسسات من تأثيراته السلبية.
دور التثقيف والوعي في الوقاية من السلوك الإجرامي
يُشكّل التثقيف والوعي أحد المرتكزات الأساسية للوقاية من السلوك الإجرامي، بوصفهما أدوات إستباقية تعالج جذور المشكلة قبل تحوّلها إلى ممارسات مخالفة أو جرائم مكتملة الأركان. فرفع مستوى الوعي بالمخاطر القانونية والإقتصادية والإجتماعية، وتعزيز الفهم النقدي للمعلومات المتداولة، يُسهمان في إعادة ضبط السلوك الفردي والجماعي ويُحدّان من قابلية الإنخراط في أنماط منحرفة أو الوقوع ضحية لها. كما يؤدي التثقيف المنهجي إلى تقوية ما يُمكن تسميته بالمناعة السلوكية، من خلال تمكين الأفراد من التعرف المبكّر على أساليب الخداع والتلاعب، وفهم آليات التأثير النفسي التي تستغلها الجرائم الحديثة، ولا سيما في البيئات الرقمية. وعلى المستوى المؤسسي، يُعد دمج برامج التوعية ضمن السياسات التنظيمية والحوكمة أداة فاعلة لتقليص مناطق الرمادية السلوكية وتعزيز ثقافة الإمتثال والمسؤولية، بما يحد من إحتمالات التواطؤ أو التساهل مع المخالفات. وفي ظل الدور المتنامي للإعلام الإجتماعي، تكتسب مبادرات التثقيف أهمية مضاعفة بإعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة المعلومات المضللة وتطبيع السلوك الإجرامي، حيث يُساهم الوعي في تحويل الأفراد من متلقين سلبيين إلى فاعلين قادرين على التمييز والتحقق، بما يُعزّز الوقاية المستدامة ويخفف الأعباء اللاحقة على منظومات العدالة والرقابة.
في الخلاصة، تُظهر هذه الدراسة أن السلوك الإجرامي لم يعد نتاج عامل منفرد أو إنحراف فردي معزول، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين دوافع نفسية، وبيئة معلوماتية متسارعة، ومستويات متفاوتة من الوعي والتثقيف. وفي ظل الدور المتنامي للإعلام الإجتماعي في تشكيل القناعات والسلوكيات، تتزايد أهمية الإنتقال من المقاربات العلاجية اللاحقة إلى إستراتيجيات وقائية إستباقية تُعلي من شأن التثقيف المنهجي وتعزيز الوعي النقدي. فكلّما إرتفعت قدرة الأفراد والمؤسسات على فهم آليات التأثير والتلاعب، تقلّصت المساحات التي ينفذ منها السلوك الإجرامي، وتراجعت فرص إنتشاره وتطبيعه إجتماعياً. وعليه، يصبح الإستثمار في التثقيف والوعي خياراً إستراتيجياً لا يقل أهمية عن الأطر القانونية أو الأدوات التقنية، بإعتباره مساراً مستداماً للحد من الجريمة وتعزيز السلوك المسؤول وترسيخ بيئة أكثر أمناً وإستقراراً على المستويين المجتمعي والمؤسسي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
تشكل أحد المرتكزات الإستراتيجية لإدارة المخاطر وحوكمة الشركات الكبيرة
أنظمة الإمتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال لم تعد وظيفة رقابية مساندة
بل منظومة إستباقية متكاملة تجمع بين إدارة المخاطر وتحليل البيانات
تُواجه الشركات الكبيرة في المرحلة الراهنة تصاعداً ملحوظاً في مخاطر الإحتيال نتيجة تعقّد الهياكل التشغيلية، وتوسُّع الأعمال العابرة للحدود، وتسارع التحوُّل الرقمي وتكامل الأنظمة. ولم يعد الإحتيال يقتصر على ممارسات فردية معزولة، بل أصبح يستند إلى أساليب منظمة تستغل حجم العمليات، وتعدد الأطراف المتعاملة، والثغرات التقنية والإجرائية في بيئات الأعمال المعقدة. وقد برزت أنظمة الامتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال كأحد المحاور الأساسية لحوكمة الشركات الكبيرة، إذ إنتقلت من دور رقابي تقليدي إلى منظومة إستباقية متكاملة، تجمع بين إدارة المخاطر، وتحليل البيانات، والتقنيات الذكية، بهدف الحدّ من الخسائر وتعزيز النزاهة التشغيلية وحماية السمعة المؤسسية.
أنظمة الإمتثال الحديثة ودوافع تبنّيها
تُعدُّ أنظمة الامتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال جزءاً أساسياً من البنية المؤسسية التي تهدف إلى الوقاية والإستباق بدلاً من الإكتفاء بالكشف بعد وقوع الخسائر، وهي ترتكز على فهم شامل لمخاطر الإحتيال في الشركات الكبيرة، وإعادة تصميم الضوابط التشغيلية والتقنية لتقليل التعرُّض للمخاطر المالية والتشغيلية والسمعة المؤسساتية. وتشير الإحصاءات العالمية إلى إتساع حجم مشكلة الإحتيال على مستوى الشركات والصناعات المختلفة، ما يُعزّز الحاجة إلى أنظمة إمتثال أكثر فاعلية. فبحسب أحدث التقديرات، تقدّر خسائر الشركات حول العالم من الإحتيال بنحو 7.7 % من إيراداتها السنوية في المتوسط، وهو ما يُترجم إلى مئات مليارات الدولارات من الخسائر سنوياً على مستوى الإقتصاد العالمي. كما أظهرت دراسات عالمية أن 41 % من الشركات العالمية تعرّضت للإحتيال خلال العامين الماضيين، مما يعكس إنتشار هذا التهديد في بيئات الأعمال المختلفة.
من ناحية أخرى، أشارت مؤسسات بحثية إلى أن شركات كبرى متعدّدة الجنسيات، خصوصاً تلك التي يزيد دخلها على 10 مليار دولار، تواجه مخاطر إحتيال عالية، حيث أبلغ 52 % منها عن تجربة إحتيال في آخر 24 شهراً. وفي سياق الإنفاق على أدوات وتقنيات مكافحة الاحتيال، يُتوقع أن يشهد سوق حلول كشف ومنع الإحتيال نمواً قوياً على مدى السنوات المقبلة، مع إرتفاع إستثمارات الشركات في أدوات تحليل البيانات والذكاء الإصطناعي لمواجهة التهديدات المتغيّرة.
كل هذه المؤشرات تسلّط الضوء على العبء المتزايد للإحتيال وتزايد تعقيده، وهي دوافع مركزية تجعل أنظمة الإمتثال الحديثة عنصراً لا غنى عنه في حماية الشركات الكبيرة. فالنهجُ التقليدي الذي يعتمد على المراجعة اللاحقة وحده لم يعد كافياً للتعامل مع سيناريوهات الإحتيال المعقّدة والمتشابكة، مما يستدعي تبنّي آليات متكاملة للوقاية والكشف والإستجابة تعتمد على البيانات والتحليلات الذكية والحوكمة المؤسسية المتقدّمة.
المكوّنات الأساسية لأنظمة الإمتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال
في الشركات الكبيرة، يقوم الإمتثال الحديث لمكافحة الإحتيال على منظومة متكاملة من العناصر التقنية والتنظيمية التي تعمل بتناسق لتعظيم الكشف المبكر عن المخاطر وتقليل الخسائر، وتحسين جودة الإستجابة والتحقيق. يُمكن تلخيص المكوّنات الأساسية لهذه الأنظمة كالتالي:
حوكمة المخاطر والضوابط المؤسسية: إذ يبدأ الإمتثال من مستوى الحوكمة، حيث تحدّد سياسات واضحة للمخاطر، وصلاحيات محدّدة، وأدوار ومسؤوليات لكل مستوى إداري، ويتضمّن ذلك فصل المهام وتحديث سياسات مكافحة الإحتيال بإنتظام لضمان إلتزام الوحدات التشغيلية بالقواعد المؤسسية والإجراءات الرقابية.
تحليل البيانات الضخمة والتحليلات المتقدّمة: تشكل البيانات جزءاً جوهرياً في أنظمة الإمتثال الحديثة، إذ تسمح بتحليل كميات ضخمة من المعاملات والسلوكيات لتحديد الأنماط غير الطبيعية والمؤشرات المبكرة للإحتيال بإستخدام تقنيات مثل التحليلات الإحصائية، وإكتشاف الشذوذ، والتعلّم الآلي. هذه القدرات تُحسّن دقة الكشف وتقلّص معدّلات الإنذارات الكاذبة مقارنة بأساليب التدقيق التقليدية.
نماذج الكشف الذكية: تعمل الأنظمة الحديثة بمزيج من القواعد المعرفة مسبقاً ونماذج الذكاء الإصطناعي والتعلُّم الآلي، ما يُمكنها من التعرّف على سلوكيات إحتيالية معقّدة تتجاوز قدرات القواعد الثابتة وحدها. التعلُّم الآلي يُمكن أن يتكيّف مع تغيُّرات الأنماط الإحتيالية ويكون قاعدة معرفية تتوسّع بإستمرار مع زيادة البيانات المتاحة.
مراقبة المعاملات في الوقت الحقيقي: تقوم أنظمة إمتثال متقدّمة بمراقبة المعاملات عند تنفيذها لتحليلها فوراً مقابل نماذج السلوكيات المتوقعة. هذا يتيح إكتشاف العمليات المشبوهة قبل إتمامها وإيقافها في الوقت الفعلي، بدلاً من الإعتماد على مراجعات لاحقة فقط.
إدارة القضايا والتحقيق: عند إكتشاف نشاط مشبوه، تنتقل الحالة إلى طبقة إدارة القضايا التي تتيح توثيق التحقيقات، تسجيل الأدلة، تتبع الإجراءات، والتنسيق بين الفارق (الإمتثال، التدقيق الداخلي، القانوني). تُعد هذه المكونات ضرورية لإتمام التحقيقات بفاعلية وتقديم تقارير إمتثال دقيقة للجهات الرقابية.
التحليل الشبكي وتحديد العلاقات المخفية: تعتمد بعض الحلول المتقدّمة على تحليل الشبكات لتحديد العلاقات بين كيانات متعددة (حسابات، موردين، معاملات) لكشف عمليات تواطؤ إحتيالية أو أنماط معقّدة لا تظهر في التحليل التقليدي.
إمتثال تنظيمي وتكامل مع معايير: تتكامل أنظمة الامتثال الحديثة مع متطلّبات «إعرف عميلك» (KYC) ومكافحة غسيل الأموال (AML) لضمان الإمتثال التشريعي الشامل وتقليل مخاطر الإحتيال عبر الحدود، وهو أمر مهم بشكل خاص في الشركات متعدّدة الجنسيات.
في الخلاصة، تُظهر المعطيات والتحليلات أن أنظمة الإمتثال الحديثة لمكافحة الإحتيال لم تعد وظيفة رقابية مساندة، بل أصبحت أحد المرتكزات الإستراتيجية لإدارة المخاطر وحوكمة الشركات الكبيرة. فمع تصاعد تعقيد أنماط الإحتيال وتسارع الإبتكار الرقمي، باتت فعّالية الإمتثال تُقاس بقدرته على الإستباق والكشف المبكر، وجودة القرارات، وليس فقط بعدد المخالفات المكتشفة بعد وقوعها. وعلى المدى الإستشرافي، يُتوقع أن تتّجه الشركات الكبيرة نحو نماذج إمتثال أكثر تكاملاً وذكاءً، تعتمد على توحيد البيانات، والتحليلات المتقدمة، والذكاء الإصطناعي القابل للتفسير، إلى جانب تعزيز دور إدارة القضايا وتحليل الأسباب الجذرية في منع تكرار المخاطر. كما سيزداد التركيز على الإمتثال الوقائي المدمج في العمليات التشغيلية اليومية، بدل عزله ضمن وحدات رقابية منفصلة. وفي هذا السياق، تمثل قدرة الشركات على الإستثمار في أنظمة إمتثال مرنة وقابلة للتطور عاملاً حاسماً في حماية الإستدامة المالية، وتعزيز الثقة المؤسسية، والحفاظ على القدرة التنافسية في بيئة أعمال تتسم بإرتفاع المخاطر وتسارع التغيُّرات.
المصارف العربية تحتاج إلى تبنّي مقاربة إستراتيجية متدرّجة لتوظيف التقنيات المستجدة
الذكاء الإصطناعي يُعزز فعّالية أنظمة مكافحة الإحتيال المالي
أدّى التوسُّع المتسارع في التحوُّل الرقمي داخل القطاع المالي والمصرفي إلى تعقيد بيئة المخاطر المالية، حيث ترافقت زيادة الإعتماد على القنوات الرقمية والمعاملات «غير الحضورية» مع تصاعد ملحوظ في حجم وتنوُّع عمليات الإحتيال المالي. ويشير تقرير Global State of Scams Report 2025 إلى أن الخسائر المالية التي تكبّدها المستهلكون عالمياً نتيجة عمليات الإحتيال بلغت نحو 442 مليار دولار سنوياً، ما يعكس محدودية فعّالية الأساليب التقليدية في مواجهة أنماط إحتيال ديناميكية وسريعة التكيُّف. وفي هذا السياق، برز الذكاء الإصطناعي كأداة محورية لتعزيز فعّالية أنظمة مكافحة الاحتيال المالي، من خلال قدرته على تحليل البيانات الضخمة وفهم السلوك المالي ورصد المعاملات غير الإعتيادية في الزمن الحقيقي. وقد أسهم توظيف تقنيات التعلم الآلي والتحليل السلوكي في الإنتقال من نماذج رقابية قائمة على الإكتشاف اللاحق إلى مقاربات وقائية وإستباقية، بما يدعم كفاءة الرقابة المالية، ويحد من الخسائر، ويُعزّز متطلّبات الإمتثال في المؤسسات المالية والمصرفية.
محدودية أنظمة مكافحة الإحتيال التقليدية والحاجة إلى التحوّل نحو النماذج الذكية
تعتمد أنظمة مكافحة الإحتيال التقليدية في المؤسسات المالية على نماذج رقابية قائمة على القواعد الثابتة والمؤشرات التاريخية، ما يحدّ من فعّاليتها في بيئة مالية رقمية تتسم بالتعقيد وتسارع الإبتكار في الأساليب الاحتيالية. وقد أظهرت التطوُّرات الأخيرة أن هذا النمط من الأنظمة يعاني من قصور واضح في التعامل مع أنماط إحتيال ديناميكية وسريعة التكيُّف، مما ينعكس في إرتفاع معدّلات الكشف اللاحق وكثرة الإنذارات الخاطئة وزيادة الخسائر المالية.
وتؤكد المؤشرات الدولية حجم هذا التحدي، إذ تشير بيانات Global Anti-Scam Alliance إلى أن الخسائر المالية الناجمة عن عمليات الإحتيال بلغت نحو 442 مليار دولار سنوياً على مستوى المستهلكين عالمياً، في ظل توسّع القنوات الرقمية والمعاملات عبر الانترنت. كما أظهرت تلك البيانات أن 57 % من البالغين حول العالم قد تعرّضوا لعملية إحتيال واحدة على الأقل خلال عام واحد، رغم إعتقاد 73 % منهم بقدرتهم على التعرُّف على الإحتيال، ما يعكس فجوة جوهرية بين الوعي والقدرة الفعلية على الوقاية بإستخدام الأدوات التقليدية.
في المقابل، تدعم البيانات التحوُّل المتزايد نحو النماذج الذكية، حيث تشير تقارير متخصّصة في الجرائم المالية إلى أن نحو 90 % من المؤسسات المالية باتت تعتمد تقنيات الذكاء الإصطناعي في أنظمة مكافحة الإحتيال. وقد أسهم هذا التحوُّل في خفض الخسائر الناتجة عن الإحتيال بنسبة تراوحت ما بين 40 % و60 % لدى عدد كبير من المؤسسات، إضافة إلى تحسين الكفاءة التشغيلية بالوتيرة نفسها تقريباً من خلال تقليل الإنذارات الخاطئة وتسريع عملية إتخاذ القرار.
وبناءً عليه، لم يعد تعزيز فعّالية أنظمة مكافحة الإحتيال المالي ممكناً عبر تطوير القواعد الرقابية التقليدية فحسب، بل بات مرتبطاً بقدرة المؤسسات المالية على تبنّي نماذج ذكية قائمة على الذكاء الإصطناعي، وقادرة على تحليل السلوك المالي وفهم نيّة المعاملات، والعمل في الزمن الحقيقي، بما يتيح الإنتقال من الرقابة التفاعلية إلى المقاربة الإستباقية القائمة على المخاطر.
تطبيقات الذكاء الإصطناعي عملياً في تعزيز فعّالية أنظمة مكافحة الإحتيال المالي
أتاح توظيف الذكاء الإصطناعي في المؤسسات المالية نقلة عملية في آليات مكافحة الإحتيال المالي، من خلال الإنتقال من نماذج رقابية عامة إلى تطبيقات ذكية متخصّصة تعمل في الزمن الحقيقي (Real time). وتتمثّل أبرز هذه التطبيقات في التحليل السلوكي للمعاملات المالية، حيث تُستخدم خوارزميات التعلُّم الآلي لبناء ملفات سلوكية ديناميكية للعملاء، تُمكن من رصد الانحرافات غير الاعتيادية عن أنماط الاستخدام الطبيعية، حتى وإن بدت المعاملة صحيحة من الناحية الشكلية. ويُسهم هذا النهج في تحسين القدرة على التمييز بين السلوك المشروع والسلوك الإحتيالي بدقة أعلى من النماذج التقليدية.
كما تُستخدم تقنيات الذكاء الإصطناعي على نطاق واسع في مراقبة المعاملات والكشف الفوري عن الإحتيال، عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات المالية وغير المالية في الزمن الحقيقي، وربطها بعلاقات غير خطّية يصعب على الأنظمة القائمة على القواعد اكتشافها. وتشير تقارير متخصّصة إلى أن إعتماد هذه التطبيقات أدّى إلى تحسين معدّلات إكتشاف الإحتيال بنسب تُراوح بين 6 % و20 % لدى عدد من المؤسسات المالية العالمية، فضلاً عن تقليص زمن الإستجابة وإتخاذ القرار.
ومن التطبيقات العملية المهمة أيضاً تقليل معدّلات الإنذارات الخاطئة، التي تشكّل أحد أبرز التحديات التشغيلية في أنظمة مكافحة الإحتيال. فقد أسهمت النماذج الذكية في خفض الإنذارات غير الضرورية بشكل ملموس، مما إنعكس تحسّناً في الكفاءة التشغيلية بنسبة تراوحت بين 40 % و60 % لدى المؤسسات التي إعتمدت الذكاء الإصطناعي، من خلال توجيه موارد الإمتثال نحو الحالات الأعلى خطورة بدلاً من المعالجة اليدوية المكثّفة.
إلى جانب ذلك، يُستخدم الذكاء الإصطناعي في التنبؤ بالمخاطر الإحتيالية ودعم قرارات الإمتثال، عبر نماذج قادرة على التعلّم المستمر من الحالات السابقة وتكييف معايير التقييم تلقائياً مع تطور الأساليب الإحتيالية. ويُعزّز هذا الإستخدام الإنتقال من منطق المكافحة اللاحقة إلى نهج وقائي إستباقي، يُركّز على منع وقوع الإحتيال قبل تحقّقه، بما يدعم متانة الأنظمة الرقابية ويحدّ من الخسائر المالية في بيئة رقمية عالية المخاطر.
التحدّيات التنظيمية والأخلاقية لتطبيق الذكاء الإصطناعي في مكافحة الإحتيال المالي
رغم الفوائد التشغيلية الكبيرة التي يُوفّرها الذكاء الإصطناعي في مكافحة الإحتيال المالي، فإن تطبيقه يطرح مجموعة من التحديات التنظيمية والأخلاقية التي تؤثر بشكل مباشر على فعّالية هذه الأنظمة وإستدامتها. وتتمثّل أبرز هذه التحدّيات في حوكمة البيانات وجودتها، إذ تعتمد النماذج الذكية على كميات ضخمة من البيانات الحساسة، ما يفرض متطلّبات صارمة تتعلّق بحماية الخصوصية وأمن المعلومات والإمتثال للتشريعات الوطنية والدولية ذات الصلة.
كما تبرز مخاطر «الإنحياز الخوارزمي» بوصفها أحد التحدّيات الجوهرية، حيث قد تؤدي نماذج التعلّم الآلي، في حال تدريبها على بيانات غير متوازنة أو تاريخية، إلى قرارات تمييزية أو غير دقيقة، ما ينعكس سلباً على العدالة المالية وتجربة العملاء. ويُضاف إلى ذلك تحدّي قابلية التفسير والشفافية، إذ تُواجه العديد من المؤسسات صعوبة في تفسير قرارات النماذج المعقدة أمام الجهات الرقابية، مما يحدّ من الثقة التنظيمية ويصعّب دمج الذكاء الإصطناعي ضمن أطر الإمتثال التقليدية. وفي هذا الإطار، يُصبح نجاح تطبيق الذكاء الإصطناعي في مكافحة الإحتيال مشروطاً بتطوير أطر حوكمة واضحة، تضمن الإستخدام المسؤول للتكنولوجيا وتوازن بين متطلّبات الإبتكار الرقمي وحماية الحقوق والإمتثال التنظيمي.
حاجة المصارف العربية في ضوء التقنيات المستجدة
في الخلاصة، وفي ضوء تصاعد مخاطر الإحتيال المالي في البيئة الرقمية، وما أظهرته التجارب الدولية من تحسُّن ملموس في فعّالية أنظمة المكافحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة أمام المصارف العربية إلى تبنّي مقاربة إستراتيجية متدرّجة لتوظيف هذه التقنيات. ويقتضي ذلك، بداية، إدماج الذكاء الإصطناعي ضمن أطر إدارة المخاطر والإمتثال القائمة بدل التعامل معه كحل تقني منفصل، بما يضمن تكامل أنظمة مكافحة الإحتيال مع سياسات الحوكمة والرقابة الداخلية.
كما يُوصى بإستثمار المصارف في تحسين جودة البيانات وبناء بُنى تحتية رقمية مرنة قادرة على دعم التحليل في الزمن الحقيقي، نظراً إلى كون فعّالية النماذج الذكية ترتبط مباشرة بدقة البيانات وتكاملها. وفي هذا السياق، يبرز دور التعاون بين المصارف والجهات الرقابية لتوحيد المعايير المتعلقة بحوكمة البيانات، وحماية الخصوصية، وقابلية تفسير النماذج الخوارزمية.
ومن المهم أيضاً إعتماد نهج تدريجي في تطبيق الذكاء الإصطناعي، يبدأ بالمجالات الأعلى خطورة وتأثيراً، مثل المدفوعات الرقمية والتحويلات السريعة، مع تطوير مؤشّرات أداء واضحة لقياس الأثر الفعلي على خفض الخسائر وتقليل الإنذارات الخاطئة.
كما يتعيّن الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر تدريب فرق الإمتثال والمخاطر على فهم مخرجات النماذج الذكية، وتعزيز التعاون بين الفرق التقنية والتنظيمية.
وأخيراً، يُستحسن أن تتّجه المصارف نحو نماذج شراكة مع مزوّدي الحلول المتخصّصة بدل الإعتماد الحصري على التطوير الداخلي، بما يتيح تسريع الإستفادة من الخبرات العالمية مع الحفاظ على متطلّبات السيادة التنظيمية. ويُسهم هذا التوجّه في دعم إنتقال المصارف من نماذج رقابية تفاعلية إلى منظومات ذكية إستباقية، قادرة على تعزيز متانة النظام المالي والحدّ من مخاطر الإحتيال في ظل التحوُّل الرقمي المتسارع.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
لإعادة بناء منظومات مكافحة الجرائم المالية على أسس أكثر ديناميكية وفعّالية
تُعرف الجرائم المالية والاقتصادية بأنها أفعال غير مشروعة تستهدف تحقيق منفعة مالية عبر الإحتيال، والإختلاس، والرشوة، والتلاعب المحاسبي، والتهرُّب الضريبي غير المشروع، والاتجار غير المشروع، وتمويل الإرهاب، وغسل الأموال وإخفاء العائدات الإجرامية داخل النظام المالي أو خارجه. وتكمن خطورة تلك الجرائم في أنها لا تُحدث خسائر مباشرة فحسب، بل تُضعف كفاءة تخصيص الموارد وتُشوّه المنافسة وترفع علاوات المخاطر والتمويل وتُقوّض نزاهة الأسواق.
لم تعد الجرائم المالية والاقتصادية ظاهرة هامشية تُعالج بأدوات إمتثال تقليدية، بل أصبحت مخاطر نظامية تتفاعل مع التحوُّل الرقمي وتدويل التدفقات المالية وإتساع الإقتصاد غير الرسمي، بما ينعكس مباشرة على سلامة القطاع المصرفي، وكلفة الإمتثال، وإستدامة علاقات البنوك المراسلة، وثقة المودعين والمستثمرين. وتزداد حدّة الإشكالية في الإقتصادات الناشئة بفعل تباين مستويات الحوكمة والشفافية، وإتساع المعاملات النقدية، وتفاوت نضج البنى الرقابية والتقنية، وإرتفاع قابلية إستغلال القنوات الرقمية العابرة للحدود.
حجم الجرائم المالية والاقتصادية حول العالم
تشير التقديرات الدولية إلى أن الجرائم المالية والإقتصادية باتت تمثل عبئاً عالمياً واسع النطاق يتجاوز الخسائر المباشرة إلى آثارٍ ممتدة على الثقة والإستقرار المالي. فبحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) يُقدَّر حجم الأموال التي تُغسل سنوياً بما يعادل 2 % الى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما بين 800 مليار و2 تريليون دولار تقريباً، مع صعوبة القياس بسبب الطابع الخفي لهذه الأنشطة.
ومن زاوية الإحتيال داخل المؤسسات، تُظهر جمعية فاحصي الإحتيال المعتمدين (Association of Certified Fraud Examiners) في تقريرها لعام 2024، والمبني على 1,921 قضية من 138 دولة، أن متوسّط الخسارة في قضايا الإحتيال المهني تبلغ 145 ألف دولار، وأن 22 % من القضايا تتجاوز خسائرها مليون دولار، بما يُبرز أثر الإحتيال كخطر تشغيلي ومالي متكرّر على الشركات والقطاع المالي. وعلى مستوى الإحتيالات التي تستهدف الأفراد عبر القنوات الرقمية، تشير معطيات (Global Anti-Scam Alliance) إلى أن المستهلكين حول العالم يخسرون نحو 442 مليار دولار سنوياً بسبب عمليات الإحتيال والـ Scams، ما يعكس تسارع الجريمة المالية في بيئة رقمية عابرة للحدود.
وعلى الصعيد الإقليمي، يبرز واقع مكافحة الجرائم المالية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كعامل مؤثر مباشر على بيئات العمل المالي والإستثماري، لا سيما من خلال تقييمات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) لمنظومات الدول في ما يتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتشمل القائمة الرمادية الدول التي تواجه نواقص استراتيجية في أطر الامتثال وفق معايير FATF وتخضع لمراقبة دولية مشددة لتحسين أنظمتها. ووفق تحديثات FATF حتى 24 أكتوبر/تشرين الاول 2025، تضم القائمة الرمادية ما يزيد على 20 دولة، من بينها عدد من الدول العربية كالجزائر ولبنان وسوريا واليمن، بسبب قصور في جوانب مثل التحقق من المستفيد الحقيقي ومراقبة المعاملات عالية المخاطر وتطبيق العقوبات الدولية.
وقد مثّل إدراج لبنان في القائمة الرمادية منذ أكتوبر/تشرين الاول 2024 مؤشّراً على وجود ثغرات تنظيمية هيكلية مرتبطة بالأزمة المالية المستمرة، مما يعزّز المخاطر على قطاعه المصرفي وقدرته على استعادة الثقة الدولية. ورغم أن إدراج لبنان في القائمة الرمادية لا يعني رفضها كلياً في النظام المالي الدولي، فإن ذلك يرفع تكلفة المعاملات عبر الحدود ويزيد إجراءات التدقيق والتشدُّد في العلاقات المصرفية من قبل البنوك المراسلة الدولية، ويُنظر إليه كمؤشّر خطر يعكس الحاجة إلى تعزيز أطر الشفافية وحوكمة المخاطر في القطاع المالي.
يُبرز الرسم البياني رقم 1 الحجم الواسع وغير المتكافئ للجرائم المالية والإقتصادية على المستوى العالمي، حيث تشكّل عمليات غسل الأموال المكوّن الأكبر من حيث القيمة التقديرية، بمبلغ سنوي قد يتجاوز تريليوني دولار بحسب بعض التقديرات، ما يعكس الطابع المنهجي والعابر للحدود لهذه الظاهرة. وفي المقابل، تُظهر خسائر الإحتيال المالي، رغم إنخفاضها النسبي مقارنة بعمليات غسل الأموال، أثراً مباشراً ومتكرّراً على الأفراد والمؤسسات، خصوصاً في ظل تصاعد الإحتيال الرقمي.
التداعيات على القطاع المصرفي ومسارات الإحتواء
في السياق المصرفي، تتجسّد أبرز التداعيات في إرتفاع تكاليف الامتثال وعبء الرقابة التشغيلية، حيث تنفق المصارف والمؤسسات المالية معاً ما يقدّر بنحو 206 مليارات دولار سنوياً على الإلتزام بالمعايير الخاصة بمكافحة الجرائم المالية فقط، مع تسجيل 98 % من المؤسسات زيادة في هذه التكاليف مقارنة بالعام السابق وذلك بحسب دراسةThe True Cost of Financial Crime Compliance الصادرة عن LexisNexis Risk Solutions. وتؤدي هذه التكاليف، التي تشمل توظيف فرق إمتثال مختصة، إستثمارات في التكنولوجيا، والأنظمة التحليلية، إلى تحويل موارد من وظائف إنتاجية أساسية إلى إدارة المخاطر والإمتثال، ما يؤثر بدوره في هوامش الربحية.
وإن أحد أبرز مظاهر التأثير على القطاع المصرفي العالمي هو تراجع بعض علاقات المصارف المراسلة التي تُعد شرياناً أساسياً لمعاملات التجارة والتمويل الدوليين نتيجة التخفيف من المخاطر الذي تتبنّاه بعض المصارف الكبرى لتقليل تعرُّضها لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصاً في البلدان ذات المخاطر العالية. يُمكن أن يؤدي هذا التراجع إلى إبطاء حركة المدفوعات عبر الحدود وارتفاع تكاليف التجارة الدولية وتقليص النفاذ إلى النظام المالي العالمي بالنسبة إلى بعض المصارف في الإقتصادات الناشئة، بما في ذلك المصارف العربية.
وعلى مستوى الأداء التشغيلي، تعرّضت مصارف عالمية لغرامات مالية كبيرة نتيجة ضعف نظم مكافحة الجرائم المالية، مما يسلّط الضوء على تكلفة الإهمال في هذا المجال. وفي ضوء ذلك، يُصبح واضحاً أن المصارف تُواجه بيئة معقّدة تتطلّب تعزيز الأطر التنظيمية والتكامل بين السياسات الرقابية والتشغيلية والإستخدام المتقدم للتقنيات التحليلية لتحسين فعّالية مكافحة الجرائم المالية وتقليل الأثر السلبي على الإستقرار المالي والنمو الإقتصادي.
دور الذكاء الإصطناعي والتحليلات المتقدّمة في تعزيز فعّالية مكافحة الجرائم المالية
أسفرت التحوُّلات الرقمية المتسارعة إلى إعادة تشكيل بيئة المخاطر المالية، بما جعل الإعتماد على المقاربات التقليدية لمكافحة الجرائم المالية غير كافٍ لمواجهة أنماط متزايدة التعقيد تتسم بالقدرة العالية على التكيّف. وفي هذا السياق، برز الذكاء الإصطناعي والتحليلات المتقدّمة كأدوات محورية لإعادة بناء منظومات مكافحة الجرائم المالية على أسس أكثر ديناميكية وفعّالية، عبر الإنتقال من الإمتثال القائم على رد الفعل إلى إدارة إستباقية للمخاطر.
وتتيح تقنيات التعلم الآلي والتعلُّم العميق تحليل أحجام ضخمة من البيانات التشغيلية والسلوكية في الزمن شبه الحقيقي، بما يشمل بيانات المدفوعات والحسابات والتجارة الخارجية والسلوك الرقمي للعملاء. ويُسهم هذا النهج في تحسين دقّة نماذج رصد المعاملات المشبوهة من خلال التعرُّف على الأنماط غير الإعتيادية والإنحرافات السلوكية، بدل الإكتفاء بتطبيق قواعد جامدة تؤدي غالباً إلى نسب مرتفعة من الإنذارات الكاذبة. ونتيجة ذلك، تتحسّن إنتاجية فرق الإمتثال وتنخفض الكلفة التشغيلية المرتبطة بالتحقيق اليدوي، مع تعزيز القدرة على الكشف المبكّر عن المخاطر الحقيقية. إلى جانب ذلك، تمكّن «تحليلات الشبكات» المصارف من فهم العلاقات المعقّدة بين الأطراف والمعاملات، وكشف البُنى الخفية لشبكات غسل الأموال والاحتيال، ولا سيما في الحالات المرتبطة بالشركات الوهمية، والمستفيد الحقيقي، وغسل الأموال القائم على التجارة. ويكتسب هذا البُعد أهمية خاصة للمصارف العربية في ظل الطبيعة العابرة للحدود للتدفقات المالية، وتعدّد الوسطاء، وتفاوت مستويات الشفافية بين الأسواق.
وعلى المستوى العملي، يفتح الذكاء الإصطناعي المجال أمام إعادة تصميم دورة الإمتثال بالكامل، من خلال دمج وظائف «إعرف عميلك» والعناية الواجبة المعزّزة ومراقبة المعاملات وإعداد التقارير الرقابية ضمن منصة تحليلية موحّدة. ويسمح هذا التكامل ببناء ملف مخاطر ديناميكي لكل عميل، يتطور بإستمرار وفق سلوكه المالي الفعلي، بدل الإعتماد على تصنيفات ثابتة تُحدّث على فترات متباعدة. غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلّب معالجة جملة من التحدّيات التنظيمية والمؤسسية. فإعتماد الذكاء الإصطناعي في مكافحة الجرائم المالية يستلزم حوكمة واضحة للنماذج تضمن قابلية التفسير وتوثيق منطق إتخاذ القرار والإمتثال لمتطلّبات الجهات الرقابية، ولا سيما في ما يتعلق بالشفافية وعدم التحيُّز وحماية البيانات. كما يتطلّب الأمر إستثمارات موازية في جودة البيانات وبناء القدرات البشرية وتعزيز التعاون بين إدارات الإمتثال، والمخاطر، وتكنولوجيا المعلومات.
في هذا الإطار، تتمثّل المسارات العملية المقترحة للمصارف العربية في تبنّي مقاربة تدريجية تقوم على التالي: أولاً، دمج التحليلات المتقدّمة كطبقة داعمة للأنظمة القائمة بدل إستبدالها دفعة واحدة. ثانياً، تركيز إستخدام الذكاء الإصطناعي على المجالات الأعلى مخاطر مثل المدفوعات العابرة للحدود والإحتيال الرقمي، ثالثاً، تطوير أطر حوكمة داخلية للنماذج التحليلية بالتنسيق مع السلطات الرقابية، رابعاً، الإستثمار في بناء مهارات تحليل البيانات والإمتثال الذكي. ومن شأن هذا المسار المتوازن أن يُعزّز فعّالية مكافحة الجرائم المالية، وأن يُخفّض كلفة الإمتثال على المدى المتوسط، وأن يدعم في الوقت نفسه متانة القطاع المصرفي العربي وثقته في النظام المالي العالمي.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
إتحاد المصارف العربية يوصي البنوك بإجراء عمليات تدقيق شفّافة وتقييمات
جدوى لتحديد حجم خسائرها وتحديد المؤسسات التي يُمكن إعادة هيكلتها
قانون الفجوة المالية هو مشروع قانون إصلاحي قدّمه رئيس الوزراء اللبناني القاضي نواف سلام في العام 2025 لمعالجة الخسائر المالية الهائلة التي تكبّدها لبنان، والتي تُقدر بنحو 70 مليار دولار، وذلك بتوزيعها بين الدولة والبنك المركزي والبنوك التجارية والمودعين.
ويُعتبر هذا القانون أساسياً للحصول على دعم صندوق النقد الدولي والمساعدات الدولية، حيث يضع إطاراً للتعافي، بما في ذلك تعهد بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات. وقد أثار القانون جدلاً واسعاً، حيث حذّرت البنوك من أن الخطة قد تُزعزع إستقرار النظام المالي، بينما يخشى المودعون من تكبّدهم خسائر فادحة، مما يجعل إقرار القانون في البرلمان إختباراً حاسماً لمستقبل لبنان الإقتصادي.
ونعرض هنا أبرز بنود قانون الفجوة المالية والإطار الزمني والمراحل الرئيسية، والتحدّيات والفرص، والتأثير على المستويين المحلي والعالمي، وآلية الإنفاذ، والجهات المعنية، والتقنيات اللازمة، ودور المصارف، مختتمين بالتوصيات لتمكين المصارف من الإمتثال للقانون، والتوقعات المستقبلية، وأفضل الممارسات التي يمكن الاستفادة منها.
الجدول الزمني والمعالم الرئيسية
أقرّ مجلس الوزراء قانون الفجوة المالية في لبنان في ديسمبر/كانون الأول 2025، وأحاله إلى البرلمان للمناقشة، وتعهدت الحكومة بأنه بمجرّد إقرار القانون، سيُمكّن من إسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات (2026-2030). ويتضمّن الجدول الزمني إقرار مجلس الوزراء، ومناقشة القانون في البرلمان، وإدخال تعديلات عليه في مطلع العام 2026، وإجراء مفاوضات مع صندوق النقد الدولي مرتبطة بإقرار القانون، بالإضافة إلى مراحل مرحلية لاسترداد الودائع حتى العام 2030.
يبدأ الجدول الزمني الرسمي لقانون الفجوة المالية بموافقة مجلس الوزراء في أواخر العام 2025، وينتقل إلى المناقشة البرلمانية في العام 2026، ويُحدّد أربع سنوات لإسترداد أموال المودعين حتى العام 2030. ويتوقف نجاحه على التوافق السياسي، ودعم صندوق النقد الدولي، وقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات.
الجدول الزمني والمعالم الرئيسية
الأزمة المالية في لبنان
إتسمت الأزمة المالية في لبنان بانهيار القطاع المصرفي، وإنخفاض قيمة العملة بأكثر من 98 %، وتضخم تجاوز 220 % في العام 2023. وقد كانت الأزمة نتيجة سنوات من الهندسة المالية غير المستدامة التي مارسها البنك المركزي، وتفاقمت بسبب الفساد السياسي، وجائحة كوفيد-19، وإنفجار مرفأ بيروت في العام 2020، والصدمات العالمية كالحرب في أوكرانيا. ونتيجة ذلك، مُنع المودعون من الوصول إلى مدّخراتهم، وإنهارت الخدمات العامة لدرجة أن الأسر لا تحصل في كثير من الأحيان إلاّ على ساعة واحدة من الكهرباء يومياً دون مولدات كهربائية، وإرتفعت مستويات الفقر بشكل حاد، مما جعل شريحة كبيرة من السكان تعتمد على التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية.
منظومة القانون
تضم منظومة قانون الفجوة المالية في لبنان الحكومة والبرلمان والبنك المركزي والبنوك التجارية والمودعين والمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، وكلهم يلعبون أدواراً مترابطة في صوغ القانون وتنفيذه.
منظومة قانون الفجوة المالية في لبنان
التحدّيات
يُواجه قانون سدّ الفجوة المالية في لبنان تحدّيات جمة، تبدأ بالإنقسامات السياسية العميقة في البرلمان مما يُهدّد بتأخير أو إضعاف إقرار القانون، في حين تُقاوم البنوك التجارية بشدّة تقديرات الحكومة للخسائر البالغة 70 مليار دولار، بحجّة أن الأرقام مُبالغ فيها، مُحذرةً من إنهيار النظام المالي إذا ما أُجبرت على استيعاب هذا القدر الكبير من الخسائر. ولا يثق المودعون، الذين مُنعوا بالفعل من الوصول إلى مدخراتهم منذ العام 2019، بتعهد الحكومة بإسترداد 85 % من الودائع خلال أربع سنوات. ويعتبر صندوق النقد الدولي إنفاذ القانون شرطاً أساسياً لحصول لبنان على المساعدات، مما يعني أن لبنان قد يتعرّض لمخاطر فقدان الدعم الدولي إذا تعثّر تنفيذ القانون. كما وأن ضعف المؤسسات المالية، وإنعدام الشفافية، وغياب تقييمات جدوى كل بنك، قد تُعرقل تنفيذ القانون.
التحديات الرئيسية
الفرص
يحمل قانون سدّ الفجوة المالية في طياته فرصاً هامة، إذ يُعدّ أول إعتراف رسمي بالخسائر المالية الفادحة التي تكبّدها لبنان، ويُقدّم إطاراً للتعافي بغية إستعادة مصداقية النظام المصرفي. وبتعهده بإسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، ويُعيد القانون الأمل للمودعين، كما يُمهّد الطريق لإعادة هيكلة البنوك وتعزيز الحوكمة المالية. والأهم من ذلك، أن إقرار القانون شرط أساسي للحصول على دعم صندوق النقد الدولي وتسهيل الحصول على المساعدات الدولية، يُساهم في إستقرار الإقتصاد، وجذب الإستثمارات، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات المالية اللبنانية، ما يجعل القانون نقطة تحوّل في الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات طويلة.
إنفاذ القانون
يتطلب تطبيق قانون الفجوة المالية في لبنان جهوداً منسّقة بين الجهات السياسية والمالية والمؤسسية، بدءاً بموافقة البرلمان، ثم وضع آليات لتوزيع الخسائر بين الدولة والبنك المركزي والبنوك التجارية والمودعين. ويعتمد التنفيذ على تقييمات شفافة لجدوى كل بنك على حدة، وخطط موثوقة لإسترداد أموال المودعين، ورقابة صارمة لضمان الوفاء بتعهد الحكومة بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات.
ويُعتبر تنفيذ قانون الفجوة المالية شرطاً لإجراء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مما يجعل الإمتثال للقانون شرطاً أساسياً للحصول على المساعدات الدولية. إن التنفيذ الفعّال للقانون يساعد في استعادة الثقة في النظام المالي اللبناني ووضع أسس الإستقرار الإقتصادي.
التقنيات المطلوبة
يتطلّب تطبيق قانون سد الفجوة المالية في لبنان مزيجاً من التقنيات المالية والرقمية والتنظيمية لضمان الشفافية والكفاءة والمصداقية. وهناك حاجة إلى منصّات مصرفية رقمية وأنظمة دفع آمنة لإدارة إسترداد أموال المودعين على مراحل وتتبع المعاملات بدقة. ويمكن لسجلاّت البيانات القائمة على تقنية سلسلة الكتل (البلوكشين) أن تُوفر سجلاّت موثقة لتوزيع الخسائر وسداد الودائع، مما يساعد على إعادة بناء الثقة في النظام المالي. وستكون تحليلات البيانات وأدوات الذكاء الإصطناعي أساسية لإجراء تقييمات جدوى لكل بنك على حدة، وإختبار قدرة المؤسسات على تحمُّل الضغوط، ومراقبة الإمتثال لمتطلبات القانون. أما على الصعيد التنظيمي، فستتيح أنظمة الإدارة المالية المركزية المتكاملة مع مصرف لبنان الإشراف الفوري على السيولة، بينما ستحمي أطر الأمن السيبراني بيانات المودعين الحساسة. ويُمكن للوحات معلومات التقارير الرقمية المتاحة للبرلمان وصندوق النقد الدولي والمجتمع المدني أن تعزّز الشفافية، مما يضمن القدرة على مراقبة التقدم المحرز نحو تحقيق تعهد الحكومة بإسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع في غضون أربع سنوات.
الآثار على النمو الاقتصادي في لبنان
إن لقانون الفجوة المالية أثراً بالغاً على النمو الإقتصادي في لبنان إذا تم تطبيقه بفعّالية، إذ يُوفِّر القانون إطاراً للإعتراف بالخسائر المالية الهائلة التي تكبَّدتها البلاد وتوزيعها، وإستعادة الثقة في النظام المصرفي، وتفعيل الدعم الحاسم من صندوق النقد الدولي والمساعدات الدولية. وبالتعهّد بإسترداد ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، يساعد القانون في زيادة ثقة المستهلك، وتحفيز الإنفاق، وتشجيع الإستثمار، وهي عوامل أساسية للنمو. كما وأن إعادة هيكلة البنوك وتعزيز الحوكمة المالية من الأمور التي تساعد في استقرار النظام النقدي، والحد من الضغوط التضخمية، وتحقيق إنتعاش مستدام. إلاّ أن نجاح القانون يعتمد على تنفيذه بشفافية وتوافق سياسي. ومع ذلك، قد تبقى وعود القانون رمزية، مما يجعل الإقتصاد اللبناني عُرضةً للركود والمزيد من التدهور.
الآثار على الصعيد العالمي
إن قانون الفجوة المالية في لبنان هو نموذج لكيفية إدارة الاقتصادات المثقلة بالديون والأزمات للخسائر المالية النظامية، حيث تراقب مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي تنفيذه عن كثب كشرط للحصول على المساعدات. ومن خلال الإعتراف الرسمي بـ 70 مليار دولار من الخسائر ومحاولة توزيعها، يُشير القانون إلى الأسواق العالمية والمستثمرين بأن لبنان مستعد لمواجهة انهياره المالي، مما يُعزّز الثقة في الإقتصادات الناشئة التي تواجه أزمات ديون مماثلة.
إن التنفيذ الناجح للقانون يُعزّز مصداقية لبنان، ويجذب الإستثمارات الأجنبية، ويُرسّخ دور صندوق النقد الدولي كقوة إستقرار في التمويل العالمي، بينما قد يُؤدي الفشل إلى تقويض الثقة في أطر الإنقاذ الدولية، ويُبرز مخاطر التشرذم السياسي في إدارة التعافي الإقتصادي.
دور البنوك
إن البنوك لها دور محوري في قانون الفجوة المالية، إذ يُتوقع منها إستيعاب جزء كبير من الخسائر المالية التي تُقدر بنحو 70 مليار دولار. وتلتزم البنوك التجارية، التي كانت قد منعت المودعين من الوصول إلى مدخراتهم منذ إنهيار العام 2019، بإعادة هيكلة ميزانياتها العمومية وتقاسم الخسائر مع الدولة والبنك المركزي. وتتعهّد الحكومة بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، لكن هذا يتطلب من البنوك الحفاظ على ملاءتها المالية واستمرار عملياتها. لقد قاومت البنوك القانون بشدة، معترضةً على تقديرات الحكومة للخسائر ومحذرةً من أن تقاسم الأعباء بشكل مفرط قد يؤدي إلى إنهيار النظام المالي. لذلك، وعليه فإن دور البنوك إداري وسياسي في آن واحد لتطبيق القانون بفعّالية.
التوصيات للبنوك
يُوصي إتحاد المصارف العربية البنوك بتبنّي مجموعة من الإستراتيجيات المنسّقة التي توازن بين المتطلّبات التنظيمية وحماية المودعين وإستمرارية المؤسسات:
أولاً، يجب على البنوك إجراء عمليات تدقيق شفافة وتقييمات جدوى لتحديد حجم خسائرها وتحديد المؤسسات التي يمكن إعادة هيكلتها.
ثانياً، على البنوك تنفيذ خطط إعادة هيكلة رأس المال، بما في ذلك إعادة الرسملة من خلال بيع الأصول أو عمليات الإندماج، لإستيعاب جزء من العجز المالي دون الإنهيار.
ثالثاً، على البنوك وضع آليات لإسترداد الودائع، مثل المدفوعات التدريجية أو مبادلة الديون بالأسهم أو الأدوات المالية المضمونة، بما يتماشى مع تعهد الحكومة بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع في غضون أربع سنوات.
رابعاً، يجب على البنوك تعزيز أنظمة إدارة المخاطر والإمتثال، بإستخدام الأدوات الرقمية ومعايير المحاسبة الدولية لضمان دقة التقارير وبناء الثقة مع الجهات التنظيمية والمودعين وصندوق النقد الدولي.
خامساً، على البنوك إجراء مفاوضات بنّاءة مع الحكومة والشركاء الدوليين لتحقيق التوازن بين بقائها وإنتعاش لبنان الإقتصادي، مما يجعل التعاون بديلاً لمقاومة القانون على المدى الطويل.
النظرة المستقبلية
على المدى القريب، يُتوقع أن يتم إقرار القانون في البرلمان مطلع العام 2026، إلاّ أنه قد تؤدي الإنقسامات السياسية ومقاومة القطاع المصرفي إلى تأخير القانون أو تغيير صيغته النهائية. وفي حال إقراره، يتضمّن الأفق المتوسط إعادة هيكلة البنوك، وإجراء تقييمات الجدوى، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات دولية، وهو أمر بالغ الأهمية لإستقرار الإقتصاد.
وعلى المدى البعيد، حتى العام 2030، يُساعد القانون على إستعادة ثقة المودعين، وإعادة بناء الحوكمة المالية، وتهيئة لبنان لإنتعاش إقتصادي تدريجي. وعليه، يُعتبر القانون إختباراً للإرادة السياسية في لبنان، وفرصة لإعادة ضبط النظام المالي في البلاد، ويعتمد نجاحه على تطبيق شفّاف ودعم دولي مستدام.
أفضل الممارسات المستفادة
إن من أفضل الممارسات المستفادة من قانون الفجوة المالية في لبنان أهمية الإعتراف الرسمي بالخسائر المالية بدلاً من إنكارها، فالشفافية هي الخطوة الأولى نحو التعافي وإعادة بناء الثقة. ومن الدروس الأخرى ضرورة تقاسم الأعباء بشكل شامل، حيث تُوزّع الخسائر بين الدولة والبنك المركزي والبنوك والمودعين، بدلاً من تركيزها على فئة واحدة، مما يُسهم في الحفاظ على إستقرار النظام المالي. كما يُبرز القانون أهمية ربط الإصلاحات بالأطر الدولية، إذ إن ربط الإمتثال بدعم صندوق النقد الدولي يضمن المساءلة ويُتيح الوصول إلى المساعدات الخارجية. إضافةً إلى ذلك، تُظهر تجربة لبنان أن تحديد جداول زمنية واضحة لإسترداد أموال المودعين، كالتعهد بإعادة ما يصل إلى 85 % من الودائع خلال أربع سنوات، يُمكن أن يُعيد الثقة إذا ما دُعم بإنفاذ موثوق. وأخيراً، تُؤكد هذه العملية ضرورة إشراك مختلف الجهات والتواصل معهم، إذ إن إشراك البرلمان والمجتمع المدني والقطاع المصرفي في المناقشات يُساعد على إضفاء الشرعية على الإصلاحات ويزيد من فرص نجاح وتنفيذ القانون.
في قراءة تحليلية معمّقة لأبرز الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لمواكبة التحوّلات
الإقتصادية في القارة الأفريقية وتوصيات فريق خبراء أفريقيا التابع لمجموعة العشرين
الدكتورة حنان مرسي – نائب الأمين التنفيذي
وكبيرة الإقتصاديين في لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية لأفريقيا CEA:
* أفريقيا – مجموعة العشرين: نحو ميثاق جديد للنمو والإستقرار والإستثمار
* الإزدهار العالمي لا يتحقق إلاّ من خلال الإزدهار الشامل
* تعثُّر مسار التنمية قد يؤدي إلى خسائر تنموية تراكمية يصعب تداركها وقد تُضعف آفاق أفريقيا بشكل دائم
* على مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية أن تتحوّل إلى جهات فاعلة وأن تقود الجهود الرامية إلى تحقيق أثر تنموي ملموس إلى جانب الإبتكار المالي
في هذه المقابلة الحصرية، تقدّم الدكتورة حنان مرسي، نائب الأمين التنفيذي وكبيرة الإقتصاديين في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا (CEA)، قراءة تحليلية معمّقة لأبرز الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لمواكبة التحوّلات الإقتصادية التي تشهدها القارّة الأفريقية. كما ترسم ملامح مسار نمو أفريقي مستدام، شامل وإستراتيجي، بما يفتح آفاقاً واسعة من الفرص الإستثمارية والتمويلية أمام المصارف العربية.
وتستند هذه المقابلة إلى تقرير فريق خبراء أفريقيا التابع لمجموعة العشرين لعام 2025، الذي يدعو إلى إحداث تحوّل حاسم عبر إرساء ميثاق جديد بين أفريقيا ومجموعة العشرين، يهدف إلى مواءمة النظام المالي العالمي مع الأسس الإقتصادية الحقيقية للقارّة، وتعزيز دورها كمحرّك رئيسي للنمو والإستقرار في الإقتصاد العالمي.
وفي لمحة مختصرة عن تقرير أفريقيا – مجموعة العشرين 2025:
يشكّل تقرير فريق خبراء أفريقيا التابع لمجموعة العشرين لعام 2025 محطّة مفصلية في مقاربة الدور الإقتصادي للقارّة الأفريقية، إذ يؤكد أن أفريقيا لم تعد طرفاً هامشياً في الإقتصاد العالمي، بل باتت أحد المراكز الرئيسية المحتملة للنمو العالمي خلال العقود المقبلة، مدفوعةً بدينامية ديموغرافية فريدة، وإمكانات طاقوية هائلة، وفرص إستثمار تُعدّ من بين الأكثر جاذبية على مستوى العالم.
غير أن التقرير يسلّط الضوء على مفارقة هيكلية لافتة، إذ رغم متانة الأسس الإقتصادية، لا تزال أفريقيا تواجه قيوداً حادّة ناجمة عن الإرتفاع المفرط في كلفة رأس المال، وتزايد الضغوط المرتبطة بالديون السيادية، وقصور في بنية النظام المالي الدولي، ما يؤدي إلى تضخيم كلفة التمويل والحدّ من الإستثمار المنتج.
إزاء هذا الواقع، يدعو فريق الخبراء إلى إرساء ميثاق جديد بين أفريقيا ومجموعة العشرين، يرتكز على أربعة محاور بنيوية رئيسية:
تعزيز دور المصارف متعدّدة الأطراف والإقليمية للتنمية بهدف تعبئة مزيد من التمويلات طويلة الأجل؛
إصلاح القواعد المالية الدولية، ولا سيما في مجالات تصنيف المخاطر والتنظيم الإحترازي؛
إطلاق جهد إستثماري واسع النطاق في مجالات الإستثمار المنتج، والبنى التحتية، والطاقة، والتكامل الإقليمي والإبتكار.
وبالنسبة إلى المؤسسات المالية العربية، تفتح هذه التوجُّهات آفاقاً إستراتيجية واعدة، إذ يُبرز التقرير أهمية تعميق التعاون المالي بين أفريقيا والعالم العربي، وتفعيل أدوات مثل تمويل المشاريع، وتمويل التجارة، والتمويل الإسلامي، وآليات التمويل الممزوج (Blended Finance)، بما يُسهم في مواكبة التحوُّل الاقتصادي للقارّة وتقاسم الفرص التي يتيحها.
وهنا نص المقابلة الحصرية:
* يؤكد التقرير، أن زيادة الإنتاجية في أفريقيا تُعدّ أحد أبرز المحرّكات المحتملة للإزدهار العالمي في القرن الحادي والعشرين، كيف تفسّرون هذه الخلاصة؟ وما هي برأيكم إنعكاساتها العملية على الدور الإقتصادي والإستراتيجي الذي تضطلع به أفريقيا اليوم؟
– نحن أمام تحوّل جذري في نموذج النمو الإقتصادي في أفريقيا تاريخياً، إذ كان نمو القارّة مدفوعاً بتراكم عوامل الإنتاج، أي زيادة اليد العاملة ورأس المال، أكثر من إعتماده على تحسّن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج. غير أنّ هذا النموذج بلغ حدوده، إذ تمثّل أفريقيا نحو 17 % من سكان العالم، لكنها لا تسهم بأكثر من 3 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولا يعكس هذا الفارق نقصاً في الإمكانات، بل ضعف الإستثمار في محرّكات الإنتاجية، ولا سيما البنى التحتية، ورأس المال البشري، والتكنولوجيا .أما الفرصة الجديدة، فتكمن في التقنيات المتقدّمة، حيث تمتلك أفريقيا نحو 60 % من إمكانات الطاقة الشمسية عالية الجودة عالميًا، وحوالي 30 % من المعادن الحيوية اللازمة للتحوُّل العالمي في مجال الطاقة.
إذا نجحت أفريقيا في رفع مستوى الإنتاجية، فإن ذلك سيُعزّز نمو الناتج المحلي الإجمالي عبر أثر مضاعِف، يُترجم إلى فرص عمل جديدة، وإرتفاع في مستويات الدخل، وتوسّع في الحيّز المالي. ولن تكون هذه الدينامية معزولة عن محيطها، ففي وقت يبحث فيه الإقتصاد العالمي عن محرّكات جديدة للطلب والنمو الأخضر، تمثّل التحوّلات الهيكلية في أفريقيا فرصة مشتركة للإقتصاد العالمي بأسره. نحن نلمس هذا الإمكان اليوم، غير أن تحويله إلى واقع يتطلّب إلتزاماً واضحاً برفع الإنفاق الوطني على البحث والتطوير إلى 1 % من الناتج المحلي الإجمالي. فإزدهار الإقتصاد العالمي يحتاج إلى محرّكات جديدة للطلب، وتُعدّ أفريقيا المنتِجة والمُصنَّعة أكبر محرّك متاح حالياً.
والرسالة هنا واضحة: الإزدهار العالمي لا يتحقق إلاّ من خلال إزدهار شامل، وأفريقيا، إذا ما حظيت بالتمويل الكافي وتم دمجها بفعّالية في سلاسل القيمة، قادرة على الإسهام في تحقيق ذلك على نحو حاسم.
* يدعو التقرير إلى إطلاق مبادرة جديدة لإعادة تمويل الديون تحت مظلة مجموعة العشرين، بدل الإكتفاء بإعادة الجدولة، لماذا يُعدّ خيار إعادة التمويل أكثر ملاءمة في هذه المرحلة بالنسبة إلى البلدان الأفريقية منخفضة الدخل؟
نحن نواجه مشكلة في السيولة، وليس مجرّد مشكلة تتعلق بالملاءة المالية، ففي العام 2025 وحده، واجهت أفريقيا أعباء ديون خارجية بلغت89 مليار دولار أميركي، في حين يُقدَّر المبلغ المستحق حالياً لعام2026 بنحو 85 مليار دولار. علماً أن إعادة الجدولة لا تؤدي سوى إلى تأجيل عبء الدين، وغالباً ما يكون ذلك بمعدّلات فائدة أعلى.
ما نحتاجه فعلياً هو إعادة هيكلة إستباقية للدين (Ex-ante debt reprofiling)، أي إدارة الإلتزامات قبل الوصول إلى حالة التعثّر، بما يتيح إستعادة هامش الحركة المالية وتفادي الأزمات.
* كيف يُمكن لتعزيز شفافية وجودة البيانات، إلى جانب تطوير منهجيات التصنيف الإئتماني، أن يساهما في خفض كلفة الإقتراض في أفريقيا؟
تتحدّد كلفة رأس المال أساساً من خلال تسعير المخاطر، فيما يعتمد تسعير المخاطر بدوره على جودة المعلومات المتاحة، غير أن علاوة المخاطر الحالية المفروضة على أفريقيا لا تستند إلى الأسس الإقتصادية الحقيقية، إذ تُظهر تحليلاتنا أن الدول الأفريقية تتحمّل تكاليف إقتراض أعلى بكثير مقارنة بدول ذات أوضاع إقتصادية كلية مماثلة، وذلك حصرياً نتيجة تحيّزات قائمة على التصوّر والإنطباع لا على الوقائع.
وفي المقابل، تُسجّل مشاريع البنية التحتية في أفريقيا المدعومة من قبل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) عوائد لافتة، إذ يبلغ متوسط عائدها نحو خمسة أضعاف عائد مؤشرS&P 500 ، كما تُظهر البيانات أن معدّلات التعثّر في هذه المشاريع الكبرى في الدول النامية، بعد دخولها مرحلة التشغيل، لا تتجاوز معدّلات التعثّر المسجّلة على ديون الشركات المصنّفة ضمن فئة الإستثمار الآمن (BBB-) في الإقتصادات ذات الدخل المرتفع. ويستند هذا الإستنتاج إلى أكثر من 30 عاماً من البيانات الصادرة عن إتحاد قاعدة بيانات مخاطر الأسواق الناشئة العالمية (GEMS)، والذي قام بتحليل ما يقارب15 ألف قرض.
تتحمّل أفريقيا ما يمكن وصفه بـ «ضريبة نقص الشفافية»، إذ يعوّض المستثمرون في كثير من الأحيان عن التصوّر بوجود فجوات معلوماتية من خلال المطالبة بعوائد أعلى. علماً أن تعزيز شفافية البيانات الإقتصادية الكلية والمالية، إلى جانب بيانات المشاريع، يُسهم تدريجياً في تقليص فروق العوائد، غير أنّ هذه الضريبة الخفية تؤدي عملياً إلى إستنزاف مليارات الدولارات التي كان يُمكن توجيهها إلى قطاعات أساسية كالصحة والتعليم. والحل في جوهره هيكلي، إذ يتمثّل في بناء منظومة بيانات أكثر موثوقية وتوازناً. وفي هذا السياق، يجري العمل على إنشاء وكالة أفريقية للتصنيف الإئتماني، تهدف إلى تقديم تقييم موضوعي ومراعٍ للسياق الواقعي لمخاطر الدين السيادي، بما يُسهم في تصحيح التحيّزات القائمة في منظومة التصنيف الدولية.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك إصلاح منهجيات التصنيف الائتماني، التي تميل في كثير من الأحيان إلى المبالغة في إبراز مواطن الضعف الخارجية مقابل التقليل من وزن الإصلاحات والسياسات المنفّذة، فعلى سبيل المثال، نجحت دول أفريقية عدّة في تحقيق فوائض أولية وتنفيذ إصلاحات جوهرية، ومع ذلك بقيت تصنيفاتها الإئتمانية على حالها دون تغيير.
إضافة إلى ذلك، ومن خلال تعزيز الرقابة التنظيمية، يتعيّن على وكالات التصنيف الإئتماني مراجعة منهجياتها بما يضع حداً لمعاقبة الإستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية عبر تصنيفها على أنها مخاطر سيولة قصيرة الأجل.
إن تحسين جودة البيانات، مقروناً بتقييمات أكثر اتساقًا وشفافية، سيُفضي إلى تكاليف إقتراض أكثر عدالة، وأن يشكّل في الوقت نفسه حافزاً لإعتماد سياسات مالية واقتصادية رشيدة.
* ما هي المتطلّبات الأساسية التي ينبغي إستكمالها لتمكين منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) من تحقيق كامل إمكاناتها الإقتصادية؟
بحسب تقديراتنا الواردة في التقرير الإقتصادي عن أفريقيا لعام 2024، تمتلك منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) القدرة على زيادة حجم التجارة البينية الأفريقية بنسبة تصل إلى 45 % في حلول العام 2045، ولكن ذلك يظلّ مشروطاً بمعالجة مجموعة من العوامل التمكينية الأساسية.
أولاً: البنية التحتية
إن الفجوات القائمة في النقل والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والإتصالات تجعل كلفة التجارة في أفريقيا أعلى بنحو 50 % من المتوسط العالمي، وفق بيانات الأونكتاد (UNCTAD)ما يحدّ من القدرة التنافسية، لا سيما في الدول غير الساحلية. ويُعدّ الإستثمار في الخدمات اللوجستية والربط الرقمي عنصراً حاسماً لتحرير إمكانات النمو.
ثانياً: المواءمة التنظيمية
إن تبسيط المعايير والإجراءات الجمركية وأنظمة حماية الإستثمار يُخفّض الحواجز غير الجمركية، ويُسهم في خلق حجم سوق قاري فعلي قادر على جذب الإستثمارات وتعزيز التكامل.
ثالثاً: القدرات الإنتاجية
سيبقى أثر الإتفاق محدودًا ما لم تتوافر منظومات قوية للصناعة التحويلية والتصنيع الزراعي، ويُعدّ الدعم الموجّه للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير المناطق والحدائق الصناعية، إلى جانب تنمية المهارات، عناصر أساسية لضمان نجاح الإتفاق وتحقيق أهدافه التنموية.
رابعاً: خفض تكاليف المعاملات
يُتيح النظام الأفريقي الشامل للدفع والتسوية (PAPSS) إجراء المعاملات التجارية بالعملات المحلية، ما يُمكن أن يخفّض تكاليف المعاملات بما يقارب النصف. غير أنّ ذلك يتطلّب بالتوازي تسريع تنفيذ بروتوكول التجارة الرقمية بهدف إنشاء سوق رقمية موحّدة على مستوى القارّة، فعندما نزيل عوائق تحويل العملات ونوحّد القواعد الرقمية، لا نكتفي بتبادل السلع، بل نؤسّس سلاسل قيمة إقليمية قادرة على الصمود في وجه الصدمات العالمية.
وتُعدّ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) في جوهرها إصلاحاً هيكلياً وبوليصة تأمين في مواجهة تفتّت الإقتصاد العالمي. غير أن ترجمة فوائدها إلى واقع ملموس تستدعي تنسيقاً مؤسسيًاً فعّالاً، وتمويلاً كافياً، وتنفيذاً متواصلاً ومثابراً. وفي ظل تصاعد التوترات التجارية وتنامي الحمائية في أسواق شريكة رئيسية، مثل الولايات المتحدة، يبقى التجارة البينية الأفريقية خط الدفاع الأكثر موثوقية لتعزيز صمود الإقتصادات الأفريقية.
* ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به مجموعة البنك الأفريقي للتنمية (AfDB) وغيرها من مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية، في ظل تراجع التمويلات الميسّرة؟
تتمتع مؤسسات مثل مجموعة البنك الأفريقي للتنمية بموقع فريد يؤهلها لسدّ فجوات التمويل، إذ تجمع بين المعرفة العميقة بالسياقات المحلية والمصداقية العالية لدى الأسواق، ولا سيما في ظل التراجع الحاد في المساعدات الإنمائية الثنائية، التي إنخفضت بنحو 70 % في قطاعات أساسية مثل الصحة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تركّز هذه المؤسسات على ثلاثة محاور رئيسية:
تعظيم الرافعة المالية: توسيع إستخدام الضمانات وأدوات تقاسم المخاطر، بحيث يتمكّن كل دولار من رأس المال القابل للاستدعاء من تحفيز أضعافه من التمويل الخاص.
تحقيق الأثر بالحجم المناسب: إعادة رسملة النوافذ التمويلية الميسّرة، مثل صندوق التنمية الأفريقي (ADF) لضمان إستمرار نفاذ الدول الهشّة إلى التمويل ودعم جهود التكيّف مع تغيّر المناخ.
الإبتكار المالي: الإضطلاع بدور ريادي في تطوير أدوات تمويل جديدة، بما في ذلك السندات المرتبطة بالإستدامة، ومنصّات التمويل الممزوج (Blended Finance)، إلى جانب بناء محافظ مشاريع قابلة للتوسّع لتمويل البنية التحتية الخضراء.
في ظل ركود تدفقات التمويل الميسّر على المستوى العالمي، يتعيّن على مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية أن تتحوّل إلى جهات فاعلة في الصفوف الأمامية، وأن تقود الجهود الرامية إلى تحقيق أثر تنموي ملموس إلى جانب الإبتكار المالي. ولضمان دعم أكثر توحيداً وقوة لمسار التنمية في أفريقيا، يُصبح من الضروري تعزيز التعاون وخلق مزيد من التكامل والتآزر بين مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية.
وإلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى الإسراع في إعادة توجيه حقوق السحب الخاصة (SDRs) نحو البنوك متعدّدة الأطراف للتنمية، مثل مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، على شكل رأس مال هجين. ويُتيح هذا الإجراء تحويل كل دولار من حقوق السحب الخاصة إلى ما بين ثلاثة وأربعة دولارات من الإقراض الجديد. وهو نهج مُجرَّب وغير تضخمي لتوسيع ميزانيات هذه المؤسسات، من دون تحميل ميزانيات المساهمين أعباءً إضافية.
* ما هي، برأيكم، الإجراءات الثلاثة الأكثر إلحاحًا التي ينبغي على مجموعة العشرين والقادة الأفارقة إتخاذها في المرحلة الراهنة؟
نحن بحاجة إلى الإنتقال من التشخيص إلى التنفيذ، إذ إن تعثّر مسار التنمية قد يؤدي إلى خسائر تنموية تراكمية يصعب تداركها قد تُضعِف آفاق أفريقيا بشكل دائم.
أولاً: تفعيل آلية عملية لإعادة تمويل الديون لصالح البلدان الأكثر هشاشة، تركّز على خفض كلفة التمويل، وإطالة آجال الإستحقاق، وربط تخفيف عبء الدين بالإستثمار في بناء القدرة على الصمود. كما يجب أن يكون إطار مجموعة العشرين المشترك بصيغته المُعاد إصلاحها محدّداً زمنياً وشفافاً، وأن يتضمن تعليقاً تلقائياً لخدمة الدين فور تقدّم الدولة بطلب الإنضمام.
ثانياً: تسريع وتيرة إصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف عبر الإلتزام بتحسين كفاءة الميزانيات العمومية، ورفع حصة الضمانات إلى ما بين 20 و25 %، ومراجعة الأطر التنظيمية التي تُثقل كاهل الإقراض للمشاريع الأفريقية ذات الأثر المرتفع. وفي هذا السياق، يجب إعطاء أولوية قصوى لإعادة تعبئة موارد المؤسسة الدولية للتنمية (IDA21)، إلى جانب قيادة جهود رسملة بنوك التنمية متعددة الأطراف، إذ تحتاج أفريقيا إلى مستويات أعلى بكثير من التمويل الميسّر لمواكبة حجم أزمتي المناخ والتنمية، بما يفوق بكثير ما هو متاح حالياً.
ثالثًا: ترسيخ الحضور المؤسسي لأفريقيا في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية، وينبغي أن يُترجَم مقعد الإتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين إلى قدرة فعلية على التأثير في السياسات، ولا سيما في ملفّات التجارة الدولية، وإدارة الديون السيادية، وقواعد تمويل العمل المناخي.
رابعاً: الإستثمار في إقتصاد البيانات، إذ يتعيّن التعامل مع البنية التحتية الرقمية، مثل مراكز البيانات وشبكات النطاق العريضBroadband بوصفها أصولًا سيادية. لذا من الضروري الإمتلاك والتحكّم في البنية التحتية التي ستُشكّل الأساس لنمو قطاعات الذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا المالية (FinTech) في المستقبل.
إن نافذة الإصلاح ضيّقة، فالخطوات التدريجية لن تكون كافية لسدّ فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة في أفريقيا المقدّرة بنحو 1.3 تريليون دولار. في هذا السياق، المطلوب، تحرّك هيكلي شامل يُوفّق بين إمكانات أفريقيا الكامنة ومتطلّبات الإستقرار الإقتصادي العالمي.
محفظة شامل موني التابعة لمصرف اليمن البحرين الشامل
تشارك في معرض الدفع الرقمي في عدن
في إطار تعزيز مسار التحول الرقمي ودعم مبادرات الدفع الإلكتروني، شاركت محفظة شامل موني التابعة لمصرف اليمن البحرين الشامل، مشاركة فاعلة في معرض الدفع الرقمي ضمن الجهود المشتركة الهادفة إلى تعزيز الشمول المالي وترسيخ ثقافة الدفع الرقمي الآمن والسريع.
وإنطلقت فعّاليات حفل تدشين معرض الدفع الرقمي تحت عنوان «سوق من غير كاش»، برعاية البنك المركزي اليمني، وبمشاركة واسعة من البنوك والمؤسسات المالية والمحافظ الإلكترونية وذلك في مدينه عدن – عدن مول .وقد إستمر المعرض لمدة ثلاثة أيام (ما بين 22 يناير/كانون الثاني و24 منه 2026).
ويهدف المعرض إلى التعريف بخدمات الدفع الرقمي وتشجيع المواطنين والتجار على إستخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة في عمليات الشراء والدفع، بما يُسهم في تسهيل المعاملات المالية وتعزيز الأمان والسرعة في التسوق.
وأكد القائمون على المعرض أهمية هذه الفعّاليات، من خلال دعم توجُّهات الإقتصاد الرقمي، وخلق بيئة مالية أكثر شمولاً، تُواكب التطوُّرات التقنية في القطاع المصرفي.
La Revue UBA incarne une plateforme d’expertise et de reflexion dediee
aux acteurs bancaires et financiers francophones
Revue UBA
est la publication francophone de référence de l’Union des Banques Arabes, conçue comme une plateforme stratégique de dialogue entre le secteur bancaire arabe et ses partenaires régionaux et internationaux. À travers ses éditions thématiques, ses contributions d’experts de haut niveau et ses entretiens exclusifs avec des leaders institutionnels, la Revue UBA favorise le partage de connaissances, la coopération interrégionale et la mise en valeur des initiatives bancaires innovantes. Elle constitue un vecteur privilégié de visibilité pour les institutions financières, les organisations internationales et les partenaires engagés dans le développement économique durable, la stabilité financière et l’intégration des marchés.
À Propos de la Revue
Revue phare de l’Union des Banques Arabes (UBA), la Revue UAB se distingue par son engagement à fournir un contenu de qualité exceptionnelle sur l’économie, la finance, et l’innovation technologique. Avec des analyses rigoureuses et des perspectives enrichissantes, elle s’adresse aux décideurs, banquiers, chercheurs, et économistes des pays du Maghreb et du monde arabe.
Mission et Vision
La Revue UAB aspire à devenir une référence incontournable pour :
Partager les meilleures pratiques bancaires et financières.
Soutenir l’innovation et le développement économique durable.
Offrir une plateforme d’échanges pour les professionnels et les institutions du secteur.
Diffusion et Accessibilité
Tirage : 1 000 exemplaires par numéro, avec une distribution ciblée auprès des banques membres de l’UBA, des institutions gouvernementales et régionales, ainsi que lors des grandes conférences internationales de l’UBA.
Format : Disponible en version papier, numérique, et par abonnement annuel.
Contactez-Nous
Pour toute information complémentaire, n’hésitez pas à nous joindre :
في قراءة تحليلية معمّقة لأبرز الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لمواكبة
التحوّلات الإقتصادية في القارة الأفريقية وتوصيات فريق خبراء أفريقيا التابع لمجموعة العشرين
الدكتورة حنان مرسي – نائب الأمين التنفيذي وكبيرة الإقتصاديين في لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية لأفريقيا CEA:
* أفريقيا – مجموعة العشرين: نحو ميثاق جديد للنمو والإستقرار والإستثمار
* الإزدهار العالمي لا يتحقق إلاّ من خلال الإزدهار الشامل
* تعثُّر مسار التنمية قد يؤدي إلى خسائر تنموية تراكمية يصعب تداركها وقد تُضعف آفاق أفريقيا بشكل دائم
* على مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية أن تتحوّل إلى جهات فاعلة وأن تقود الجهود الرامية إلى تحقيق أثر تنموي ملموس إلى جانب الإبتكار المالي
في هذه المقابلة الحصرية، تقدّم الدكتورة حنان مرسي، نائب الأمين التنفيذي وكبيرة الإقتصاديين في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا (CEA)، قراءة تحليلية معمّقة لأبرز الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لمواكبة التحوّلات الإقتصادية التي تشهدها القارّة الأفريقية. كما ترسم ملامح مسار نمو أفريقي مستدام، شامل وإستراتيجي، بما يفتح آفاقاً واسعة من الفرص الإستثمارية والتمويلية أمام المصارف العربية.
وتستند هذه المقابلة إلى تقرير فريق خبراء أفريقيا التابع لمجموعة العشرين لعام 2025، الذي يدعو إلى إحداث تحوّل حاسم عبر إرساء ميثاق جديد بين أفريقيا ومجموعة العشرين، يهدف إلى مواءمة النظام المالي العالمي مع الأسس الإقتصادية الحقيقية للقارّة، وتعزيز دورها كمحرّك رئيسي للنمو والإستقرار في الإقتصاد العالمي.
وفي لمحة مختصرة عن تقرير أفريقيا – مجموعة العشرين 2025:
يشكّل تقرير فريق خبراء أفريقيا التابع لمجموعة العشرين لعام 2025 محطّة مفصلية في مقاربة الدور الإقتصادي للقارّة الأفريقية، إذ يؤكد أن أفريقيا لم تعد طرفاً هامشياً في الإقتصاد العالمي، بل باتت أحد المراكز الرئيسية المحتملة للنمو العالمي خلال العقود المقبلة، مدفوعةً بدينامية ديموغرافية فريدة، وإمكانات طاقوية هائلة، وفرص إستثمار تُعدّ من بين الأكثر جاذبية على مستوى العالم.
غير أن التقرير يسلّط الضوء على مفارقة هيكلية لافتة، إذ رغم متانة الأسس الإقتصادية، لا تزال أفريقيا تواجه قيوداً حادّة ناجمة عن الإرتفاع المفرط في كلفة رأس المال، وتزايد الضغوط المرتبطة بالديون السيادية، وقصور في بنية النظام المالي الدولي، ما يؤدي إلى تضخيم كلفة التمويل والحدّ من الإستثمار المنتج.
إزاء هذا الواقع، يدعو فريق الخبراء إلى إرساء ميثاق جديد بين أفريقيا ومجموعة العشرين، يرتكز على أربعة محاور بنيوية رئيسية:
تعزيز دور المصارف متعدّدة الأطراف والإقليمية للتنمية بهدف تعبئة مزيد من التمويلات طويلة الأجل؛
إصلاح القواعد المالية الدولية، ولا سيما في مجالات تصنيف المخاطر والتنظيم الإحترازي؛
إطلاق جهد إستثماري واسع النطاق في مجالات الإستثمار المنتج، والبنى التحتية، والطاقة، والتكامل الإقليمي والإبتكار.
وبالنسبة إلى المؤسسات المالية العربية، تفتح هذه التوجُّهات آفاقاً إستراتيجية واعدة، إذ يُبرز التقرير أهمية تعميق التعاون المالي بين أفريقيا والعالم العربي، وتفعيل أدوات مثل تمويل المشاريع، وتمويل التجارة، والتمويل الإسلامي، وآليات التمويل الممزوج (Blended Finance)، بما يُسهم في مواكبة التحوُّل الاقتصادي للقارّة وتقاسم الفرص التي يتيحها.
وهنا نص المقابلة الحصرية:
* يؤكد التقرير، أن زيادة الإنتاجية في أفريقيا تُعدّ أحد أبرز المحرّكات المحتملة للإزدهار العالمي في القرن الحادي والعشرين، كيف تفسّرون هذه الخلاصة؟ وما هي برأيكم إنعكاساتها العملية على الدور الإقتصادي والإستراتيجي الذي تضطلع به أفريقيا اليوم؟
– نحن أمام تحوّل جذري في نموذج النمو الإقتصادي في أفريقيا تاريخياً، إذ كان نمو القارّة مدفوعاً بتراكم عوامل الإنتاج، أي زيادة اليد العاملة ورأس المال، أكثر من إعتماده على تحسّن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج. غير أنّ هذا النموذج بلغ حدوده، إذ تمثّل أفريقيا نحو 17 % من سكان العالم، لكنها لا تسهم بأكثر من 3 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولا يعكس هذا الفارق نقصاً في الإمكانات، بل ضعف الإستثمار في محرّكات الإنتاجية، ولا سيما البنى التحتية، ورأس المال البشري، والتكنولوجيا .أما الفرصة الجديدة، فتكمن في التقنيات المتقدّمة، حيث تمتلك أفريقيا نحو 60 % من إمكانات الطاقة الشمسية عالية الجودة عالميًا، وحوالي 30 % من المعادن الحيوية اللازمة للتحوُّل العالمي في مجال الطاقة.
إذا نجحت أفريقيا في رفع مستوى الإنتاجية، فإن ذلك سيُعزّز نمو الناتج المحلي الإجمالي عبر أثر مضاعِف، يُترجم إلى فرص عمل جديدة، وإرتفاع في مستويات الدخل، وتوسّع في الحيّز المالي. ولن تكون هذه الدينامية معزولة عن محيطها، ففي وقت يبحث فيه الإقتصاد العالمي عن محرّكات جديدة للطلب والنمو الأخضر، تمثّل التحوّلات الهيكلية في أفريقيا فرصة مشتركة للإقتصاد العالمي بأسره. نحن نلمس هذا الإمكان اليوم، غير أن تحويله إلى واقع يتطلّب إلتزاماً واضحاً برفع الإنفاق الوطني على البحث والتطوير إلى 1 % من الناتج المحلي الإجمالي. فإزدهار الإقتصاد العالمي يحتاج إلى محرّكات جديدة للطلب، وتُعدّ أفريقيا المنتِجة والمُصنَّعة أكبر محرّك متاح حالياً.
والرسالة هنا واضحة: الإزدهار العالمي لا يتحقق إلاّ من خلال إزدهار شامل، وأفريقيا، إذا ما حظيت بالتمويل الكافي وتم دمجها بفعّالية في سلاسل القيمة، قادرة على الإسهام في تحقيق ذلك على نحو حاسم.
* يدعو التقرير إلى إطلاق مبادرة جديدة لإعادة تمويل الديون تحت مظلة مجموعة العشرين، بدل الإكتفاء بإعادة الجدولة، لماذا يُعدّ خيار إعادة التمويل أكثر ملاءمة في هذه المرحلة بالنسبة إلى البلدان الأفريقية منخفضة الدخل؟
نحن نواجه مشكلة في السيولة، وليس مجرّد مشكلة تتعلق بالملاءة المالية، ففي العام 2025 وحده، واجهت أفريقيا أعباء ديون خارجية بلغت89 مليار دولار أميركي، في حين يُقدَّر المبلغ المستحق حالياً لعام2026 بنحو 85 مليار دولار. علماً أن إعادة الجدولة لا تؤدي سوى إلى تأجيل عبء الدين، وغالباً ما يكون ذلك بمعدّلات فائدة أعلى.
ما نحتاجه فعلياً هو إعادة هيكلة إستباقية للدين (Ex-ante debt reprofiling)، أي إدارة الإلتزامات قبل الوصول إلى حالة التعثّر، بما يتيح إستعادة هامش الحركة المالية وتفادي الأزمات.
* كيف يُمكن لتعزيز شفافية وجودة البيانات، إلى جانب تطوير منهجيات التصنيف الإئتماني، أن يساهما في خفض كلفة الإقتراض في أفريقيا؟
تتحدّد كلفة رأس المال أساساً من خلال تسعير المخاطر، فيما يعتمد تسعير المخاطر بدوره على جودة المعلومات المتاحة، غير أن علاوة المخاطر الحالية المفروضة على أفريقيا لا تستند إلى الأسس الإقتصادية الحقيقية، إذ تُظهر تحليلاتنا أن الدول الأفريقية تتحمّل تكاليف إقتراض أعلى بكثير مقارنة بدول ذات أوضاع إقتصادية كلية مماثلة، وذلك حصرياً نتيجة تحيّزات قائمة على التصوّر والإنطباع لا على الوقائع.
وفي المقابل، تُسجّل مشاريع البنية التحتية في أفريقيا المدعومة من قبل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) عوائد لافتة، إذ يبلغ متوسط عائدها نحو خمسة أضعاف عائد مؤشرS&P 500 ، كما تُظهر البيانات أن معدّلات التعثّر في هذه المشاريع الكبرى في الدول النامية، بعد دخولها مرحلة التشغيل، لا تتجاوز معدّلات التعثّر المسجّلة على ديون الشركات المصنّفة ضمن فئة الإستثمار الآمن (BBB-) في الإقتصادات ذات الدخل المرتفع. ويستند هذا الإستنتاج إلى أكثر من 30 عاماً من البيانات الصادرة عن إتحاد قاعدة بيانات مخاطر الأسواق الناشئة العالمية (GEMS)، والذي قام بتحليل ما يقارب15 ألف قرض.
تتحمّل أفريقيا ما يمكن وصفه بـ «ضريبة نقص الشفافية»، إذ يعوّض المستثمرون في كثير من الأحيان عن التصوّر بوجود فجوات معلوماتية من خلال المطالبة بعوائد أعلى. علماً أن تعزيز شفافية البيانات الإقتصادية الكلية والمالية، إلى جانب بيانات المشاريع، يُسهم تدريجياً في تقليص فروق العوائد، غير أنّ هذه الضريبة الخفية تؤدي عملياً إلى إستنزاف مليارات الدولارات التي كان يُمكن توجيهها إلى قطاعات أساسية كالصحة والتعليم. والحل في جوهره هيكلي، إذ يتمثّل في بناء منظومة بيانات أكثر موثوقية وتوازناً. وفي هذا السياق، يجري العمل على إنشاء وكالة أفريقية للتصنيف الإئتماني، تهدف إلى تقديم تقييم موضوعي ومراعٍ للسياق الواقعي لمخاطر الدين السيادي، بما يُسهم في تصحيح التحيّزات القائمة في منظومة التصنيف الدولية.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك إصلاح منهجيات التصنيف الائتماني، التي تميل في كثير من الأحيان إلى المبالغة في إبراز مواطن الضعف الخارجية مقابل التقليل من وزن الإصلاحات والسياسات المنفّذة، فعلى سبيل المثال، نجحت دول أفريقية عدّة في تحقيق فوائض أولية وتنفيذ إصلاحات جوهرية، ومع ذلك بقيت تصنيفاتها الإئتمانية على حالها دون تغيير.
إضافة إلى ذلك، ومن خلال تعزيز الرقابة التنظيمية، يتعيّن على وكالات التصنيف الإئتماني مراجعة منهجياتها بما يضع حداً لمعاقبة الإستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية عبر تصنيفها على أنها مخاطر سيولة قصيرة الأجل.
إن تحسين جودة البيانات، مقروناً بتقييمات أكثر اتساقًا وشفافية، سيُفضي إلى تكاليف إقتراض أكثر عدالة، وأن يشكّل في الوقت نفسه حافزاً لإعتماد سياسات مالية واقتصادية رشيدة.
* ما هي المتطلّبات الأساسية التي ينبغي إستكمالها لتمكين منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) من تحقيق كامل إمكاناتها الإقتصادية؟
بحسب تقديراتنا الواردة في التقرير الإقتصادي عن أفريقيا لعام 2024، تمتلك منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) القدرة على زيادة حجم التجارة البينية الأفريقية بنسبة تصل إلى 45 % في حلول العام 2045، ولكن ذلك يظلّ مشروطاً بمعالجة مجموعة من العوامل التمكينية الأساسية.
أولًا: البنية التحتية
إن الفجوات القائمة في النقل والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والإتصالات تجعل كلفة التجارة في أفريقيا أعلى بنحو 50 % من المتوسط العالمي، وفق بيانات الأونكتاد (UNCTAD)ما يحدّ من القدرة التنافسية، لا سيما في الدول غير الساحلية. ويُعدّ الإستثمار في الخدمات اللوجستية والربط الرقمي عنصراً حاسماً لتحرير إمكانات النمو.
ثانيًا: المواءمة التنظيمية
إن تبسيط المعايير والإجراءات الجمركية وأنظمة حماية الإستثمار يُخفّض الحواجز غير الجمركية، ويُسهم في خلق حجم سوق قاري فعلي قادر على جذب الإستثمارات وتعزيز التكامل.
ثالثًا: القدرات الإنتاجية
سيبقى أثر الإتفاق محدودًا ما لم تتوافر منظومات قوية للصناعة التحويلية والتصنيع الزراعي، ويُعدّ الدعم الموجّه للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير المناطق والحدائق الصناعية، إلى جانب تنمية المهارات، عناصر أساسية لضمان نجاح الإتفاق وتحقيق أهدافه التنموية.
رابعا: خفض تكاليف المعاملات
يُتيح النظام الأفريقي الشامل للدفع والتسوية (PAPSS) إجراء المعاملات التجارية بالعملات المحلية، ما يُمكن أن يخفّض تكاليف المعاملات بما يقارب النصف. غير أنّ ذلك يتطلّب بالتوازي تسريع تنفيذ بروتوكول التجارة الرقمية بهدف إنشاء سوق رقمية موحّدة على مستوى القارّة، فعندما نزيل عوائق تحويل العملات ونوحّد القواعد الرقمية، لا نكتفي بتبادل السلع، بل نؤسّس سلاسل قيمة إقليمية قادرة على الصمود في وجه الصدمات العالمية.
وتُعدّ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf) في جوهرها إصلاحاً هيكلياً وبوليصة تأمين في مواجهة تفتّت الإقتصاد العالمي. غير أن ترجمة فوائدها إلى واقع ملموس تستدعي تنسيقاً مؤسسيًاً فعّالاً، وتمويلاً كافياً، وتنفيذاً متواصلاً ومثابراً. وفي ظل تصاعد التوترات التجارية وتنامي الحمائية في أسواق شريكة رئيسية، مثل الولايات المتحدة، يبقى التجارة البينية الأفريقية خط الدفاع الأكثر موثوقية لتعزيز صمود الإقتصادات الأفريقية.
* ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به مجموعة البنك الأفريقي للتنمية (AfDB) وغيرها من مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية، في ظل تراجع التمويلات الميسّرة؟
تتمتع مؤسسات مثل مجموعة البنك الأفريقي للتنمية بموقع فريد يؤهلها لسدّ فجوات التمويل، إذ تجمع بين المعرفة العميقة بالسياقات المحلية والمصداقية العالية لدى الأسواق، ولا سيما في ظل التراجع الحاد في المساعدات الإنمائية الثنائية، التي إنخفضت بنحو 70 % في قطاعات أساسية مثل الصحة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تركّز هذه المؤسسات على ثلاثة محاور رئيسية:
تعظيم الرافعة المالية: توسيع إستخدام الضمانات وأدوات تقاسم المخاطر، بحيث يتمكّن كل دولار من رأس المال القابل للاستدعاء من تحفيز أضعافه من التمويل الخاص.
تحقيق الأثر بالحجم المناسب: إعادة رسملة النوافذ التمويلية الميسّرة، مثل صندوق التنمية الأفريقي (ADF) لضمان إستمرار نفاذ الدول الهشّة إلى التمويل ودعم جهود التكيّف مع تغيّر المناخ.
الإبتكار المالي: الإضطلاع بدور ريادي في تطوير أدوات تمويل جديدة، بما في ذلك السندات المرتبطة بالإستدامة، ومنصّات التمويل الممزوج (Blended Finance)، إلى جانب بناء محافظ مشاريع قابلة للتوسّع لتمويل البنية التحتية الخضراء.
في ظل ركود تدفقات التمويل الميسّر على المستوى العالمي، يتعيّن على مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية أن تتحوّل إلى جهات فاعلة في الصفوف الأمامية، وأن تقود الجهود الرامية إلى تحقيق أثر تنموي ملموس إلى جانب الإبتكار المالي. ولضمان دعم أكثر توحيداً وقوة لمسار التنمية في أفريقيا، يُصبح من الضروري تعزيز التعاون وخلق مزيد من التكامل والتآزر بين مؤسسات التمويل الإنمائي الأفريقية.
وإلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى الإسراع في إعادة توجيه حقوق السحب الخاصة (SDRs) نحو البنوك متعدّدة الأطراف للتنمية، مثل مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، على شكل رأس مال هجين. ويُتيح هذا الإجراء تحويل كل دولار من حقوق السحب الخاصة إلى ما بين ثلاثة وأربعة دولارات من الإقراض الجديد. وهو نهج مُجرَّب وغير تضخمي لتوسيع ميزانيات هذه المؤسسات، من دون تحميل ميزانيات المساهمين أعباءً إضافية.
* ما هي، برأيكم، الإجراءات الثلاثة الأكثر إلحاحًا التي ينبغي على مجموعة العشرين والقادة الأفارقة إتخاذها في المرحلة الراهنة؟
نحن بحاجة إلى الإنتقال من التشخيص إلى التنفيذ، إذ إن تعثّر مسار التنمية قد يؤدي إلى خسائر تنموية تراكمية يصعب تداركها قد تُضعِف آفاق أفريقيا بشكل دائم.
أولاً: تفعيل آلية عملية لإعادة تمويل الديون لصالح البلدان الأكثر هشاشة، تركّز على خفض كلفة التمويل، وإطالة آجال الإستحقاق، وربط تخفيف عبء الدين بالإستثمار في بناء القدرة على الصمود. كما يجب أن يكون إطار مجموعة العشرين المشترك بصيغته المُعاد إصلاحها محدّداً زمنياً وشفافاً، وأن يتضمن تعليقاً تلقائياً لخدمة الدين فور تقدّم الدولة بطلب الإنضمام.
ثانياً: تسريع وتيرة إصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف عبر الإلتزام بتحسين كفاءة الميزانيات العمومية، ورفع حصة الضمانات إلى ما بين 20 و25 %، ومراجعة الأطر التنظيمية التي تُثقل كاهل الإقراض للمشاريع الأفريقية ذات الأثر المرتفع. وفي هذا السياق، يجب إعطاء أولوية قصوى لإعادة تعبئة موارد المؤسسة الدولية للتنمية (IDA21)، إلى جانب قيادة جهود رسملة بنوك التنمية متعددة الأطراف، إذ تحتاج أفريقيا إلى مستويات أعلى بكثير من التمويل الميسّر لمواكبة حجم أزمتي المناخ والتنمية، بما يفوق بكثير ما هو متاح حالياً.
ثالثًا: ترسيخ الحضور المؤسسي لأفريقيا في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية، وينبغي أن يُترجَم مقعد الإتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين إلى قدرة فعلية على التأثير في السياسات، ولا سيما في ملفّات التجارة الدولية، وإدارة الديون السيادية، وقواعد تمويل العمل المناخي.
رابعاً: الإستثمار في إقتصاد البيانات، إذ يتعيّن التعامل مع البنية التحتية الرقمية، مثل مراكز البيانات وشبكات النطاق العريضBroadband بوصفها أصولًا سيادية. لذا من الضروري الإمتلاك والتحكّم في البنية التحتية التي ستُشكّل الأساس لنمو قطاعات الذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا المالية (FinTech) في المستقبل.
إن نافذة الإصلاح ضيّقة، فالخطوات التدريجية لن تكون كافية لسدّ فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة في أفريقيا المقدّرة بنحو 1.3 تريليون دولار. في هذا السياق، المطلوب، تحرّك هيكلي شامل يُوفّق بين إمكانات أفريقيا الكامنة ومتطلّبات الإستقرار الإقتصادي العالمي.
La Revue UBA incarne une plateforme d’expertise et de reflexion dediee
aux acteurs bancaires et financiers francophones
Revue UBA
est la publication francophone de référence de l’Union des Banques Arabes, conçue comme une plateforme stratégique de dialogue entre le secteur bancaire arabe et ses partenaires régionaux et internationaux. À travers ses éditions thématiques, ses contributions d’experts de haut niveau et ses entretiens exclusifs avec des leaders institutionnels, la Revue UBA favorise le partage de connaissances, la coopération interrégionale et la mise en valeur des initiatives bancaires innovantes. Elle constitue un vecteur privilégié de visibilité pour les institutions financières, les organisations internationales et les partenaires engagés dans le développement économique durable, la stabilité financière et l’intégration des marchés.
À Propos de la Revue
Revue phare de l’Union des Banques Arabes (UBA), la Revue UAB se distingue par son engagement à fournir un contenu de qualité exceptionnelle sur l’économie, la finance, et l’innovation technologique. Avec des analyses rigoureuses et des perspectives enrichissantes, elle s’adresse aux décideurs, banquiers, chercheurs, et économistes des pays du Maghreb et du monde arabe.
Mission et Vision
La Revue UAB aspire à devenir une référence incontournable pour :
Partager les meilleures pratiques bancaires et financières.
Soutenir l’innovation et le développement économique durable.
Offrir une plateforme d’échanges pour les professionnels et les institutions du secteur.
Diffusion et Accessibilité
Tirage : 1 000 exemplaires par numéro, avec une distribution ciblée auprès des banques membres de l’UBA, des institutions gouvernementales et régionales, ainsi que lors des grandes conférences internationales de l’UBA.
Format : Disponible en version papier, numérique, et par abonnement annuel.
Contactez-Nous
Pour toute information complémentaire, n’hésitez pas à nous joindre :
بنوك المراسلة الأميركية لا تُهيمن على حركة الأموال العربية
والعملات الرقمية للبنوك المركزية تُعدُّ أداة رسمية للمدفوعات
من الواضح أن بنوك المراسلة الأميركية لا تمثّل هيمنة فعلية على حركة الأموال العربية، بل إن السيطرة الفعلية تأتي من هيمنة الدولار الأميركي على التجارة الدولية، حيث لا يزال يشكل أكثر من 65 % من المعاملات الدولية. وفي هذا السياق، إن أي عملية مقاصة أو تسوية مالية دولية غالباً ما تمر عبر بنوك المراسلة الأميركية، إذ تلتزم هذه البنوك بإجراءات صارمة لضمان صحة المعاملات والإمتثال للقوانين، ما يُعزّز الإستقرار المالي عالمياً وعلى مستوى المنطقة العربية.
ولا شك في أن بنوك المراسلة الأميركية تقوم بعمليات «العناية الواجبة» لأي تحويل مالي، للتحقُّق من خلوّها من عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب أو فساد، ما يُسهم في خلق نظم مالية مستقرة ومنتظمة. علماً أن المصارف العربية يجب أن تلتزم القوانين الدولية الصارمة في هذا المجال، وأن البنوك المركزية العربية قامت بدور ممتاز في تطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يُعزّز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي.
إن دور البنك المراسل إيجابي لكنه مكلف في الوقت نفسه، إذ يتعيّن على البنك الذي يتعامل معه، أي البنك المستفيد أو المجيب، الإلتزام الكامل بجميع القوانين والأنظمة المرعية. كما أن الإلتزام بهذه المعايير يضمن وصول المعاملات المالية إلى الأسواق العالمية بسلاسة، ويجنّب البنوك أي مخاطر مرتبطة بالعقوبات أو الرقابة الدولية، ما يحافظ على إستقرار النظام المالي ويحدّ من المخاطر التشغيلية.
أما عن العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، فإنها تصدر فعلياً عن البنك المركزي ومدعومة منه، وتختلف عن العملات المشفّرة مثل البتكوين، التي تُعدُّ سلعة وليست وسيلة دفع قانونية عامة. علماً أن العملات الرقمية للبنوك المركزية تُعد أداة رسمية للمدفوعات، مدعومة بحسابات مصرفية فعلية، لكنها لا تشكل بديلاً عن عمليات التسوية والمقاصة التي تنفذها بنوك المراسلة التقليدية، على الأقل في المرحلة الحالية.
من جهة أخرى، في ما يخص مشروع «بُنى»، فإنها منصّة ممتازة أنشأتها البنوك المركزية العربية برعاية صندوق النقد العربي، وتختص بالمقاصة الإقليمية داخل الدول العربية وليست الدولية. وتُتيح المنصّة تسوية المدفوعات بين الدول العربية بفعّالية، مع الإلتزام الكامل بجميع القوانين الدولية المعمول بها، بما في ذلك توصيات مجموعة العمل المالي وتوصيات بازل. علماً أن منصّة «بُنى» معترف بها دولياً، وتمتلك تواصلاً مباشراً مع الجهات الرقابية العالمية، وتطبّق أعلى مستويات الحوكمة والشفافية، ما يُعزّز الثقة بالنظام المصرفي الإقليمي، ويُسهم في تقليل الإعتماد على آليات التسوية الدولية بالدولار عند الحاجة. كما أن بنوك المراسلة الأميركية تُسهم في الإستقرار والإنتظام المالي العالمي، وأن الهيمنة الفعلية على الأموال العربية تعود إلى إعتماد الدولار عملة رئيسية في التجارة الدولية، وليس لبنوك المراسلة دور إستراتيجي في فرض السيطرة السياسية.
ويبرز كذلك أن العملات الرقمية للبنوك المركزية ومنصّة «بُنى» تشكل بدائل مهمة لتسهيل المدفوعات الإقليمية، لكنها لا تزال مكملة للنظام القائم ولا تشكل تهديداً مباشراً للدولار أو للبنية التحتية المالية التقليدية. ويعكس هذا التوجُّه نهجاً متوازناً بين الإستفادة من الإستقرار العالمي الذي توفّره بنوك المراسلة الأميركية، وبين تطوير أدوات إقليمية حديثة لتعزيز السيولة والمرونة المالية في العالم العربي، بما يدعم الإستقلال المالي التدريجي من دون الإخلال بالإندماج في النظام المالي الدولي.
إنضمت جمعية مصارف البحرين إلى عضوية لجنة المصارف الإسلامية التي تم إنشاؤها مؤخراً لدى إتحاد المصارف العربية. وتهدف هذه اللجنة إلى دعم توحيد الجهود بين المصارف الإسلامية، وتعزيز تطبيق أفضل الممارسات المصرفية والشرعية، والمساهمة في تطوير الأُطر التنظيمية والمعايير المهنية التي تحكم هذا القطاع الحيوي.
ويُمثّل جمعية مصارف البحرين في عضوية اللجنة كل من الدكتور عبدالناصر عمر آل محمود، رئيس لجنة المعايير المصرفية الإسلامية والشرعية في جمعية مصارف البحرين، والدكتور حمد فاروق الشيخ، نائب رئيس لجنة المعايير المصرفية الإسلامية والشرعية في الجمعية.
ومن خلال هذه المشاركة، تدعم جمعية مصارف البحرين عمل لجنة المصارف الإسلامية لدى إتحاد المصارف العربية في مناقشة التحدّيات المشتركة التي تواجه المصارف الإسلامية، وإقتراح حلول عملية تُعزّز الإستدامة والحوكمة والإمتثال الشرعي، إلى جانب دعم الإبتكار في المنتجات والخدمات المصرفية الإسلامية، بما يُواكب المتغيّرات الإقتصادية والتقنية في المنطقة.
وأكدت السيدة زيبا عسكر، الرئيس التنفيذي لجمعية مصارف البحرين، «أن مشاركة الجمعية في عضوية لجنة المصارف الاسلامية تمثل إمتداداً لدور البحرين الريادي في صناعة الصيرفة الإسلامية، كما تأتي في إطار دورها المؤسسي في تمثيل القطاع المصرفي البحريني، ونقل خبراته المتراكمة في مجال الصيرفة الإسلامية، لا سيما أن البحرين تُعدُّ من المراكز الإقليمية الرائدة في هذا المجال، وتضم عدداً من المؤسسات المصرفية الإسلامية ذات الحضور الدولي»، مؤكدة «أن الجمعية حريصة على الإسهام الفاعل في صوغ الرؤى والمبادرات التي تدعم تطور المصارف الإسلامية العربية، وتعزّز التكامل بين المؤسسات المصرفية في الدول العربية».
من جهته ، أكد الدكتور وسام فتوح، الأمين العام لإتحاد المصارف العربية، «أن إنضمام جمعية مصارف البحرين إلى عضوية لجنة المصارف الإسلامية يُشكّل إضافة نوعية ومهمة لأعمال اللجنة، لما تتمتع به مملكة البحرين من خبرة عريقة ومكانة ريادية في مجال الصيرفة والتمويل الإسلامي على المستويين الإقليمي والدولي»، موضحاً «أن الإتحاد يعمل على إطلاق لجنة المصارف الإسلامية كإطار مؤسسي متخصّص يهدف إلى تلبية إحتياجات القطاع المصرفي والمالي الاسلامي، وتطويره ودعم قدراته البشرية بأعلى المؤهلات والكفاءات وفق أعلى المعايير التنافسية، وإعداد مادة علمية متخصّصة تقدم بموجبها شهادات مهنية معتمدة دولياً لإعداد خبراء في مجالات الصيرفة والتمويل الاسلامي».
«الريادة في تقديم الحلول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في سوريا لعام 2025»
أعرب بنك الشام عن فخره بإعلان فوزه بجائزة «الريادة في تقديم الحلول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في سوريا لعام 2025»، التي منحها له الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب، خلال حفل أُقيم في فندق إنتركونتيننتال فينيسيا، في العاصمة اللبنانية بيروت.
وفي هذه المناسبة، قال الرئيس التنفيذي لبنك الشام، السيد أحمد يوسف اللحام: «إن هذه الجائزة تعكس إلتزامنا بتقديم حلول مالية مبتكرة ومتوافقة مع الشريعة، ونسعى دائماً إلى تحقيق تطلُّعات عملائنا والمساهمة في تنمية الإقتصاد السوري، حيث إختُتم العام 2025 بهذا النجاح المميّز، ونتطلّع إلى تحقيق المزيد من النجاحات خلال العام 2026».
يأتي فهرس عام 2025 ليعكس حصيلة عامٍ حافلٍ بالإنجازات المهنية والفكرية، ويجسّد مسيرة التطور المستمر التي واصلتها مجلتنا المصرفية والاقتصادية في تقديم محتوى متخصص يواكب التحولات المتسارعة في القطاعين المالي والاقتصادي. فقد تميّز هذا العام بتعزيز جودة الدراسات والتحليلات، وتوسيع نطاق التغطيات المتخصصة، بما يلبي احتياجات القارئ المهني وصانع القرار والباحث الاقتصادي على حدٍ سواء.
وخلال عام 2025، ركّزت المجلة على إعداد دراسات حديثة وتقارير معمّقة تناولت أبرز القضايا المصرفية والاقتصادية، مستندة إلى أسس علمية ومنهجيات تحليلية رصينة، أسهمت في دعم الحوار الاقتصادي، وتعزيز الثقافة المالية، وتسليط الضوء على الابتكار المصرفي، والاستدامة، والتحول الرقمي، وتطور السياسات النقدية والمالية.
وانطلاقاً من إيمان المجلة بأهمية التكامل والتعاون في تطوير المشهد الإعلامي والاقتصادي، فإنها تدعو قرّاءها الكرام، والمؤسسات المصرفية والاقتصادية، والخبراء والمختصين، إلى المشاركة الفاعلة من خلال الإعلانات، أو تزويد المجلة بالأخبار والتقارير الإعلامية، أو الإسهام بالمقالات والدراسات المتخصصة، بما يعزز تبادل المعرفة ويدعم بناء محتوى هادف يخدم المصلحة العامة.
ويأتي هذا الفهرس السنوي ليكون مرجعاً توثيقياً لما نُشر خلال العام، ودعوة مفتوحة لشراكة إعلامية مثمرة، ونرجو من خلالها بأن التعاون البنّاء هو السبيل نحو مزيد من التطور والتميّز، وتحقيق الأفضل للقطاعين المصرفي والاقتصادي.
وعليه، تتشرف مجلة إتحاد المصارف العربية بدعوتكم للمشاركة في أعدادها المميزة والخاصة في عام 2026 ، وموافاتنا بتطورات مصرفكم الموقر ومشاركتكم الإعلانية،مع العلم أن أعدادنا توزع على البنوك والمؤسسات العربية، والمشاركين خلال أعمال جميع المؤتمرات التي سيعقدها الاتحاد خلال العام، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي للمجلة.
ولكم منا كل التقدير والاحترام.
لمزيد من المعلومات الاتصال بمجلة إتحاد المصارف العربية:
À l’approche du lancement officiel des nouvelles initiatives de l’Union des Banques Arabes (UBA), l’Union s’affirme plus que jamais comme l’une des institutions financières régionales les plus influentes du monde arabe, véritable référence pour le secteur bancaire et acteur clé de la stabilité financière et du développement économique. Forte d’un réseau de plus de 360 institutions bancaires et financières, l’UBA poursuivra sa mission de fédération des visions, de renforcement des coopérations internationales et d’alignement du secteur bancaire arabe sur les standards mondiaux.
L’année à venir s’inscrira dans une dynamique renforcée en faveur du développement durable. Du partenariat historique avec la Banque mondiale en faveur du financement des PME, jusqu’au lancement en cours de préparation, avec l’Organisation des Nations Unies pour le Développement Industriel (ONUDI), de la SME Digital Platform Initiative (DPI), l’UBA consolidera son rôle de catalyseur de l’inclusion financière et de l’investissement productif. En parallèle, sa coordination avec les agences des Nations Unies se renforcera autour des Objectifs de développement durable, notamment dans les domaines de l’éducation, de la protection sociale, de l’énergie, des systèmes alimentaires, de la transformation numérique et de la biodiversité.
Point d’orgue attendu de cet engagement: la poursuite de l’objectif de mobilisation d’un trillion de dollars d’ici 2030, en partenariat avec la CESAO, pour accélérer la mise en œuvre de l’Agenda 2030 dans les 22 pays arabes.
Sur le plan de la gouvernance et de la lutte contre la criminalité financière, l’UBA continuera d’exercer son leadership régional à travers le Dialogue bancaire arabo-américain, en partenariat avec la Réserve fédérale et le Trésor américain, ainsi que par son rôle fondateur au sein du MENA Financial Crime Compliance Group (MENA-FCCG). Les programmes de formation, conférences et accords de coopération avec le MENA-FATF, les cellules de renseignement financier et le Conseil des ministres arabes de l’Intérieur se poursuivront afin de renforcer durablement la culture de conformité, de transparence et d’intégrité financière dans la région.
Dans un contexte régional marqué par les défis de la reconstruction, l’Union intensifiera également ses efforts pour accompagner les pays en situation post-crise dans la réhabilitation de leurs systèmes bancaires, levier indispensable de la stabilité macroéconomique et de la relance de l’investissement. Sa coopération avec la Ligue des États arabes autour de projets financiers communs contribuera à poser les bases de mécanismes capables de soutenir les trajectoires de redressement économique.
L’autonomisation économique des femmes et des jeunes demeurera un pilier stratégique majeur. Aux côtés de l’OCDE et de l’Union pour la Méditerranée, l’UBA poursuivra ses initiatives en faveur de l’entrepreneuriat féminin. Le déploiement attendu de la compétition régionale InspireHer, lancée en partenariat avec l’Union pour la Méditerranée, continuera d’incarner une plateforme structurante pour soutenir les femmes entrepreneures et renforcer l’inclusion financière à l’échelle régionale.
À la veille de cette nouvelle étape, l’Union des Banques Arabes réaffirme sa vocation de plateforme fédératrice du secteur bancaire arabe, au service de la stabilité financière, de la croissance inclusive et du développement durable. Plus que jamais, l’UBA entend s’inscrire comme un acteur stratégique au cœur des transformations économiques de la région.
Dans cet esprit, l’équipe éditoriale de la Revue UBA adresse ses vœux les plus sincères à l’ensemble de ses lecteurs, partenaires, contributeurs et à toute la grande famille bancaire arabe. Que l’année à venir soit porteuse de stabilité, de confiance renouvelée, d’innovations fécondes et de succès partagés. Nous formons le vœu que les défis se transforment en opportunités et que les projets portés par l’Union continuent de rayonner au service du développement durable, de l’inclusion financière et de la prospérité des économies arabes.
Dans le dossier consacré aux finalistes du concours InspireHer, nous avons le plaisir de vous présenter le parcours inspirant de Bara’ Abu Sharefeeh, lauréate du 2e prix dans la catégorie Established Business.
Coach You : rendre le coaching accessible dans le monde arabe
Dans un monde professionnel en constante mutation, l’accès au développement personnel et au coaching reste souvent réservé à une élite.
Pourtant, la région arabe regorge de talents, notamment parmi les jeunes et les femmes, qui manquent encore d’un accompagnement adapté à leur langue, leur culture et leurs réalités. C’est pour répondre à ce besoin que la plateforme Coach You a vu le jour, portée par une vision claire: démocratiser le coaching de qualité dans le monde arabe.
Fondée par Bara’ Abu Sharefeeh, Coach You est une plateforme digitale de coaching en langue arabe qui connecte particuliers et organisations à plus de 500 coachs et experts certifiés dans les domaines du leadership, du développement de carrière, de l’entrepreneuriat, du bien-être et de la littératie financière. Disponible en arabe et en anglais, la plateforme intègre également des outils d’intelligence artificielle pour accompagner les utilisateurs avant, pendant et après leurs séances, tout en préservant la dimension profondément humaine du coaching.
En quelques années, Coach You est devenue un partenaire de référence pour de grandes institutions publiques et privées en Jordanie et dans la région MENA, parmi lesquelles le Ministère de l’Économie numérique et de l’Entrepreneuriat (MoDEE), Housing Bank, Orange, Banque Misr, USAID, Flat6Labs et Endeavor. À ce jour, la plateforme a délivré plus de 15 000 heures de coaching à plus de 3 500 bénéficiaires, dont près de 60 % de femmes, avec des taux de satisfaction dépassant 85 %.
L’un des programmes phares, mené avec le MoDEE en Jordanie pour les jeunes diplômés, a permis à 35 % des participants d’accéder à un emploi à temps plein après un accompagnement structuré, illustrant l’impact direct du coaching sur l’employabilité et l’inclusion économique. En parallèle de son impact social, Coach You valorise également les femmes coachs de la région, en leur offrant un espace digital de visibilité, de travail flexible et de rayonnement transfrontalier. La participation de Coach You au programme InspireHer et à l’événement de Palerme a marqué un tournant décisif, apportant reconnaissance internationale, nouvelles opportunités de partenariats et renforcement de son positionnement comme acteur régional de la transformation humaine par le coaching.
Aujourd’hui, Coach You poursuit son développement à l’intersection du digital, de l’intelligence artificielle et de l’humain, avec l’ambition de toucher des dizaines de milliers de bénéficiaires dans toute la région MENA, et de faire du coaching un véritable levier stratégique de performance, d’inclusion et de bien-être.
Un programme d’arbitrage international dédié au secteur bancaire: l’UAB et l’ICC renforcent la formation des juristes arabes
Dans le cadre de son engagement à accompagner le secteur bancaire arabe dans les pratiques juridiques internationales les plus avancées, l’Union des Banques Arabes (UAB) lance, en partenariat avec la Chambre de Commerce Internationale (ICC) – Dispute Resolution Services, un programme de formation inédit consacré au « International Commercial and Banking Arbitration ».
Ce programme spécialisé, conçu sur la base du PIDA Training de l’ICC et adapté aux besoins des professionnels du secteur financier, propose une immersion complète dans les mécanismes de l’arbitrage international, de la rédaction de la requête jusqu’à la simulation d’un tribunal arbitral.
Deux sessions, deux capitales internationales
Le programme se déploie en deux volets complémentaires :
• Riyad – 13 au 15 janvier 2026 Une formation introductive sur les fondements de l’arbitrage selon les règles de l’ICC, les spécificités de l’arbitrage dans le secteur bancaire, les modes alternatifs de règlement des différends (ADR), ainsi que les étapes clés de la constitution d’un tribunal arbitral.
• Paris – 12 et 13 mai 2026
Une session avancée comprenant une simulation d’audience, l’étude approfondie du processus de « scrutiny » des sentences arbitrales, et un éclairage sur l’exécution des sentences étrangères.
Un programme bilingue avec certification conjointe
Dispensé en arabe et en anglais, le séminaire offre aux participants une double perspective juridique, conciliant pratique régionale et standards mondiaux.
À l’issue du programme, une certification conjointe UAB–ICC sera remise aux participants ayant validé l’ensemble des sessions, attestant de leur maîtrise des procédures d’arbitrage international.
Avec cette initiative, l’UAB confirme une nouvelle fois son rôle stratégique dans la montée en compétences des cadres bancaires arabes et dans la diffusion des meilleures pratiques internationales en matière d’arbitrage et de gouvernance juridique.
33,9 Milliards USD Mobilisés par les Banques Arabes
pour les ODD en 2024 Une première enquête régionale qui révèle progrès,
déséquilibres et perspectives d’accélération
Dans le cadre de son engagement à suivre et à renforcer la contribution du secteur bancaire arabe aux Objectifs de Développement Durable (ODD), l’Union des Banques Arabes (UAB), en partenariat avec la CESAO (ESCWA), a mené en 2024 une enquête pionnière sur les crédits mobilisés au profit du développement durable. Il s’agit du premier exercice régional permettant d’évaluer, chiffres à l’appui, l’alignement des institutions financières arabes sur les priorités de l’Agenda 2030. Cette étude met en lumière 33,9 milliards USD de financements ODD, tout en dévoilant des écarts persistants dans l’allocation du crédit, notamment en matière d’égalité de genre, de soutien aux jeunes entrepreneurs, de transformation digitale et d’environnement. Elle constitue désormais une base essentielle pour orienter les politiques publiques, renforcer les partenariats et développer des solutions financières durables à grande échelle.
33,9 milliards USD mobilisés: une répartition encore dominée par le secteur public
Les vingt-deux banques participantes ont déclaré un total de 33,9 milliards USD de prêts alignés sur les ODD, soit 18 % de leurs portefeuilles de crédit.
La répartition montre une forte concentration des financements vers le secteur public : • 76 % (25,9 Mds USD) destinés aux gouvernements et entreprises publiques • 19 % (6,3 Mds USD) attribués aux grandes entreprises • 5 % (1,7 Md USD) alloués aux micro, petites et moyennes entreprises (MPME)
Quatre domaines absorbent près de 70 % des financements : • Éradication de la pauvreté et protection sociale (ODD 1) : 11,2 Mds USD • Logement durable (ODD 11) : 6,4 Mds USD • Industrie durable (ODD 9) : 2,7 Mds USD • Tourisme durable (ODD 8 & 12) : 2,4 Mds USD
À l’inverse, des enjeux cruciaux de développement restent très insuffisamment financés: • Égalité femmes-hommes (ODD 5): 135 M USD • Transformation digitale (ODD 9): 64 M USD • Environnement et biodiversité (ODD 14 & 15): 56 M USD • Paix, justice et institutions solides (ODD 16): 0 USD
Inclusion financière : un décalage notable entre politiques et impact réel
Si de nombreux établissements déclarent soutenir l’inclusion financière, les résultats montrent que ces engagements peinent encore à se traduire en crédits effectifs: • 43 % des banques offrent des programmes pour les femmes entrepreneures, mais les femmes ne reçoivent que 14 % du crédit MPME (1 Md USD), contre 6,1 Mds USD pour les entreprises dirigées par des hommes. • 87 % proposent des initiatives pour les jeunes, pourtant ceux-ci ne représentent que 10 % des prêts aux MPME.
Ces chiffres reflètent un problème structurel: l’existence de programmes n’assure pas leur impact, et des mécanismes plus efficaces sont nécessaires pour toucher les bénéficiaires ciblés.
Partenariats: le rôle moteur des gouvernements
L’enquête confirme que les gouvernements restent les principaux acteurs facilitant le financement lié aux ODD : • 43 % des banques déclarent avoir bénéficié d’un soutien gouvernemental • 27 % ont collaboré avec des banques de développement • 23 % avec des ONG • 20 % avec le secteur privé
Cependant, 27 % n’ont noué aucun partenariat, ce qui souligne un besoin urgent d’élargir la coopération entre les parties prenantes pour stimuler la finance durable.
Soutien public aux MPME : entre instruments efficaces et lacunes persistantes
Les programmes étatiques jouent un rôle déterminant dans l’appétence des banques pour le financement des MPME : • 80 % considèrent les prêts subventionnés comme un outil clé (47 % très important) • 37 % jugent les garanties publiques essentielles pour réduire les risques • 27 % seulement estiment que les réserves obligatoires réduites sont très influentes
En parallèle, près d’un tiers des banques signale l’absence ou la méconnaissance de programmes de cofinancement, révélant un chantier majeur pour les autorités publiques.
Produits durables: la FinTech progresse mais l’offre reste limitée
Les banques arabes amorcent progressivement l’intégration de produits financiers durables: • La FinTech arrive en tête, notamment via la réduction des coûts des transferts. • Les cartes vertes et fonds durables restent peu répandus (20 %). • Les obligations durables et instruments de finance mixte sont encore plus rares (17 %). • Un quart des banques n’offre aucun produit lié aux ODD, révélant une marge d’innovation importante. Échantillon étudié : un reflet diversifié du secteur bancaire arabe
L’enquête a recueilli les réponses de 30 institutions financières de neuf pays arabes, représentant 8,7 % des membres de l’UAB. Statut juridique: • 50 % banques privées • 43 % banques publiques • 7 % banques étrangères Type d’institution : • 40 % banques commerciales • 33 % banques islamiques • 7 % banques d’investissement • 20 % institutions spécialisées
Conclusion : un premier référentiel régional qui appelle à une montée en puissance
Cette enquête offre, pour la première fois, un diagnostic chiffré du financement des ODD dans la région arabe. Elle met en évidence des volumes significatifs mobilisés, mais aussi des déséquilibres structurels dans les domaines du genre, de l’environnement, de la jeunesse et du numérique. Les résultats appellent à : • Renforcer les partenariats institutionnels, • Améliorer les mécanismes d’incitation nationaux, • Intégrer plus profondément les ODD dans les stratégies bancaires, • élargir l’offre de produits verts et sociaux.
Cette première référence régionale prépare le terrain pour suivre les progrès en vue de l’objectif ambitieux de l’UAB : mobiliser 1 000 milliards USD pour les ODD d’ici 2030, conformément au Sevilla Commitment et aux efforts internationaux pour une architecture financière durable plus équitable.
Le Calendrier 2026 des Événements UAB: Coopération, Innovation et Développement Durable
Un programme annuel qui illustre la vision régionale et internationale de
l’Union des Banques Arabes.Coopération, Innovation et Développement Durable
L’Union des Banques Arabes entame l’année 2026 avec un programme ambitieux d’événements régionaux et internationaux, reflétant sa mission de renforcer la coopération interbancaire arabe, d’accompagner les transformations numériques et de promouvoir la finance durable.
L’agenda s’ouvrira en janvier à Louqsor (Égypte) avec la deuxième Conférence arabe sur la lutte contre la fraude, organisée en partenariat avec la Banque Centrale d’Égypte et l’Université Arabe Naif des Sciences de la Sécurité, suivie en février à Beyrouth du Forum sur la gouvernance dans les banques, en collaboration avec l’Institut des Finances et de la Gouvernance (ESA). En avril, deux rendez-vous majeurs marqueront le calendrier: la troisième Conférence sur la lutte contre le blanchiment et le financement du terrorisme à Bagdad, puis la Conférence bancaire arabe 2026 au Caire. Le mois de mai sera consacré à l’innovation et à la durabilité, avec un forum à Doha sur les actifs numériques et le deuxième Forum stratégique (ESG) à Amman. En juin, Paris accueillera le Sommet bancaire arabe-international 2026, tandis qu’Abou Dhabi abritera un forum dédié à l’innovation dans la gestion des risques et la conformité. L’été sera marqué par un forum sur l’inclusion financière à Tripoli en juillet et un autre sur les banques digitales à Beyrouth en août. La rentrée de septembre mettra en avant la cybersécurité à Amman et la rencontre annuelle des directeurs des risques à Charm El-Cheikh. En octobre, l’Union tiendra le Forum économique du Koweït et la quatrième Rencontre internationale de Mascate sur la gestion des risques. L’année s’achèvera par la Conférence bancaire arabe annuelle à Casablanca en novembre, puis par le Forum annuel des directeurs de la conformité à Hourghada en décembre. À travers ce programme riche et diversifié, l’Union des Banques Arabes réaffirme son rôle de plateforme régionale de dialogue, de réflexion et d’action en faveur du développement durable et de la stabilité financière dans le monde arabe.
Sous le Haut Patronage de Son Excellence Le Président de la République Libanaise
le Général Joseph Aoun Conférence Bancaire Arabe Annuelle 2025 – Beyrouth «Investir dans la Reconstruction et le Rôle des Banques»
Stabilité régionale: l’étincelle qui dynamise l’investissement et engage les banques dans la reconstruction
Organisé par l’UAB en coopération avec l’Union Internationale des Banquiers Arabes et l’Association des Banques du Liban, l’événement intervient dans un contexte où de nombreux pays arabes sortent affaiblis par deux décennies de conflits ayant gravement touché les infrastructures, freiné la croissance et fait reculer l’investissement. Routes, ports, aéroports, logements et installations publiques portent encore les stigmates de destructions massives, nécessitant des financements colossaux et une mobilisation exceptionnelle des banques pour relever les défis de la reconstruction.
Yassine Jaber, ministre des Finances du Liban, représentant le Président Joseph Aoun: «Nous mettons en œuvre un plan de redressement économique fondé sur les réformes et le rôle moteur du secteur privé.
Dans ce contexte, la reconstruction s’impose désormais comme une priorité incontournable pour rétablir la stabilité politique et sociale, relancer l’activité économique, créer des emplois et soutenir un développement durable. Mais le principal défi réside dans l’ampleur des financements nécessaires, largement supérieure aux capacités budgétaires des États concernés. D’où la nécessité de recourir à des sources de financement alternatives, au premier rang desquelles figure le secteur bancaire arabe, fort de son expertise, de ses réseaux régionaux et de sa capacité à attirer les investissements internationaux. La Conférence Bancaire Arabe Annuelle, tenue dans la capitale libanaise, a réuni de hautes personnalités officielles, économiques et bancaires du Liban et du monde arabe. Parmi les participants figuraient notamment le ministre Yassine Jaber, représentant le Président de la République, le général Joseph Aoun ; M. Mohamed El Etreby, Président de l’Union des Banques Arabes ; le Dr Joseph Torbey, Président de l’Union Internationale des Banquiers Arabes ; M. Mohamed Choucair, Président des Instances Économiques Libanaises; le Dr Salim Sfeir, Président de l’Association des Banques du Liban; S.E. Ahmed bin Mohamed Al Jarwan, Président du Conseil Mondial pour la Tolérance et la Paix et ancien membre du Conseil National Fédéral des Émirats Arabes Unis ; ainsi que l’ambassadeur Hossam Zaki, Secrétaire général adjoint et Chef du Cabinet du Secrétaire général de la Ligue des États Arabes. Il convient de noter que le Dr Wissam Fattouh a prononcé l’allocution honorifique à l’occasion de la remise du Prix de la « Personnalité Bancaire Arabe de l’Année 2025 », décerné à M. Ala’a Eraiqat, Directeur général du groupe Abu Dhabi Commercial Bank, aux Émirats Arabes Unis.
Dans son allocution, le ministre libanais des Finances, Yassine Jaber, a dressé un tableau sans précédent de la crise que traverse le Liban depuis 2019, marquée par l’effondrement du PIB, la dépréciation de la monnaie nationale, une inflation dépassant 200 %, le défaut souverain, l’effondrement du secteur bancaire et des pertes matérielles supérieures à 7 milliards de dollars dues aux conflits. Il a exposé la vision du gouvernement pour le redressement, fondée sur la restructuration du secteur bancaire et de la dette publique, une utilisation plus efficiente des ressources, la restauration de la confiance, le renforcement du cadre légal et des autorités de supervision, ainsi que la protection équitable des droits des déposants. Soulignant le rôle central du secteur privé, des infrastructures et de la transformation numérique, il a affirmé que, malgré l’ampleur de l’effondrement, le Liban demeure résolument engagé sur la voie du relèvement, fidèle à son image de pays-phénix renaissant de ses cendres, porté par un plan gouvernemental structuré autour de la réforme financière avec le FMI, de la modernisation du secteur public et du renforcement de la gouvernance pour attirer l’investissement.
Mohamed El Etreby, Président de l’Union des Banques Arabes: «La phase actuelle exige une feuille de route pour attirer les investissements et soutenir la croissance 60% de la main-d’œuvre arabe est composée de jeunes.»
M. Mohamed El Etreby, Président de l’Union des Banques Arabes et Directeur général de la Banque Nationale d’Égypte, a déclaré que « la période actuelle requiert une vision d’avenir globale et un soutien aux trajectoires de développement afin de surmonter les défis présents ». Il a souligné «l’importance d’adopter une feuille de route intégrant des réformes économiques profondes, le renforcement du rôle du secteur financier et bancaire dans la stimulation de la croissance, ainsi que l’autonomisation des jeunes et des femmes dans le cadre de réformes sociales plus larges». El Etreby a ajouté que « les principaux défis auxquels sont confrontés les pays de la région concernent le ralentissement des taux de croissance, la volatilité des taux de change et la montée du chômage ». Il a relevé que « les pays arabes disposent d’un formidable potentiel de jeunesse, qui représente 60 % de la main-d’œuvre, ainsi que d’un large éventail d’opportunités d’investissement dans l’ensemble des secteurs économiques ». Il a enfin insisté sur « la nécessité de renforcer l’attraction des investissements directs étrangers et d’appuyer la coopération interarabe ».
Dr Joseph Torbey, Président de l’Union Internationale des Banquiers Arabes: «Le Liban poursuit ses négociations avec le Fonds monétaire international afin d’adopter les réformes économiques nécessaires et d’obtenir des prêts concessionnels.»
Dr Joseph Torbey, Président de l’Union Internationale des Banquiers Arabes, a souligné que le retour de l’Assemblée générale à Beyrouth après quatre ans témoigne de la confiance arabe et internationale dans la capacité du Liban à retrouver son rôle. Il a salué le soutien constant apporté par les banques arabes au secteur bancaire libanais dans cette phase critique.
Il a rappelé que la région traverse « des défis sans précédent », marqués par les conflits, les crises monétaires et les pressions budgétaires qui ont affaibli la confiance dans plusieurs systèmes bancaires et réduit l’attractivité des investissements. Dans ce contexte fragile, la crise libanaise se distingue, selon lui, par son caractère unique : « une crise de liquidité avant tout, et non de solvabilité », aggravée par la contraction de l’activité bancaire et la baisse du crédit. Le Dr Torbey a indiqué que le Liban poursuit ses négociations avec le Fonds monétaire international pour adopter les réformes nécessaires et obtenir des financements concessionnels, soulignant que la plupart des exigences financières ont déjà été satisfaites, à l’exception de l’annulation des dépôts une mesure qu’il juge « inacceptable », les dépôts constituant selon lui « le point de départ de toute solution de redressement ». Il a rappelé les efforts menés par l’Union des Banques Arabes depuis 2023 pour proposer des pistes de sortie de crise avec l’appui d’experts internationaux, affirmant que la Banque du Liban reste, malgré la crise, l’une des plus solides de la région en termes d’avoirs. Il a également insisté sur le fait que les banques libanaises conservent des relations de correspondance internationales actives et continuent d’assurer les transferts financiers, malgré la liste grise et les notations souveraines dégradées. Dr Torbey a mis en garde contre toute solution qui consisterait à annuler les capitaux propres des banques, avertissant qu’une telle approche « détruirait leur solvabilité, couperait leurs liens internationaux et plongerait le pays dans une isolation financière dangereuse », tout en aggravant les pertes des déposants. Enfin, il a plaidé pour une réforme bancaire fondée sur le renforcement des fonds propres, la gestion des risques et la numérisation, ainsi qu’une réforme monétaire reposant sur l’indépendance des banques centrales et la stabilité des prix, conditions essentielles pour restaurer la confiance et attirer les investissements.
Dr Salim Sfeir, Président de l’Association des Banques du Liban: « Nous sommes déterminés à reconstruire nos fonds propres et à restaurer la confiance des déposants. Il ne pourra y avoir de véritable reconstruction sans un financement bancaire sain. »
Dr Salim Sfeir, Président de l’Association des Banques du Liban, a affirmé que les banques libanaises sont un « partenaire stratégique de la reconstruction économique », soulignant qu’« il ne peut y avoir de véritable relance sans un financement bancaire sain, ni de croissance durable sans un secteur bancaire solide et efficace». Il a rappelé l’engagement des banques à « travailler aux côtés des secteurs productifs industrie, agriculture, tourisme, technologies et services afin de transformer l’épargne en investissements productifs et de financer les projets créateurs d’emplois et de valeur ajoutée ». Il a insisté sur la nécessité d’une « véritable collaboration entre le secteur bancaire et l’ensemble de l’économie, fondée sur la confiance et l’intérêt national ». Dr Sfeir a appelé à « un dialogue constructif, des politiques claires et un plan de réformes globales qui traite les causes profondes de la crise ». Il a souligné que les banques « sont prêtes à faire partie de la solution, mais ne peuvent assumer seules la responsabilité de décennies de déséquilibres », plaidant pour « une approche équitable et inclusive où chaque institution assume pleinement ses responsabilités ». Évoquant la crise depuis 2019, il a rappelé que les banques ont fait face à « une tempête sans précédent provoquée par des décennies de politiques financières erronées et de dépenses publiques incontrôlées », mais qu’elles ont « maintenu leur structure institutionnelle et continué à servir leurs clients malgré les difficultés ». Il a réaffirmé trois priorités : – reconstruire les fonds propres selon les standards internationaux ; – restaurer la confiance des déposants et des investisseurs par une gouvernance exemplaire ; – développer des services innovants et numériques adaptés à l’économie du XXIe siècle. Enfin, Dr Sfeir a exprimé le souhait d’une coopération plus étroite avec les autorités, déplorant que la participation de l’Association des Banques aux débats législatifs reste « consultative plus que partenariale ». Il a appelé à une approche plus inclusive afin de renforcer le rôle du secteur bancaire dans la relance économique, affirmant que « le rôle des banques dépasse désormais celui d’un simple intermédiaire financier ».
Mohamed Choucair, Président des Instances Économiques Libanaises: « L’une des priorités majeures aujourd’hui est la relance du secteur bancaire libanais. »
Mohamed Choucair, Président des Instances Économiques Libanaises, a souligné que le Liban entre dans « une nouvelle phase » après l’élection du Président Joseph Aoun et la formation du gouvernement, marquant le retour au fonctionnement normal des institutions et le début d’un processus de restauration de la confiance.
Il a affirmé que le pays dispose de « capacités et de potentialités considérables », mais fait face à des priorités urgentes : la reconstruction des zones détruites, la modernisation des infrastructures, la réduction de la fracture financière et le renforcement de la protection sociale. Il a insisté sur le fait qu’« aucun plan de relance ne peut réussir sans le redressement du secteur bancaire libanais et sa capacité à retrouver son rôle au cœur de l’économie ».
Choucair a appelé les banques arabes à « s’intéresser au marché libanais » et à explorer les opportunités d’investissement, soulignant qu’il s’agit d’« investissements profitables, contribuant en parallèle au développement d’un pays arabe frère ». Selon lui, les opportunités sont nombreuses, tant dans le secteur privé industrie, tourisme, agriculture, technologies, immobilier que dans le secteur public, où l’État adopte de nouvelles approches fondées sur les partenariats public-privé, les BOT et des formes ciblées de privatisation.
En conclusion, il a mis en avant plusieurs indicateurs positifs, estimant que l’économie libanaise pourrait enregistrer une croissance de 5 % en 2025, et que le PIB, tombé à 18 milliards de dollars au plus fort de la crise, atteint désormais entre 38 et 40 milliards de dollars. Il a également relevé l’arrivée d’investissements d’un montant estimé entre 5 et 6 milliards de dollars ces dernières années.
Ahmed bin Mohamed Al Jarwan, Président du Conseil Mondial pour la Tolérance et la Paix: «Nous sommes prêts à coopérer avec l’Union des Banques Arabes et l’ensemble des partenaires pour lancer des initiatives conjointes qui soutiennent les efforts de reconstruction et stimulent le développement durable.»
Ahmed bin Mohamed Al Jarwan, Président du Conseil Mondial pour la Tolérance et la Paix, a décrit Beyrouth comme « la page blanche de la région », soulignant que « soutenir le Liban est un devoir arabe » et saluant le rôle mondial des élites libanaises.
Il a évoqué la visite attendue du Pape Léon XIV au Liban (27 novembre – 2 décembre 2025), la qualifiant de « message international clair de soutien au rôle historique du pays comme plateforme de dialogue et de rencontre civilisationnelle ». Selon lui, le choix du thème « Investir dans la reconstruction et le développement durable » reflète « une conscience arabe profonde des priorités de l’après-crise, où la reconstruction constitue la clé du retour de la confiance et de l’attractivité économique ». Al Jarwan a affirmé que « le développement durable offre le cadre le plus complet pour garantir une reconstruction équilibrée, génératrice de croissance, de justice et de stabilité », ajoutant que la tenue de la conférence à Beyrouth «confirme son statut de capitale arabe de l’expertise bancaire, économique et du dialogue stratégique». Il a présenté les initiatives du Conseil, notamment l’approche « Business Diplomacy », qui met l’accent sur le rôle de l’économie et de la création d’opportunités productives comme première ligne de défense contre l’extrémisme. Il a indiqué que le Conseil « œuvre à la tenue d’une conférence internationale élargie sur le rôle de l’économie dans la protection des sociétés ». Enfin, Al Jarwan a rappelé que « la reconstruction ne se limite pas aux infrastructures, mais implique la reconstruction de l’humain, de la confiance et des institutions », soulignant « la nécessité d’intégrer développement durable, bonne gouvernance, médias responsables et secteur financier performant ». Il a réaffirmé « la pleine disponibilité du Conseil à collaborer avec l’Union des Banques Arabes et l’ensemble des partenaires pour lancer des initiatives communes renforçant la reconstruction, le développement durable et la stabilité dans la région ».
L’ambassadeur Hossam Zaki, Secrétaire général adjoint et Chef du Cabinet du Secrétaire général de la Ligue des États Arabes: « Une nouvelle Convention arabe d’investissement est en préparation pour faciliter la circulation des capitaux. »
L’ambassadeur Hossam Zaki, Secrétaire général adjoint de la Ligue des États Arabes, a annoncé que la Ligue travaille à l’élaboration d’une nouvelle Convention arabe d’investissement visant à stimuler les flux d’investissement, faciliter la circulation des capitaux entre les pays arabes et renforcer la coopération face aux défis économiques mondiaux. Il a souligné l’attachement de la Ligue au renforcement de l’intégration économique arabe et au rôle moteur du secteur privé dans le développement, insistant sur la nécessité de valoriser le potentiel des jeunes et d’accroître la coopération interarabe pour soutenir la croissance. L’ambassadeur Zaki a affirmé la capacité du Liban à « absorber les chocs et bâtir un avenir meilleur » grâce à un renforcement de la coopération arabe et à l’orientation des investissements vers des projets à rendement durable. Il a conclu en appelant à une mobilisation collective des institutions arabes pour « assurer la compétitivité durable de la région et ouvrir de nouvelles perspectives d’investissement ».
Dr Wissam Fattouh, Secrétaire général de l’Union des Banques Arabes: Ala’a Eraiqat, CEO d’Abu Dhabi Commercial Bank (Émirats arabes unis), reçoit le Prix de la Personnalité Bancaire Arabe de l’Année 2025.
Le Dr Wissam Fattouh a prononcé l’allocution honorifique en l’honneur d’Ala’a Eraiqat, récipiendaire du Prix de la Personnalité Bancaire Arabe de l’Année 2025.
Dans une déclaration à la presse, il a souligné l’intérêt croissant d’investisseurs arabes pour le marché libanais, notamment dans les secteurs du tourisme et de l’immobilier. Il a rappelé qu’il convient de distinguer entre les opportunités d’investissement disponibles, même dans un contexte difficile, et la capacité limitée du secteur bancaire libanais à financer ces projets dans sa phase actuelle.
Dr. Fattouh a précisé que « des investisseurs arabes et étrangers sont prêts à financer des projets industriels, immobiliers ou autres, y compris au Liban », ajoutant que l’Union des Banques Arabes « joue un rôle clé pour attirer des investisseurs internationaux et soutenir le secteur bancaire arabe et libanais ». Il a insisté sur l’importance de « bâtir des leviers alternatifs en matière de financement » en attendant la pleine reprise du secteur bancaire.
Il a affirmé que l’intérêt d’investisseurs arabes pour le Liban est réel, comme en témoigne la forte participation arabe à la conférence, traduisant « une volonté régionale de renouer avec le marché libanais et de restaurer progressivement la confiance, malgré l’ampleur des défis ».
Dr. Fattouh a enfin souligné que si l’Union des Banques Arabes joue pleinement son rôle, « il appartient également au gouvernement libanais d’avancer sur les réformes législatives et économiques attendues ». Il a conclu en réaffirmant l’objectif de l’UAB : « reconstruire la confiance entre le Liban et son environnement arabe, pour rouvrir la voie à de nouveaux investissements arabes et internationaux ».
1. Élaboration d’une vision arabe unifiée de la reconstruction, fondée sur un cadre stratégique commun entre gouvernements et institutions bancaires, visant à définir les priorités sectorielles et à renforcer la capacité de la région à capter les financements internationaux.
2. Renforcement du rôle des banques arabes dans le financement des projets d’infrastructures et de reconstruction, à travers le développement de produits spécialisés et l’élargissement des mécanismes de co-financement avec les fonds arabes et régionaux.
3. Généralisation des partenariats public-privé (PPP) comme instrument structurant de financement des grands projets, avec la nécessité de moderniser les cadres législatifs, renforcer la gouvernance et garantir la transparence.
4. Accélération des réformes économiques, fiscales et administratives, en vue d’améliorer l’environnement des affaires, stimuler l’investissement privé et renforcer la compétitivité des économies arabes.
5. Intégration stratégique du numérique, de la fintech et de l’intelligence artificielle dans les processus d’évaluation, de financement, de gestion des risques et de suivi des projets de reconstruction.
6. Lancement d’initiatives arabes communes de financement en faveur des PME productives, en tant que moteur essentiel de la croissance économique, de la création d’emplois et de la stabilité sociale.
7. Renforcement de la coopération avec les grandes institutions financières internationales – Banque mondiale, FMI, BERD – afin de mobiliser des ressources additionnelles, fournir des garanties et sécuriser les grands projets structurants.
8. Confirmation que la stabilité politique, la bonne gouvernance et la transparence constituent le socle fondamental de toute reconstruction durable, sans lesquelles aucun investissement ne peut s’inscrire dans la durée.
Lors du Forum sur la Résilience de la Banque Africaine de Développement (BAD), du 1er au 3 octobre à Abidjan, auquel a participé le Programme des Nations Unies pour le développement (PNUD), des solutions concrètes pour financer la paix et la résilience en Afrique ont été présentées pour transformer les régions dites « fragiles » en opportunités d’investissements durables.
Comment les marchés financiers peuvent-ils financer la paix et renforcer la résilience sur le continent africain ? Cette question a rythmé les échanges du Forum sur la Résilience organisé par la Banque Africaine de Développement (BAD), qui a réuni investisseurs institutionnels, partenaires au développement et représentants gouvernementaux.
Le «coût de la fragilité»: un frein à l’investissement en Afrique Lors d’une des sessions, intitulée « Catalyser les marchés de capitaux pour financer la paix et libérer les opportunités d’investissement », Mme Blerta Cela, Représentante Résidente du PNUD en Côte d’Ivoire, a lancé un appel fort. « Le problème n’est pas le manque d’opportunités en Afrique, mais la manière dont le risque est perçu. Il faut changer la narration : passer de “fragile” à “investissable”, a-t-elle déclaré devant l’audience.
L’Afrique offre en effet des rendements sur les investissements directs étrangers (IDE) souvent supérieurs à ceux observés en Amérique latine ou en Asie. Pourtant, elle reste paradoxalement sous-financée. En cause : une prime de risque élevée, surnommée « prime de fragilité », qui augmente les coûts d’emprunt et dissuade les investisseurs. Cette perception biaisée du risque, amplifiée par les méthodologies de notation de crédit, coûtent à l’Afrique 74,5 milliards de dollars par an en intérêts excessifs et en prêts non obtenus. Un manque à gagner quasi équivalent à son déficit annuel de financement des infrastructures africaines. Pourtant, pour les investisseurs, l’Afrique ne devrait plus être une promesse lointaine : c’est un marché en pleine expansion, diversifié, jeune et innovant. Dans un contexte mondial en quête de nouvelles sources de croissance et de durabilité, le continent africain apparaît comme une évidence stratégique.
Une nouvelle approche: rendre la paix “bancable” Ainsi, pour inverser cette tendance, plusieurs institutions dont la BAD et le PNUD, aident les pays à renforcer leur solvabilité en comblant les lacunes de données et en facilitant le dialogue avec les agences de notation. Des programmes sont en cours en Côte d’Ivoire, en Somalie et en Éthiopie pour améliorer la perception des investisseurs et ainsi faciliter l’accès aux marchés financiers.
Ces institutions soutiennent également la conception et l’émission d’instruments financiers innovants, tels que les obligations vertes, sociales ou bleues, qui permettent de financer des investissements durables. Le PNUD a par exemple appuyé le Mexique, qui est devenu en 2020 le premier pays au monde à émettre une obligation souveraine liée aux Objectifs de Développement Durable (ODD), et en Côte d’Ivoire, a accompagné l’émission d’un emprunt souverain de 2,6 milliards USD dont une partie a été labellisée « durable » ainsi que la conception d’une obligation bleue de 375 millions USD liée à des indicateurs de cohésion sociale et de prévention des conflits.
Enfin, cette agence des Nations Unies s’est engagée à développer des pipelines de projets bancables et à soutenir l’écosystème des jeunes et des PME, comme l’illustrent des programmes comme timbuktoo et UNIPOD, qui valorisent l’investissement dans la formation, l’innovation locale « Made in Cote d’Ivoire » et le financement des jeunes entrepreneurs. Des résultats concrets: électrification, réformes et confiance des investisseurs L’approche de financement mixte commence déjà à porter ses fruits. Dans le Sahel, le PNUD a aussi mobilisé 50 millions USD de capitaux privés pour déployer des mini-réseaux solaires, électrifiant 350 villages et touchant près d’un million de personnes. Par ailleurs, des cadres régionaux d’émission d’obligations de durabilité sont en cours d’élaboration pour renforcer la transparence et la confiance des investisseurs.
Avec des outils financiers adaptés, il a été démontré qu’il était possible de transformer les défis de la fragilité en opportunités d’investissement à impact, pour une Afrique résiliente et tournée vers l’avenir . « La fragilité n’est pas une fatalité. Avec les bons mécanismes financiers, la jeunesse africaine, ses ressources et sa résilience peuvent devenir la prochaine frontière d’investissement à mille milliards de dollars », a conclu Mme Blerta Cela.
Transformer la paix en opportunité bancable constitue donc une approche utile pour aligner stabilité et développement sur les logiques financières internationales, mais elle ne peut réussir que si elle s’accompagne de réformes structurelles, d’une gouvernance crédible, et d’une redéfinition des critères de solvabilité pour y inclure la paix, la cohésion sociale et la résilience.
L’Arabie saoudite domine la liste Forbes des banques les plus importantes de la région Mena pour 2025
Les institutions financières du Royaume représentent près d’un tiers de la capitalisation boursière totale de 600,8 milliards de dollars des banques répertoriées
Les Émirats arabes unis suivent avec sept établissements évalués à 153,4 milliards de dollars
L’Arabie saoudite a dominé le classement Forbes des «30 banques les plus importantes en 2025», avec 10 entrées affichant une valeur de marché combinée de 269 milliards de dollars (1 dollar = 0,92 euro). Selon le média spécialisé dans les affaires, les institutions financières du Royaume représentent près d’un tiers de la capitalisation boursière totale de 600,8 milliards de dollars des banques répertoriées. Les Émirats arabes unis suivent avec sept établissements évalués à 153,4 milliards de dollars, tandis que le Qatar détient six banques d’une valeur de 76,7 milliards de dollars. Le Maroc et le Koweït se targuent de trois et deux banques sur la liste, avec des valeurs de marché de 23,7 milliards de dollars et 68,4 milliards de dollars, respectivement. Selon un récent rapport d’Ernst & Young, le secteur bancaire de la région du Moyen-Orient et de l’Afrique du Nord reste solide et devrait connaître une forte croissance en 2025, grâce à la diversification économique, à des conditions financières favorables et à une expansion économique prévue de 3,5%, alimentée par des projets d’infrastructure et une augmentation de l’activité non pétrolière. Dans un communiqué annonçant son dernier classement, Forbes a déclaré: «La liste de cette année comprend des banques de sept pays, dont 26 sont basées dans le Golfe. L’Arabie saoudite représente un tiers de la liste avec 10 entrées, pour une valeur de marché totale de 269 milliards de dollars.»
Le groupe de presse a noté que la valeur de marché totale des 30 banques a augmenté de 3,4% d’une année sur l’autre, passant de 581,1 milliards de dollars en février 2024 à 600,8 milliards de dollars au 31 janvier 2025.
La banque Al-Rajhi occupe la première place
La banque Al-Rajhi a conservé sa position de banque la plus importante de la région, avec une capitalisation boursière de 105,6 milliards de dollars, soit 17,6% de la valeur totale du marché des 30 banques.
Elle est suivie par la Saudi National Bank, avec 54,7 milliards de dollars, et la First Abu Dhabi Bank des Émirats arabes unis, évaluée à 43,7 milliards de dollars.
En dehors de ces trois premières banques, le groupe QNB du Qatar et la Kuwait Finance House occupent les quatrième et cinquième places, avec des valeurs de marché respectives de 41,2 milliards de dollars et 38,3 milliards de dollars.
Elles sont suivies par le groupe Emirates NBD des Émirats arabes unis, avec 28,9 milliards de dollars, et la National Bank of Kuwait du Koweït, avec 27,1 milliards de dollars. Parmi les autres banques notables du classement figurent Abu Dhabi Commercial Bank et Riyad Bank. La liste comprend également des banques du Maroc et d’Oman.
Un secteur résilient
Le secteur bancaire de la région Mena a fait preuve de stabilité au cours de l’année écoulée, grâce à la hausse des taux d’intérêt et à la vigueur des prix du pétrole.
Selon un rapport de Fitch Ratings publié en 2024, l’environnement économique de la région a permis à la plupart des banques du Conseil de coopération du Golfe de maintenir leurs niveaux de liquidité, leur rentabilité et leurs solides réserves de capital.
Forbes Middle East a établi ce classement sur la base des valeurs de marché déclarées des banques cotées en bourse dans le monde arabe au 31 janvier 2025. Les filiales des sociétés cotées en bourse ont été exclues du classement et les taux de change ont été calculés à la même date.
Source: Ce texte est la traduction d’un article paru sur Arabnews.com
Al Barid Bank et Visa lancent la carte Visa Business
pour accélérer l’inclusion financière
et la digitalisation des TPE et des professionnels au Maroc
Dans le cadre du nouveau positionnement d’Al Barid Bank sur le marché des Professionnels et de la TPE, et fidèle à ses valeurs d’inclusion et de modernisation continue, Al Barid Bank en partenariat avec Visa annonce le lancement officiel de la carte Visa Business. Cette solution de paiement innovante est spécialement conçue pour répondre aux besoins de ce nouveau marché stratégique pour la Banque. La carte Visa Business d’Al Barid Bank a été conçue pour soutenir les entrepreneurs et les porteurs de projets dans l’optimisation de la gestion de leur trésorerie et de leurs opérations financières professionnelles au Maroc et à l’étranger. Elle leur offre également un accompagnement au quotidien, grâce à des réductions et des avantages exclusifs proposés par Visa sur plus de 30 partenaires internationaux. « Le lancement de cette nouvelle carte Visa Business d’Al Barid Bank constitue une nouvelle étape pour adresser efficacement les professionnels et la TPE grâce à une proposition de valeur forte, cohérente avec leurs besoins au quotidien, et qui leur ouvre la voie à la croissance. Cette offre reflète notre ferme volonté de soutenir les commerçants, les artisans, les auto-entrepreneurs, les professionnels et la TPE, pour renforcer leur compétitivité à l’ère du digital » déclare Al Amine NEJJAR, Président du Directoire d’Al Barid Bank. « Avec Al Barid Bank, nous œuvrons à élargir l’accès aux paiements numériques et à booster l’inclusion financière, en particulier pour les TPE et les commerçants qui sont le moteur essentiel de l’économie marocaine. Ce nouveau lancement avec Al Barid Bank est une étape clé dans notre roadmap stratégique dans le Royaume », affirme Sami Romdhane, Directeur Général Visa au Maroc Fidèle à ses valeurs d’inclusivité et de proximité, Al Barid Bank propose désormais la carte Visa Business dans toutes ses agences, situées sur tout le Royaume même dans les localités les plus reculées.
Les Assemblées annuelles 2025 du FMI et de la Banque mondiale: Un tournant majeur pour la gouvernance financière mondiale
Les Assemblées annuelles 2025 du Fonds monétaire international (FMI) et du Groupe de la Banque mondiale, qui se sont tenues à Washington D.C. du 13 au 18 octobre 2025, ont constitué l’un des rendez-vous économiques mondiaux les plus marquants de ces dernières années. Dans un contexte international traversé par des tensions géopolitiques persistantes, un ralentissement économique généralisé et une montée des vulnérabilités financières, les réunions de Washington ont placé au centre des discussions la question essentielle de la reconstruction de la confiance dans le système financier mondial, tout en répondant aux besoins urgents du développement durable et du climat. Ministres des Finances, gouverneurs de banques centrales, dirigeants d’organisations internationales, investisseurs institutionnels, experts et représentants de la société civile ont participé à une semaine dense de débats et de consultations, au cours desquels plusieurs messages clés ont émergé : la nécessité d’une gouvernance financière plus équitable, l’urgence de moderniser les outils de financement du développement, et l’importance de renforcer les partenariats entre secteurs public et privé.
Le représentant du Conseil Économique, Social, Culturel et Environnemental du Tchad, en compagnie du Président du Groupe de la Banque mondiale, M. Ajay Banga, lors des Assemblées annuelles 2025.
Un contexte économique international qui appelait à des réponses structurantes
Les travaux des Assemblées annuelles ont été dominés par les préoccupations liées au ralentissement de la croissance mondiale et aux implications d’un cycle prolongé de taux d’intérêt élevés. La fragmentation géoéconomique, les perturbations persistantes des chaînes d’approvisionnement et les pressions sur les finances publiques ont pesé lourdement sur les perspectives économiques de 2025. Le FMI a rappelé que près de 60 % des économies émergentes faisaient face à des niveaux de dette préoccupants, nécessitant des solutions plus rapides, plus transparentes et plus inclusives pour les restructurations. Les discussions ont souligné l’importance d’accélérer le Global Sovereign Debt Roundtable et d’améliorer la coordination entre créanciers officiels et privés. Les institutions de Bretton Woods ont également insisté sur la nécessité de renforcer les banques multilatérales de développement. La Banque mondiale a présenté l’avancement de sa transformation en une « Banque du Climat et du Développement », un repositionnement stratégique visant à étendre son effet de levier pour répondre aux besoins colossaux de financement de la transition énergétique, de l’adaptation climatique et des infrastructures résilientes.
Le financement climatique et la transition énergétique au cœur des priorités
L’édition 2025 a donné une place centrale au financement climatique, thème devenu incontournable dans les débats internationaux. Les besoins mondiaux, estimés à plus de 2 400 milliards USD par an, ont rappelé l’urgence d’une mobilisation accrue du capital privé et d’une utilisation plus innovante des instruments financiers. La Banque mondiale a mis en avant de nouveaux mécanismes de garanties, financements mixtes et partenariats public–privé, destinés à attirer des investissements dans les secteurs de l’énergie propre, de la gestion de l’eau, de la mobilité durable et de l’agriculture résiliente. Les discussions ont également porté sur l’amélioration de l’accès aux financements concessionnels pour les pays vulnérables, ainsi que sur les conditions nécessaires pour que les transitions énergétiques restent justes, inclusives et compatibles avec les priorités nationales de développement.
Des enjeux stratégiques majeurs pour le monde arabe
Les délégations arabes ont été particulièrement actives durant ces Assemblées annuelles, mettant en avant une vision commune fondée sur la stabilité macroéconomique, l’intégration régionale, et l’accélération des réformes structurelles. Les pays du monde arabe ont souligné la nécessité : • d’élargir l’accès à des financements abordables pour soutenir la transition énergétique et hydrique; • d’approfondir les marchés de capitaux et de renforcer la supervision bancaire ; • de soutenir l’investissement privé, notamment dans les infrastructures et les PME ; • de promouvoir la transformation numérique, les fintech et l’inclusion financière. Plusieurs pays ont insisté sur l’urgence d’établir des mécanismes plus efficaces pour restructurer la dette et élargir l’espace budgétaire dans les économies en crise ou en transition. Les délégations ont également mis en lumière les progrès accomplis dans le domaine de la finance verte, avec une adoption croissante des cadres ESG, l’essor des marchés d’obligations vertes et durables, et l’intérêt grandissant pour les projets d’hydrogène, de désalinisation et d’infrastructures résilientes.
Le rôle central du secteur bancaire arabe Le secteur bancaire arabe a été reconnu pour sa résilience, sa solvabilité et sa capacité d’adaptation face aux mutations économiques mondiales. Les banques arabes, soutenues par des cadres prudentiels solides et une forte dynamique de digitalisation, ont été identifiées comme des acteurs clés pour : • le financement des transitions énergétique et écologique ; • l’expansion des solutions fintech et la modernisation des paiements ; • l’accélération de l’inclusion financière dans la région ; • la mobilisation de capitaux privés pour les infrastructures ; • la promotion des partenariats avec les banques multilatérales de développement. Dans ce cadre, l’Union des Banques Arabes (UAB) a été largement sollicitée comme plateforme régionale de coopération et de plaidoyer, permettant de relier les institutions financières arabes aux grandes initiatives mondiales en matière de développement, de finance durable et de stabilité bancaire.
Vers un nouveau contrat de gouvernance financière
L’un des enseignements majeurs des Assemblées annuelles 2025 réside dans la prise de conscience collective que l’architecture financière internationale doit évoluer pour répondre efficacement aux crises actuelles et futures. Les discussions ont mis en avant : • une demande croissante pour une gouvernance plus inclusive ; • un rôle accru des économies émergentes dans la prise de décision ; • une plus grande mobilisation du secteur privé dans le financement du développement ; • la nécessité de renforcer les mécanismes de prévention des crises ; • l’importance d’intégrer les impératifs climatiques au cœur des politiques économiques. Les Assemblées annuelles 2025 du FMI et de la Banque mondiale auront marqué une étape déterminante dans la réflexion mondiale sur l’avenir de la finance, du développement et de la gouvernance économique. Elles ont confirmé l’entrée dans une nouvelle phase, où the financement du climat, la transformation énergétique, la résilience économique et l’innovation financière constituent désormais les piliers d’une croissance durable. Pour le monde arabe, cette édition aura été l’occasion d’affirmer une vision commune, d’exposer des priorités régionales structurantes, et de renforcer la position du secteur bancaire arabe comme partenaire incontournable des transitions économiques à venir.
Reprise progressive des perspectives économiques dans la région Moyen Orient, Afrique du Nord, Afghanistan et Pakistan
Le dernier rapport économique de la Banque mondiale sur le Moyen-Orient, l’Afrique du Nord, l’Afghanistan et le Pakistan (MENAAP) indique une amélioration des perspectives économiques de la région, avec une croissance attendue de 2,8 % en 2025 et de 3,3 % en 2026. Toutefois, l’incertitude mondiale, les évolutions de la politique commerciale, ainsi que la persistance des conflits et des déplacements de population, continuent de peser sur les risques économiques. Les pays du Conseil de coopération du Golfe (CCG) devraient bénéficier de la levée progressive des réductions volontaires de la production pétrolière et du dynamisme de leurs secteurs non pétroliers. Les pays importateurs de pétrole devraient également enregistrer une amélioration de leur activité économique, soutenue par la consommation et l’investissement privés, ainsi que par le rebond de l’agriculture et du tourisme. En revanche, les pays en développement exportateurs de pétrole pourraient connaître un ralentissement marqué, sous l’effet des conflits et de la diminution de la production pétrolière. Le rapport intitulé L’inclusion des femmes au travail : un levier pour une croissance durable indique également que les pays de la région pourraient améliorer les conditions de vie d’un plus grand nombre de personnes en mobilisant pleinement le potentiel de leur main-d’œuvre. Aujourd’hui, les talents et compétences des femmes demeurent largement sous-utilisés. Les données révèlent qu’à peine une femme sur cinq fait partie de la population active — le taux le plus faible au monde — malgré des progrès notables en matière d’éducation et de compétences. « J’appelle à des actions audacieuses, et non à des mesures partielles, a déclaré Ousmane Dione, vice-président de la Banque mondiale pour la Région Moyen-Orient, Afrique du Nord, Afghanistan et Pakistan. Pour libérer tout le potentiel des femmes de la région, il est nécessaire de lever l’ensemble des obstacles à leur inclusion grâce à des mesures globales. Un secteur privé dynamique, créateur d’emplois et porteur d’ambitions nouvelles, est la clé de véritables progrès. » S’appuyant sur une analyse tenant compte des choix des ménages, des normes sociales, des cadres juridiques et du rôle des entreprises, le rapport évalue les gains potentiels que les économies de la région pourraient réaliser en supprimant les obstacles qui freinent la participation pleine et entière des femmes à la vie active. Nulle autre région n’a autant à gagner de la levée de ces obstacles. « L’augmentation du taux d’activité des femmes peut se traduire par d’immenses gains économiques », a déclaré Roberta Gatti, économiste en chef pour la Région Moyen-Orient, Afrique du Nord, Afghanistan et Pakistan. « La suppression des obstacles à l’emploi des femmes pourrait accroître le PIB par habitant de 20 à 30 % en Égypte, en Jordanie et au Pakistan. » Source site Banque mondiale
La visite historique du Pape Léon au Liban: un signal de confiance et un levier pour la paix sociale et la relance économique
Alors que le Liban traverse l’une des périodes les plus critiques de son histoire moderne, la visite historique du Pape Léon XIV, entamée le 30 novembre 2025, intervient comme un souffle d’espoir et un signal puissant adressé au pays et au monde. Porteur d’un message de paix, de réconciliation et de solidarité, le souverain pontife remet le Liban au centre de l’attention internationale et ouvre une fenêtre d’opportunité pour renforcer la cohésion sociale, restaurer la confiance des partenaires internationaux et relancer une dynamique économique indispensable à la reconstruction.
Le 30 novembre 2025 marque un tournant majeur pour le Liban. En entamant sa visite officielle, Sa Sainteté le Pape Léon XIV adresse au pays un message puissant d’espérance, de stabilité et de réconciliation. « Blessed are the peacemakers! », a-t-il déclaré dès son arrivée, rappelant que « la paix n’est pas simplement une aspiration, mais une vocation pour le Liban ». Au-delà de sa portée spirituelle, cette visite s’impose comme un événement stratégique aux répercussions sociales, diplomatiques et économiques profondes pour un pays en quête de reconstruction. Dans un Liban éprouvé par la crise institutionnelle, la fragilisation du tissu social et l’exode massif des compétences, les premiers mots du Souverain Pontife résonnent comme un appel à la persévérance et à la responsabilité collective. « La paix est un don, mais aussi un travail constant, un chantier toujours ouvert », a-t-il souligné, exhortant les Libanais à ne pas céder au désespoir ni à l’exil : « Vous êtes la richesse vivante du Liban. Restez dans votre pays. » Un message d’une portée vitale, alors que le capital humain moteur de l’innovation, de la productivité et de la croissance s’érode dangereusement. Cet appel à l’unité et à l’engagement continu intervient à un moment décisif. Alors que les tensions freinent la relance, il constitue un signal fort pour stabiliser les attentes économiques, restaurer la confiance des ménages et des entreprises, et recréer un climat propice aux décisions d’investissement, condition essentielle à la reconstruction et au redressement durable du pays.
Un message fort adressé à la communauté internationale
La visite du Pape Léon XIV envoie un signal diplomatique majeur. En replaçant le Liban sous les projecteurs internationaux, elle ravive l’attention des partenaires financiers, politiques et humanitaires. Dans son discours aux autorités, il a exhorté la communauté internationale à « ne pas abandonner le Liban », rappelant qu’il s’agit d’un pays dont « le rôle de pont entre cultures et religions est vital pour toute la région ». Il a également interpellé les dirigeants libanais : « La paix exige un leadership courageux, capable de mettre l’objectif du bien commun au-dessus des intérêts particuliers. » Ces paroles renforcent la crédibilité internationale du Liban et peuvent encourager : • des engagements accrus des institutions financières internationales, • le retour de la confiance des bailleurs de fonds, • la mobilisation plus efficace de l’aide à la reconstruction, • la reconstitution des partenariats bilatéraux dans les secteurs sociaux.
Des retombées économiques et sociales immédiates
La visite du Pape génère des retombées immédiates pour l’économie locale. Le tourisme religieux connaît un regain notable, dynamisant l’hôtellerie, la restauration et les commerces. Les médias internationaux amplifient l’image positive du pays, mettant en lumière son patrimoine religieux et culturel. Le Pape met en lumière les atouts uniques du Liban :« Votre pays possède des trésors spirituels et humains capables de porter une renaissance durable. » Un rappel que la richesse du Liban réside dans son patrimoine, sa diversité culturelle et sa capacité historique à résister et à se réinventer.
La diaspora, pilier essentiel de la relance
Parmi les effets indirects mais déterminants de cette visite historique figure son impact sur la diaspora libanaise. Principal soutien financier du pays à travers les transferts de fonds, les investissements familiaux et les initiatives sociales, la diaspora demeure extrêmement sensible aux signaux de stabilité, de confiance et de reconnaissance internationale. En ravivant l’espoir et en rehaussant l’image du Liban sur la scène mondiale, la visite du Pape est susceptible de déclencher une dynamique vertueuse : renforcement des transferts financiers, retour progressif d’investisseurs libanais, regain du tourisme familial et accélération des projets sociaux, éducatifs et culturels portés par les expatriés. Dans une économie qui repose largement sur ces flux vitaux, cet effet de confiance constitue un levier immédiat, concret et stratégique pour soutenir la relance et stabiliser les équilibres financiers du pays.
Un momentum pour les réformes et la relance institutionnelle
Dans un pays où la paralysie institutionnelle a freiné les réformes, le message du Pape Léon constitue une opportunité précieuse. S’adressant directement aux responsables politiques, il a déclaré : « Le Liban mérite des institutions transparentes, qui servent et protègent les plus vulnérables. » Cet appel à la responsabilité institutionnelle met en lumière la nécessité de: • renforcer la gouvernance publique, • engager des réformes économiques structurelles, • promouvoir une croissance inclusive, • lutter contre la corruption et les inégalités. Pour les banques et les institutions financières, cette dynamique offre un cadre favorable pour : • renforcer les partenariats avec les acteurs internationaux, • financer des projets de reconstruction, • soutenir la finance durable et inclusive, • contribuer à une stabilité sociale indispensable au développement.
une visite porteuse d’espérance et d’opportunités
La visite du Pape Léon XIV n’efface pas les défis profonds du Liban, mais elle en modifie significativement le climat social, psychologique et géopolitique. En ravivant la confiance de la population, en rassurant les partenaires internationaux et en remettant le Liban sur la carte mondiale, elle offre au pays un levier d’espérance, de transformation et de renouveau.
Le message pontifical « le Liban est un message de paix pour le monde » résonne comme une feuille de route: aucune reconstruction durable n’est possible sans cohésion, confiance et stabilité. Cette visite historique s’inscrit ainsi parfaitement dans l’ambition de cette 10e édition de la Revue UAB, dédiée au financement de la paix et aux perspectives de reconstruction économique.
Entretien exclusive avec Dr. Hanan Morsy, fondée sur les analyses, constats et recommandations du rapport du Groupe d’experts Afrique du G20:
«Croissance, dette et développement-Opportunités pour un nouveau partenariat avec l’Afrique» (Présidence sud-africaine du G20, novembre 2025)
Afrique-G20: vers un nouveau pacte pour la croissance, la stabilité et l’investissement
Dr. Hanan Morsy
Secrétaire exécutive adjointe (Programmes)
et économiste en chef à la Commission économique des Nations Unies pour l’Afrique.
Et si la prospérité mondiale du XXIe siècle dépendait de la réussite économique de l’Afrique?
Au croisement des transitions démographique, énergétique et industrielle, le continent africain s’impose désormais comme l’un des principaux moteurs potentiels de la croissance mondiale. Mais cette promesse reste entravée par un financement coûteux, une dette sous pression et une architecture financière internationale encore largement inadaptée.Le Rapport 2025 du Groupe d’experts Afrique du G20 plaide pour un tournant décisif : instaurer un nouveau pacte Afrique–G20, capable d’aligner la finance mondiale sur les véritables fondamentaux économiques du continent.Dans cet entretien exclusif, Dr Hanan Morsy, Secrétaire exécutive adjointe et Économiste en chef de la Commission économique des Nations Unies pour l’Afrique, décrypte les réformes clés et esquisse les contours d’une croissance africaine durable, inclusive et stratégique – un horizon d’opportunités majeur pour les banques arabes.
Le Rapport Afrique – G20 2025
En BREF
Le Rapport 2025 du Groupe d’experts Afrique du G20 marque un tournant majeur dans la lecture du rôle économique du continent africain. Il affirme que l’Afrique n’est plus un acteur périphérique de l’économie mondiale, mais l’un de ses principaux pôles de croissance potentielle pour les décennies à venir, portée par une dynamique démographique sans équivalent, un vaste potentiel énergétique et des opportunités d’investissement parmi les plus rentables au monde. Le rapport met toutefois en lumière un paradoxe structurel : malgré des fondamentaux solides, l’Afrique demeure freinée par un coût du capital excessivement élevé, une pression croissante sur la dette souveraine et une architecture financière internationale inadaptée, qui renchérit artificiellement le financement et limite l’investissement productif. Face à ce constat, le Groupe d’experts appelle à instaurer un nouveau pacte Afrique–G20, fondé sur quatre axes structurants : • une approche globale et proactive de la dette, allant au-delà du simple rééchelonnement ; •un renforcement du rôle des banques multilatérales et régionales de développement, afin de mobiliser davantage de financements de long terme ; •une réforme des règles financières internationales, notamment en matière de notation du risque et de régulation prudentielle; • un effort massif en faveur de l’investissement productif, des infrastructures, de l’énergie, de l’intégration régionale et de l’innovation. Pour les institutions financières arabes, ces orientations ouvrent un champ stratégique majeur. Le rapport souligne l’importance de renforcer la coopération financière Afrique–monde arabe et d’activer des instruments tels que le financement de projets, le financement du commerce, la finance islamique et les mécanismes de financement mixte, afin d’accompagner la transformation économique du continent et d’en partager les opportunités.
Entretien exclusive avec Dr. Hanan Morsy
1. Le rapport affirme que l’accroissement de la productivité africaine constitue l’un des principaux moteurs potentiels de la prospérité mondiale au XXIe siècle.Comment analysez-vous cette affirmation, et quelles implications concrètes en tirez-vous pour le rôle économique et stratégique de l’Afrique aujourd’hui ?
Il s’agit d’un changement fondamental de modèle de croissance. Historiquement, la croissance de l’Afrique a été tirée par l’accumulation des facteurs – davantage de travail et de capital – plutôt que par les gains de productivité globale des facteurs. Or, ce modèle a atteint ses limites. L’Afrique représente environ 17 % de la population mondiale, mais ne contribue qu’à moins de 3 % du PIB mondial. Cet écart ne traduit pas un manque de potentiel, mais un sous-investissement persistant dans les moteurs de la productivité, tels que les infrastructures, le capital humain et la technologie. La nouvelle opportunité réside dans les technologies de pointe : l’Afrique concentre près de 60 % du potentiel solaire premium mondial et environ 30 % des minerais critiques nécessaires à la transition énergétique mondiale. Si l’Afrique parvient à accroître sa productivité, elle pourra stimuler la croissance du PIB par un effet multiplicateur, se traduisant par des créations d’emplois, une hausse des revenus et un élargissement de l’espace budgétaire. Cette dynamique ne serait pas isolée. À l’heure où l’économie mondiale recherche de nouveaux moteurs de demande et de croissance verte, la transformation structurelle de l’Afrique constitue une opportunité partagée pour l’économie mondiale.Ce potentiel est déjà perceptible, mais sa concrétisation exige un engagement clair en faveur d’un relèvement des dépenses nationales de recherche et développement à 1 % du PIB. La prospérité mondiale a besoin de nouveaux moteurs de demande, et une Afrique productive et industrialisée représente le plus puissant levier de croissance aujourd’hui disponible. Le message est sans équivoque : la prospérité mondiale repose sur une prospérité inclusive. Et l’Afrique, à condition d’être correctement financée et pleinement intégrée aux chaînes de valeur, est en mesure d’y contribuer de manière décisive.
2. Le rapport préconise la mise en place d’une nouvelle Initiative du G20 de refinancement de la dette, plutôt qu’un simple rééchelonnement.Pourquoi le refinancement constitue-t-il, selon vous, une réponse plus appropriée à ce stade pour les pays africains à faible revenu ?
Nous sommes confrontés à un mur de liquidité, et non à un simple problème de solvabilité. En 2025, l’Afrique a dû faire face à une charge de 89 milliards de dollars au titre du service de la dette extérieure, tandis que le montant prévu pour 2026 s’élève actuellement à 85 milliards de dollars. Le rééchelonnement ne fait que retarder le poids de la dette, souvent à des taux d’intérêt plus élevés. Ce dont nous avons besoin, c’est d’un reprofilage ex ante de la dette, permettant de gérer les passifs avant qu’un défaut ne survienne. Depuis 2020, plus de 40 % du service de la dette extérieure africaine a été versé à des créanciers commerciaux, souvent à des taux d’intérêt à deux chiffres. Le refinancement permet aux pays de remplacer une dette commerciale coûteuse par des financements concessionnels de plus longue maturité, améliorant ainsi la soutenabilité de la dette et libérant un espace budgétaire en faveur des investissements prioritaires. Le rééchelonnement reporte les remboursements sans en modifier les conditions. Le refinancement, en revanche, permet de réduire la valeur actuelle nette de la dette sans déclencher un événement de défaut, en particulier lorsqu’il est mis en œuvre de manière proactive. Pour les pays les plus vulnérables, cette approche est plus attractive et moins stigmatisante, car elle encourage une intervention précoce plutôt qu’une restructuration de dernier recours.
3. Comment une meilleure qualité des données économiques et une évolution des pratiques de notation du crédit peuvent-elles contribuer à réduire le coût de l’emprunt pour les pays africains ?
Le coût du capital est déterminé par la tarification du risque, et la tarification du risque dépend avant tout de la qualité de l’information. Or, la prime de risque actuellement appliquée à l’Afrique n’est pas justifiée par les fondamentaux économiques. Nos analyses montrent que les pays africains paient des coûts d’emprunt nettement supérieurs à ceux de pays présentant des profils macroéconomiques comparables, uniquement en raison d’un biais de perception. Les projets d’infrastructure en Afrique soutenus par l’International Finance Corporation** affichent des performances remarquables**, avec des rendements moyens cinq fois supérieurs à ceux de l’S&P 500.Par ailleurs, les taux de défaut de ces grands projets d’infrastructure dans les pays en développement — après leur mise en service — ne sont pas supérieurs à ceux observés pour la dette d’entreprises investment grade (BBB-) dans les économies à revenu élevé. Ce constat s’appuie sur plus de 30 années de données issues du Global Emerging Markets Risk Database Consortium, qui a analysé environ 15000 prêts. L’Afrique supporte une prime de crédibilité liée aux données : face à une opacité perçue, les investisseurs exigent des rendements plus élevés pour se prémunir contre le risque. Le renforcement de la transparence des données macroéconomiques, budgétaires et au niveau des projets peut, avec le temps, réduire les écarts de taux. Cette sur-prime détourne des milliards de dollars qui pourraient être consacrés à la santé et à l’éducation. La réponse est structurelle. Nous avançons vers la création d’une Agence africaine de notation de crédit, afin d’offrir une évaluation du risque souverain équilibrée et contextualisée. l est tout aussi essentiel de réformer les méthodologies de notation du crédit, qui tendent à surévaluer les vulnérabilités externes et à sous-pondérer les progrès en matière de politiques publiques. Ainsi, plusieurs États africains ont maintenu des excédents primaires et mis en œuvre des réformes significatives, sans que leurs notations n’évoluent pour autant. Par ailleurs, à travers un renforcement de la supervision réglementaire, les agences de notation doivent revoir leurs approches afin de cesser de pénaliser les investissements d’infrastructure de long terme en les assimilant à des risques de liquidité de court terme. Une meilleure qualité des données, associée à des évaluations plus cohérentes et plus transparentes, permettrait d’aboutir à des coûts d’emprunt plus équitables et d’encourager des politiques publiques prudentes et responsables.
4. Que reste-t-il à accomplir pour permettre à la Zone de libre-échange continentale africaine (ZLECAf) de déployer pleinement son potentiel ?
Selon nos propres estimations publiées dans le Rapport économique sur l’Afrique 2024, la Zone de libre-échange continentale africaine pourrait accroître le commerce intra-africain jusqu’à 45 % à l’horizon 2045, à condition de lever un certain nombre de freins structurels. Le premier concerne les infrastructures. Les déficits en matière de transport, d’énergie et de technologies de l’information et de la communication (TIC) rendent le commerce en Afrique 50 % plus coûteux que la moyenne mondiale, selon la Conférence des Nations Unies sur le commerce et le développement. Cette situation pénalise la compétitivité du continent, en particulier celle des pays enclavés. L’investissement dans la logistique et la connectivité numérique est donc un levier essentiel pour libérer le potentiel de croissance de la ZLECAf. Deuxièmement, l’harmonisation réglementaire: la simplification des normes, des procédures douanières et des mécanismes de protection des investissements permettrait de réduire les barrières non tarifaires et de créer l’effet d’échelle d’un véritable marché continental. Troisièmement, les capacités productives : sans des écosystèmes solides dans l’industrie manufacturière et l’agro-transformation, l’accord aura un impact limité. Un soutien ciblé aux PME, le développement de zones et parcs industriels, ainsi que le renforcement des compétences sont essentiels pour en assurer le plein succès. Quatrièmement, la réduction des coûts de transaction : le Système panafricain de paiement et de règlement (PAPSS) permet d’effectuer des échanges en monnaies locales et peut réduire les coûts de transaction de près de moitié. Il est toutefois également nécessaire d’accélérer la mise en œuvre du Protocole sur le commerce numérique afin de créer un marché numérique unifié à l’échelle continentale.En supprimant les frictions liées à la conversion des devises et en harmonisant les règles numériques, il ne s’agit pas seulement de faciliter les échanges de biens, mais de construire des chaînes de valeur régionales capables de résister aux chocs mondiaux. La Zone de libre-échange continentale africaine constitue à la fois une réforme structurelle et une assurance face à la fragmentation de l’économie mondiale. La concrétisation de ses bénéfices suppose toutefois une coordination institutionnelle étroite, des financements adéquats et une mise en œuvre soutenue dans la durée. Dans un contexte de montée des tensions commerciales et de renforcement du protectionnisme sur des marchés partenaires clés, comme les États-Unis, le commerce intra-africain demeure notre rempart le plus fiable.
5. Quel rôle la Banque africaine de développement (BAD) et les autres institutions financières de développement africaines doivent-elles jouer dans un contexte de raréfaction des financements concessionnels ?
Des institutions comme la Banque africaine de développement sont idéalement positionnées pour combler les déficits de financement, car elles allient une connaissance fine des contextes locaux à une forte crédibilité auprès des marchés, notamment dans un contexte de recul marqué de l’aide publique bilatérale au développement, en baisse de près de 70 % dans des secteurs tels que la santé. Elles devraient concentrer leurs efforts autour de trois priorités majeures : 1. Effet de levier : accroître le recours aux garanties et aux instruments de partage du risque. Chaque dollar de capital appelable doit permettre de catalyser des multiples de financements privés. 2. Effet d’échelle : recapitaliser les guichets concessionnels – tels que le Fonds africain de développement – afin de préserver l’accès des États fragiles au financement et de soutenir l’adaptation climatique. 3. Innovation : jouer un rôle moteur dans le déploiement de nouveaux instruments financiers, notamment les obligations liées à la durabilité, les plateformes de financement mixte, ainsi que le développement de pipelines bancables et reproductibles pour les infrastructures vertes. À mesure que les flux concessionnels mondiaux stagnent, les institutions financières de développement africaines (DFI) doivent s’imposer comme des acteurs de première ligne, capables de porter à la fois l’impact du développement et l’innovation financière. Pour garantir un appui plus cohérent et plus robuste au développement du continent, il est indispensable de renforcer la coopération et de créer de plus fortes synergies entre les DFI africaines.Par ailleurs, il est urgent de mettre en œuvre la réaffectation des droits de tirage spéciaux (DTS) au profit des banques multilatérales de développement, telles que la Banque africaine de développement, sous forme de capital hybride. Ce mécanisme permet de transformer chaque dollar de DTS en trois à quatre dollars de nouveaux prêts. Il s’agit d’une solution éprouvée et non inflationniste pour accroître les capacités de bilan de nos institutions, sans alourdir les budgets des actionnaires.
6. Quelles sont, selon vous, les trois actions les plus urgentes que le G20 et les dirigeants africains doivent engager dès à présent ?
Nous devons passer du diagnostic à l’action, car l’enlisement du développement risque d’entraîner des effets de cicatrisation durables susceptibles d’hypothéquer définitivement les perspectives africaines. Premièrement, mettre en œuvre un mécanisme opérationnel de refinancement de la dette pour les pays les plus vulnérables, axé sur la réduction des coûts de financement, l’allongement des maturités et l’articulation de l’allègement de la dette avec des investissements dans la résilience. Le Cadre commun du G20 réformé doit être strictement encadré dans le temps, transparent, et intégrer un moratoire automatique sur le service de la dette dès qu’un pays dépose une demande. Deuxièmement, accélérer la réforme des banques multilatérales de développement (BMD) : s’engager à optimiser les bilans, porter la part des garanties à 20–25 %, et adapter les cadres réglementaires qui pénalisent les prêts destinés à des projets africains à fort impact. À cet égard, la reconstitution des ressources de l’Association internationale de développement (IDA21 doit être une priorité, tout comme la capitalisation des BMD, car l’Afrique a besoin de financements concessionnels bien plus élevés que ceux actuellement disponibles pour faire face à l’ampleur des crises climatique et du développement. Troisièmement, veiller à ce que la voix institutionnelle de l’Afrique soit pleinement reflétée dans la gouvernance mondiale. Le siège de l’Union africaine au G20 doit se traduire par une influence réelle sur les politiques, en particulier en matière de commerce, de dette et de règles de financement climatique. Quatrièmement, investir résolument dans l’économie des données, en considérant les infrastructures numériques – telles que les centres de données et le haut débit – comme de véritables actifs souverains. L’Afrique doit maîtriser les infrastructures qui alimenteront ses futurs secteurs de l’IA et de la fintech. La fenêtre de réforme est étroite. Des ajustements marginaux ne suffiront pas à combler le déficit de financement des Objectifs de développement durable estimé à 1 300 milliards de dollars. Ce qu’il faut, ce sont des réformes structurelles capables d’aligner le potentiel africain avec les exigences de la stabilité mondiale. Analyse de l’Union des Banques Arabes (UBA) : implications stratégiques pour le secteur bancaire arabe La montée en puissance économique de l’Afrique ouvre une nouvelle vague d’opportunités pour les banques arabes. À mesure que le continent accélère son intégration à travers la Zone de libre-échange continentale africaine et intensifie les investissements dans les infrastructures, la transition énergétique, l’agriculture et les industries numériques, les besoins de financement sont appelés à croître fortement. Les banques arabes disposent d’atouts solides pour accompagner cette dynamique, notamment via le financement de projets, le financement du commerce, la finance islamique et les structures de financement mixte, capables de réduire les risques associés aux investissements de grande envergure. Le renforcement des liens financiers Afrique–monde arabe sera également déterminant à mesure que le commerce transfrontalier s’intensifie et que les chaînes de valeur régionales se consolident. Dans ce contexte, l’Union des Banques Arabes peut jouer un rôle pivot : agir comme pont institutionnel entre les économies africaines et les institutions financières arabes, promouvoir la coopération, renforcer les capacités, et contribuer à la mobilisation de capitaux en soutien à la prochaine phase de croissance du continent.
Fin d’année à haut risque, des marchés financiers aux grandes économies: et si les avertissements du Fonds monétaire international et des banques américaines se confirmaient?
Par M.Mazen Hammoud, Analyste Economiste et financier – Paris
À l’approche de la fin de l’année, les mises en garde des grandes banques américaines se font de plus en plus pressantes. D’un côté, la crainte d’une bulle prête à éclater sur les marchés financiers, dopés par l’euphorie des valeurs technologiques ; de l’autre, l’ombre d’un ralentissement de la croissance de l’économie américaine, longtemps perçue comme le phare guidant l’économie mondiale. Dans les deux scénarios, les perspectives s’assombrissent et laissent présager un début d’année prochaine sous tension. Le spectre des grandes crises refait surface, de l’explosion de la bulle internet en 2000 à la débâcle immobilière de 2008, dans un climat désormais alourdi par l’escalade de la guerre commerciale et la montée des barrières douanières à l’échelle planétaire. À cela s’ajoutent les inquiétudes clairement affichées par de grandes institutions financières internationales, au premier rang desquelles le Fonds monétaire international, quant à la fragilité croissante de l’économie de l’Union européenne, et notamment de l’Allemagne, moteur historique de la zone euro, aujourd’hui confrontée à des secousses inédites et à un net essoufflement. Quant à l’économie chinoise, deuxième puissance mondiale et locomotive des marchés émergents, sa dynamique de croissance donne elle aussi des signes d’essoufflement en cette fin d’année, après un repli observé entre le deuxième et le troisième trimestre, sur fond de la plus grave crise immobilière qu’ait connue le pays. Le Japon, pour sa part, lutte pour éviter une rechute en territoire négatif, après avoir déjà flirté avec la récession en 2023. Ce paysage inédit d’incertitudes financières, économiques et commerciales se trouve encore assombri par les tensions géopolitiques persistantes au Moyen-Orient. Autant de facteurs qui maintiennent l’économie mondiale en équilibre instable entre ralentissement et risques d’escalade. La guerre des droits de douane engagée en 2025 a, en outre, contribué à redessiner un environnement économique hautement imprévisible pour la période 2025-2026.
Cap sur le front américain
Selon les prévisions d’économistes des plus grandes banques américaines, la croissance devrait nettement ralentir dès cette année et en 2026, sur fond de risques croissants de récession si la poursuite des droits de douane sur les importations venait à s’inscrire dans la durée. Une dynamique qui pourrait aggraver la fragilité déjà perceptible de l’économie américaine, avec une croissance attendue autour de 2,1 % d’ici fin 2025 et pour 2026, après avoir atteint 2,8 % en 2024.
plus tôt cette année, le comité consultatif économique de l’American Bankers Association (ABA), composé de seize principales institutions financières américaines, a tiré la sonnette d’alarme : la performance de l’économie américaine en 2025 pourrait être en deçà des attentes. Selon ces experts, les récentes hausses des droits d’importation — malgré les accords conclus avec plusieurs partenaires commerciaux des États-Unis et les ajustements qui ont suivi — ont contribué à installer un climat d’incertitude sur les marchés financiers comme dans les entreprises. Ces tensions commerciales, conjuguées à des politiques tarifaires instables, alimentent désormais des anticipations de croissance erratiques. Le ralentissement attendu s’explique ainsi par l’affaiblissement de la demande et par un environnement macroéconomique devenu plus fragile, après une année 2024 où la consommation avait été le principal moteur de la croissance. Or, la hausse des droits de douane agit comme un facteur inflationniste, pesant mécaniquement sur la demande de biens importés devenus plus coûteux. Dans le même temps, les risques pesant sur le marché de l’emploi sont venus assombrir davantage le tableau. Les orientations de la Réserve fédérale en matière de politique de taux ont, elles aussi, semé le trouble sur des marchés en quête de placements à la fois rentables et sécurisés, dans un contexte marqué par la volatilité des taux d’intérêt et par une série d’ajustements à la baisse dictés par l’évolution de l’inflation. Les experts de l’American Bankers Association (ABA) estiment ainsi que la Fed sera confrontée à d’importants défis pour ramener l’inflation vers son objectif de 2 %, d’autant que la capacité des ménages à absorber de nouvelles hausses de prix s’est réduite, en raison d’un niveau d’épargne inférieur à celui observé au lendemain de la crise du Covid-19. La commission souligne enfin que, si la croissance demeure positive à ce stade, les risques pour 2025 et au-delà restent élevés, notamment en cas d’échec des accords commerciaux conclus entre les États-Unis et leurs partenaires. Depuis le lancement, en début d’année, d’une nouvelle vague de droits de douane particulièrement élevée, chaque prolongation des mesures tarifaires accroît mécaniquement la probabilité d’une entrée en récession.
Autre signal d’alerte majeur: celui des marchés financiers
Les grandes banques de Wall Street ont récemment évoqué la probabilité d’une correction imminente des marchés, susceptible d’entraîner une baisse des capitalisations boursières pouvant atteindre 20%. Des institutions comme Goldman Sachs et Morgan Stanley ont ainsi appelé les investisseurs à se préparer, dès cette année et jusqu’en 2026, à un tel ajustement, après la forte envolée enregistrée depuis le début de l’année, en particulier sur les valeurs technologiques et celles liées à l’intelligence artificielle. Pour autant, ces établissements ne parlent pas de crise à proprement parler, mais plutôt d’un ajustement jugé sain, même s’il pourrait se traduire par des pertes sensibles pour les petits porteurs. Le directeur général de Goldman Sachs, David Solomon, a rappelé que la recommandation constante de la banque à ses clients demeure de rester investis, tout en procédant à une réallocation régulière des portefeuilles, plutôt que de tenter d’anticiper les mouvements de marché. De son côté, Ted Pick, directeur général de Morgan Stanley, estime qu’« il faut accueillir favorablement l’éventualité de corrections marquées, pouvant aller jusqu’à 20 %, tant qu’elles ne résultent pas de chocs économiques majeurs ou d’effondrements soudains». Ces mises en garde, à la fois prudentes et rassurantes « pas de panique, mais de la vigilance» interviennent dans un climat déjà alourdi par des avertissements plus pessimistes encore, émanant du président de la Réserve fédérale, Jerome Powell, et du gouverneur de la Banque d’Angleterre, Andrew Bailey, qui ont tous deux alerté sur la surchauffe des valorisations boursières à l’échelle mondiale.
Le Fonds monétaire international entre à son tour dans l’alerte.
Les mises en garde sur un possible retournement des marchés ne viennent pas seulement des milieux bancaires. La plus grande institution financière mondiale, le Fonds monétaire international (FMI), a à son tour tiré la sonnette d’alarme en octobre dernier, évoquant le risque d’une correction soudaine des marchés boursiers mondiaux. En cause : l’essor fulgurant de l’intelligence artificielle et l’introduction massive en Bourse des entreprises qui portent cette révolution technologique, un emballement susceptible, selon le FMI, de raviver les niveaux de la bulle « dot-com » du début des années 2000. La directrice générale du Fonds, Kristalina Georgieva, a mis en garde contre un basculement brutal des effets positifs attendus de l’intelligence artificielle sur la productivité, qui pourrait, en cas d’excès, se retourner contre l’économie mondiale. « Les valorisations se rapprochent aujourd’hui de celles que nous observions au moment de l’euphorie liée à l’internet, il y a vingt-cinq ans », a-t-elle souligné. Si l’enthousiasme autour de l’intelligence artificielle a largement soutenu les marchés et contribué à dynamiser l’activité mondiale, le FMI prévient qu’un repli brutal des cours serait susceptible de freiner la croissance globale et de peser plus lourdement encore sur les économies émergentes, particulièrement vulnérables aux chocs financiers. Les inquiétudes liées à la formation d’une bulle financière ne cessent de s’intensifier. L’indice de référence S&P 500 a récemment enchaîné des hausses spectaculaires, atteignant à plusieurs reprises des niveaux qui ravivent le souvenir de l’euphorie de l’an 2000. Cette dynamique a fortement rejailli sur le Nasdaq, où les valeurs liées à l’intelligence artificielle ont toutefois subi parmi les corrections les plus sévères. À ce climat déjà sous tension s’est ajoutée la paralysie budgétaire aux États-Unis, avec l’épisode du « shutdown » intervenu entre octobre et novembre 2025, pour une durée de six semaines, la plus longue de l’histoire du pays. Cet arrêt partiel de l’activité fédérale a provoqué une onde de choc bien au-delà des frontières américaines, poussant plusieurs grandes économies à revoir leurs positions. En cause, l’impact direct sur des secteurs sensibles aux États-Unis, notamment la santé, l’aide alimentaire aux populations les plus précaires et diverses allocations sociales, sans compter les vagues de mises en congé forcées de fonctionnaires. Ce blocage institutionnel est le fruit d’un bras de fer budgétaire entre républicains et démocrates, qui n’ont pas réussi à s’accorder sur la nouvelle loi de finances, entraînant l’entrée automatique du pays en situation de fermeture administrative, avant l’adoption in extremis d’un accord provisoire prolongeant le financement de l’État jusqu’à la fin de 2025. Dans le camp démocrate, les critiques se concentrent sur la volonté des autorités de faire passer un budget jugé insuffisamment attentif à l’ampleur du déficit public et au poids d’une dette qui dépasse désormais les 37000 milliards de dollars. Selon les estimations du Trésor américain, ce « shutdown » aurait coûté aux États-Unis près de 15 milliards de dollars par semaine, soit environ 0,2 % du produit intérieur brut. Et malgré l’accord provisoire arraché in extremis, les séquelles de cette paralysie budgétaire risquent de se faire sentir durablement, tant pour les citoyens américains que pour les entreprises et les marchés. Ces derniers demeurent désormais gagnés par une inquiétude croissante face à la fragilité de l’environnement économique, un climat d’instabilité qui érode progressivement la confiance dans la capacité de l’État à assurer la continuité de ses engagements.
Face à l’incertitude et aux alertes, les banques américaines en position de force pour affronter une éventuelle récession
Les résultats des tests de résistance annuels menés par la Réserve fédérale à l’été dernier ont confirmé la solidité du système bancaire américain, y compris face à l’hypothèse d’une récession sévère, de plus en plus évoquée par les experts financiers. Dans un communiqué, la Fed a indiqué que ces « stress tests » ont démontré que les grandes banques du pays sont « en bonne position pour résister à un choc économique majeur tout en restant au-dessus des seuils réglementaires minimaux de fonds propres». Des établissements comme Citigroup, JPMorgan Chase, Bank of America, ainsi que plus d’une vingtaine d’autres grandes banques américaines, disposent — selon la Réserve fédérale — d’un niveau de capital suffisant pour absorber des pertes dépassant 550 milliards de dollars dans un scénario de crise nationale, tout en conservant leur capacité à continuer de financer les ménages et les entreprises, même dans des conditions de tension extrême. Ces tests ont été menés sur la base d’un scénario de crise particulièrement sévère, intégrant une récession économique mondiale, une chute de 30 % des prix de l’immobilier commercial, un recul de 33 % de l’immobilier résidentiel, ainsi qu’une hausse du taux de chômage jusqu’à près de 10 %. Les stress tests ont été appliqués dans le cadre de la loi Dodd-Frank, adoptée au lendemain de la grande crise financière de 2008, afin de renforcer durablement la résilience du secteur bancaire américain face aux chocs systémiques.
Le rôle de la Présidence Américaine dans le soutien au secteur bancaire
Le président Américain Donald Trump a récemment engagé la préparation d’un vaste plan visant à assouplir le cadre réglementaire du secteur bancaire aux États-Unis. Cette réforme prévoit de libérer l’équivalent de 16 % des actifs des banques américaines afin d’accroître leurs capacités de prêt, dans un contexte où les établissements américains dominent largement le financement mondial. Cette initiative s’inscrit dans la continuité des réformes proposées par l’administration dès l’été dernier. Selon les orientations de ce plan, les banques américaines devraient bénéficier de règles plus souples en matière d’exigences de fonds propres, notamment celles issues des normes dites de « Bâle III ». Jusqu’à présent, les huit plus grandes banques américaines étaient tenues de maintenir un niveau minimal de fonds propres équivalant à 5 % de l’ensemble de leurs engagements, au titre du ratio de levier complémentaire (Supplementary Leverage Ratio – SLR), destiné à absorber d’éventuelles pertes. Ces règles avaient été instaurées dans le cadre de la loi Dodd-Frank, adoptée après la crise financière de 2008, afin de garantir la capacité des banques à encaisser de futurs chocs sans faire appel aux contribuables. À l’échelle internationale, les exigences de fonds propres oscillent généralement entre 3,5 % et 4,25 %, tandis que les standards de Bâle III imposent des niveaux de capital plus élevés que ceux prévus par la future réglementation américaine. Selon les estimations du cabinet de conseil Alvarez & Marsal, la réforme portée par l’administration Trump permettrait de libérer près de 2 600 milliards de dollars de capacités de crédit supplémentaires. Ce volume correspond précisément aux 16 % des actifs bancaires que le président entend rendre de nouveau mobilisables. Cette manne financière offrirait aux banques américaines une puissante capacité d’investissement, notamment dans des secteurs stratégiques tels que l’intelligence artificielle, les centres de données et les infrastructures énergétiques. À terme, ce soutien présidentiel pourrait contribuer à stabiliser la valorisation boursière des entreprises technologiques liées à l’IA, aujourd’hui exposées au risque de surchauffe et de bulle, comme le soulignent de nombreuses institutions financières et monétaires internationales.
Et l’Union européenne dans le scénario 2025-2026?
L’Union européenne continue de payer le prix économique et géopolitique du conflit russo-ukrainien, dont les répercussions se font toujours sentir sur les échanges énergétiques, en particulier sur les approvisionnements en gaz, ainsi que sur les lourdes aides financières accordées à l’Ukraine. À ces chocs externes s’ajoutent des fragilités structurelles internes, aggravées par les effets indirects de la guerre commerciale américaine, qui pénalisent une partie des économies européennes. Quelques exceptions émergent toutefois au sein de la zone euro, à commencer par la France, qui apparaît comme un rare point de résilience dans un environnement pourtant marqué par les tensions budgétaires, l’endettement et l’adoption difficile de la loi de finances pour 2026 un processus qui a récemment provoqué la chute successive de deux gouvernements. Malgré ce contexte instable, l’économie française a enregistré une croissance proche de 0,5 % au troisième trimestre, après une période de fortes fluctuations. Cette performance a hissé la France au rang de principale locomotive de la zone euro, dont la croissance s’est limitée à 0,2 % sur la même période. La Banque de France prévoit désormais une progression de 0,7 % du PIB en 2025 et de 0,9 % en 2026. Une trajectoire qui traduit la résilience récente de l’économie française, portée avant tout par la consommation, en dépit d’un déficit budgétaire élevé et d’un endettement important des vulnérabilités partagées par plusieurs États de la zone euro, notamment l’Italie et l’Espagne, classées respectivement aux troisième et quatrième rangs des pays les plus exposés.
L’économie allemande en quête d’un gilet de sauvetage
Si la France, deuxième économie de la zone euro, a créé la surprise au troisième trimestre 2025 par une performance relativement solide, l’Allemagne, première puissance économique du bloc et locomotive historique de l’euro, traverse en revanche une période de fortes incertitudes. Après deux années de quasi-stagnation en 2023 et 2024, l’économie allemande aborde 2025 sans véritable visibilité, plombée par un essoufflement durable de son appareil productif. Les prévisions font état d’une croissance faible pour 2025, sous l’effet conjugué du recul de l’activité industrielle et de l’alourdissement du budget de la défense, dans un contexte de menaces géopolitiques accrues depuis l’invasion de l’Ukraine par la Russie. Le marché du travail, longtemps pilier de la stabilité allemande, montre lui aussi des signes de rupture: le nombre de chômeurs a dépassé le seuil des trois millions, portant le taux de chômage à 6,4 %, un niveau inédit depuis 2015, dans un pays qui n’avait plus connu de véritables turbulences économiques depuis près de trois décennies. Les secteurs stratégiques sont désormais en première ligne. Dans l’aérien, Lufthansa a annoncé la suppression de plusieurs milliers d’emplois d’ici à 2030. L’industrie n’est pas épargnée, avec plus de 13 000 postes supprimés chez Bosch, tandis que Ford a engagé à son tour des réductions d’effectifs. À ces difficultés s’ajoute la hausse persistante des coûts de l’énergie, conséquence directe de la guerre en Ukraine, qui pèse lourdement sur la compétitivité de l’industrie allemande, la première d’Europe. En parallèle, les produits allemands font face à une concurrence chinoise de plus en plus agressive, notamment dans les secteurs technologiques, tandis que les récentes mesures tarifaires américaines viennent encore compliquer l’équation pour les exportateurs. Autant de fragilités qui alimentent aujourd’hui les craintes d’un décrochage durable de l’économie allemande au sein de la zone euro. Partant de ce constat préoccupant, le gouvernement allemand a engagé l’élaboration de nouveaux plans de dépenses pour 2026, intégrant un niveau d’endettement supérieur à celui initialement anticipé, ainsi que de lourds investissements destinés à restaurer la confiance, tant à l’intérieur qu’à l’international, dans la solidité de la première économie européenne. Une dynamique d’autant plus stratégique que l’Allemagne a récemment ravivé sa position de troisième puissance économique mondiale, derrière les États-Unis et la Chine, après avoir dépassé le Japon. À l’échelle européenne, l’économie allemande demeure toutefois l’une des plus proches des critères de Maastricht, avec une dette publique représentant environ 63 % du PIB et un déficit budgétaire limité à 2,5 %, dans un cadre où les normes européennes fixent un plafond de 60 % pour la dette et de 3 % pour le déficit. À titre de comparaison, la France affiche une dette supérieure à 110 % du PIB et un déficit budgétaire dépassant 5 %. La révision de la trajectoire budgétaire pour 2026 fait ainsi de la relance de l’économie nationale une priorité absolue, après deux années de stagnation. Elle met l’accent sur le redressement du tissu industriel, avec, en première ligne, le soutien aux prix de l’énergie pour les usages industriels, afin d’alléger les coûts de production dans des secteurs stratégiques tels que la chimie et la sidérurgie. À travers cette stratégie, Berlin cherche également à rassurer les marchés financiers internationaux, de plus en plus attentifs à la capacité de l’Europe et de son moteur allemand à retrouver un chemin de croissance durable.
Le FMI inquiet pour les perspectives de l’économie européenne
Le ralentissement économique qui a marqué l’Europe au cours des deux dernières années a conduit le Fonds monétaire international à appeler l’Union européenne à engager des réformes structurelles ambitieuses. L’institution plaide notamment pour une meilleure mobilité de la main-d’œuvre et une fluidification accrue des échanges au sein du marché unique, afin de stimuler la productivité et la croissance, en net retrait par rapport à la dynamique observée aux États-Unis. Alfred Kammer, directeur du département Europe au FMI, souligne que « l’Europe s’oriente vers une trajectoire de croissance lente et fragile à moyen terme, mais cette évolution n’est en rien inéluctable». Il rappelle que le Vieux Continent dispose «des talents, de la technologie et de l’épargne nécessaires pour renouer avec une croissance plus vigoureuse», tout en regrettant que «ces ressources restent aujourd’hui sous-exploitées». Si le FMI prévoit une croissance européenne de 1,2 % cette année et de 1,1 % en 2026, il estime qu’une réduction significative des barrières internes, notamment en matière de circulation de la main-d’œuvre, à un niveau comparable à celui des États-Unis, pourrait booster la productivité européenne de plus de 20 %. Un potentiel considérable, encore largement dormant, au cœur des enjeux de compétitivité du continent pour les années à venir. La dette européenne dans la ligne de mire des risques Dans une note publiée le 4 novembre 2025, le Fonds monétaire international (FMI) a averti que le niveau d’endettement en Europe s’expose à un risque d’explosion en l’absence de réformes profondes du marché du travail et du tissu économique. L’institution appelle également à une réduction des déficits publics, à travers une hausse des recettes fiscales, une maîtrise des dépenses sociales et une amélioration de l’efficacité de l’action publique. Le FMI n’a pas masqué son inquiétude, allant jusqu’à alerter sur un scénario dans lequel la dette publique européenne pourrait doubler d’ici 2040 pour atteindre 130 % du PIB, bien au-delà du seuil de 60 % fixé par les règles budgétaires de Bruxelles. À ce niveau, avertit le Fonds, l’endettement serait devenu si élevé que, même en cas de réformes rapides, « une redéfinition du rôle de l’État pourrait s’imposer dans certains pays ». Les réformes jugées indispensables par le FMI sont présentées comme inéluctables pour garantir la pérennité du modèle européen. Elles impliqueraient une rehiérarchisation des priorités de l’action publique, en distinguant les services essentiels tels que les retraites, la santé et l’éducation qui resteraient financés par le secteur public, des autres prestations appelées à être progressivement réorganisées. Le Fonds anticipe toutefois une forte sensibilité sociale autour de ces chantiers, tant leurs implications touchent au cœur du contrat social européen. Le directeur du département Europe du Fonds monétaire international reconnaît que certaines catégories de la population européenne pourraient percevoir les réformes proposées comme « douloureuses », mais il estime qu’il est désormais indispensable de « faire face à cette douleur » pour éviter un dérapage durable. En conclusion, les bouleversements économiques et commerciaux observés en 2025 ont indéniablement rebattu les cartes et façonné un nouvel équilibre mondial. Certaines économies en sont sorties renforcées, tandis que d’autres ont vu leurs fragilités s’accentuer, dans un environnement marqué à la fois par un nouvel ordre commercial et par une révolution technologique accélérée, dont l’objectif est de simplifier la production et d’en réduire drastiquement les délais, au point de devancer parfois le temps même de réflexion de l’investisseur sur la viabilité de ses projets. Face à cette recomposition rapide, les banques s’emploient à resserrer les rangs, recentrant leurs stratégies autour des politiques de financement et de crédit, dans un contexte de prudence accrue. L’ensemble de ces dynamiques nous renvoie à une réalité profondément interdépendante : lorsque l’un des piliers vacille, il entraîne les autres dans sa chute exactement là où les grandes banques et institutions financières mondiales n’ont cessé de nous mettre en garde.
Banques, reconstruction et confiance Le rôle stratégique
du secteur financier dans les économies post-conflit
Dans les pays confrontés aux crises, aux conflits ou à une fragilité prolongée, la reconstruction économique ne se limite pas à la remise en état des infrastructures. Elle repose avant tout sur la restauration de la confiance condition essentielle à la reprise de l’investissement, à la mobilisation de l’épargne et à la stabilité sociale. Dans ce contexte, le secteur bancaire s’impose comme un acteur clé de la reconstruction, au croisement de la finance, de la gouvernance et de la paix durable.
Reconstruire l’économie, restaurer la confiance
Dans les économies sortant d’un conflit ou d’une crise systémique, la défiance constitue l’un des principaux freins à la reprise. Selon la Banque mondiale, les pays affectés par des conflits majeurs enregistrent une perte d’environ 20 % du PIB par habitant à la suite des épisodes de violence, tandis que le Fonds monétaire international (FMI) estime que les pertes de production peuvent atteindre 25 à 30 % du PIB dans les situations de conflit prolongé. Ces chocs profonds se traduisent par une instabilité monétaire accrue, une contraction du crédit, une désorganisation des systèmes de paiement et un retrait massif de l’investissement privé. Même lorsque des financements internationaux sont mobilisés, l’absence de confiance dans le système financier limite leur absorption et ralentit considérablement la reprise économique.
Dans ce contexte, le secteur bancaire joue un rôle déterminant dans la réactivation des circuits économiques. En sécurisant l’épargne, en rétablissant la continuité des paiements et en facilitant l’accès au crédit pour les entreprises et les ménages, les banques contribuent à recréer un environnement propice à la relance de l’activité productive. Leur capacité à restaurer la crédibilité du système financier constitue un levier central de stabilisation macroéconomique, mais également un signal décisif adressé aux investisseurs locaux, régionaux et internationaux, conditionnant leur engagement dans les projets de reconstruction et de développement à long terme.
Le FMI souligne par ailleurs que, dans les économies post-conflit, l’investissement privé met généralement cinq à sept ans pour retrouver son niveau d’avant-crise, en particulier lorsque la restauration des institutions financières et de la confiance est lente. Cette situation est souvent aggravée par le maintien d’une part significative de l’épargne en dehors du système bancaire formel, ce qui réduit la capacité des banques à financer l’économie réelle et à soutenir la reconstruction.
À l’inverse, la CESAO (ESCWA) estime que la mobilisation de l’épargne domestique et la restauration de la confiance dans les systèmes financiers peuvent permettre aux économies arabes en situation de fragilité d’accélérer leur reprise de 2 à 4 points de croissance du PIB, selon le contexte institutionnel et la profondeur des réformes engagées. La confiance bancaire apparaît ainsi comme un facteur clé de mobilisation des ressources locales, de relance de l’investissement privé et de consolidation d’une trajectoire de croissance durable et inclusive.
Le secteur bancaire comme pilier de stabilité
Dans les contextes de fragilité économique et institutionnelle, le secteur bancaire assume des fonctions vitales pour la cohésion économique et sociale. Au-delà de son rôle d’intermédiation financière, il garantit la continuité des systèmes de paiement, préserve l’accès aux services financiers pour les ménages et les entreprises, et accompagne les États dans leurs efforts de stabilisation et de restructuration économique. Selon le Fonds monétaire international (FMI), dans les pays affectés par des crises ou des conflits, le crédit au secteur privé peut chuter de 15 à 25 %, accentuant la contraction de l’activité et la vulnérabilité des entreprises, en particulier des plus petites.
L’action du secteur bancaire repose sur plusieurs axes structurants. Elle vise d’abord à maintenir l’accès aux services financiers pour les PME et les entrepreneurs, qui constituent, d’après la Banque mondiale, près de 90 % du tissu économique et génèrent plus de 60 % des emplois dans les pays en développement. Le soutien à l’économie réelle et aux secteurs stratégiques devient dès lors un enjeu central de stabilité et de préservation de l’emploi. Parallèlement, la gestion des risques, la restructuration financière et le renforcement des cadres de gouvernance et de transparence sont essentiels pour restaurer la solidité du système bancaire et sa crédibilité auprès des déposants et des investisseurs.
Lorsque ces fonctions sont assumées de manière responsable et coordonnée, le secteur bancaire agit comme un véritable amortisseur de crise. En rétablissant progressivement l’intermédiation financière et en orientant les ressources vers l’économie productive, il contribue à limiter l’ampleur des chocs économiques et à créer les conditions d’une reprise durable, fondée sur la confiance, l’investissement et l’inclusion.
Investir dans la paix: financer la reconstruction
La reconstruction post-conflit exige des volumes d’investissement considérables que les finances publiques, souvent fragilisées par la crise, ne peuvent supporter seules. Selon la Banque mondiale, les besoins de reconstruction dans les pays affectés par des conflits majeurs peuvent représenter jusqu’à 20 à 50 % du PIB annuel, alors même que la capacité budgétaire des États est fortement contrainte par l’endettement, la baisse des recettes fiscales et l’augmentation des dépenses sociales. Dans ce contexte, le secteur bancaire joue un rôle déterminant dans la mobilisation de financements innovants et dans l’orientation des capitaux vers des projets à fort impact économique et social.
Les banques contribuent notamment à structurer des partenariats public-privé (PPP), à développer des instruments de finance durable et climatique, et à mobiliser des mécanismes de blended finance combinant ressources publiques, capitaux privés et financements concessionnels. La Banque mondiale et l’OCDE soulignent que les instruments de partage des risques et de garantie peuvent générer un effet de levier de 3 à 5, permettant de mobiliser plusieurs dollars de capitaux privés pour chaque dollar public engagé. En structurant ces outils, les banques transforment les projets de reconstruction en opportunités d’investissement crédibles et bancables, capables d’attirer des capitaux régionaux et internationaux tout en répondant aux besoins urgents des populations.
Finance, inclusion et paix sociale
La stabilité économique ne peut être durable sans stabilité sociale. Dans les contextes post-conflit ou de fragilité prolongée, l’accès au financement, la création d’emplois et le soutien à l’entrepreneuriat constituent des leviers essentiels pour prévenir les tensions, réduire les fractures sociales et consolider une paix durable. En l’absence de perspectives économiques inclusives, les inégalités se creusent, l’économie informelle s’étend et les risques de rechute dans l’instabilité s’intensifient.
En soutenant les petites et moyennes entreprises, les jeunes entrepreneurs et les femmes, les banques jouent un rôle central dans la promotion de l’inclusion financière et la reconstruction du tissu économique local. L’accès au crédit, aux services financiers digitaux et aux mécanismes d’accompagnement permet de transformer l’initiative entrepreneuriale en moteur de création d’emplois et de revenus, tout en favorisant l’autonomie économique des populations les plus vulnérables. Ces dynamiques sont d’autant plus déterminantes que les conflits affectent de manière disproportionnée les jeunes et les femmes, souvent en première ligne face au chômage et à la précarité.
Dans ce cadre, la finance inclusive s’impose comme un outil stratégique de reconstruction sociale. En facilitant l’intégration économique, en soutenant l’innovation locale et en renforçant la cohésion territoriale, elle permet de transformer la reprise économique en un véritable levier de cohésion sociale et d’espoir collectif. En investissant dans l’inclusion, le secteur bancaire contribue ainsi à bâtir les fondations d’une paix durable, fondée sur l’équité, les opportunités et la confiance.
Vers un nouveau contrat financier
Dans un environnement mondial marqué par l’incertitude géopolitique, les chocs économiques successifs et la montée des vulnérabilités sociales, financer la reconstruction ne peut plus être envisagé comme une réponse ponctuelle à la crise. Il s’inscrit désormais dans une vision de long terme, fondée sur la confiance, l’inclusion et la résilience des économies. Dans ce cadre, les banques ne sont plus de simples intermédiaires financiers : elles sont devenues des acteurs stratégiques de stabilité, appelés à concilier performance économique, responsabilité sociale et impact durable.
En assumant pleinement ce rôle élargi, le secteur bancaire arabe dispose d’une opportunité historique pour contribuer à l’émergence d’un nouveau contrat financier, capable d’accompagner les économies de la région dans leurs trajectoires de reconstruction et de transformation. En mobilisant l’épargne, en orientant les capitaux vers l’investissement productif et en intégrant les principes de gouvernance, d’inclusion et de durabilité, les banques peuvent jouer un rôle décisif dans la restauration de la confiance, la relance de l’activité et la consolidation de la paix sociale.
Ce nouveau modèle de développement, porté par une finance responsable et inclusive, offre ainsi une perspective d’avenir plus stable pour la région. Il repose sur une conviction centrale : la stabilité économique et la paix durable ne se décrètent pas, elles se financent, à travers des institutions solides, des partenariats de long terme et une vision collective tournée vers la reconstruction, l’espoir et la prospérité partagée.
ers un Marché Arabe de la Paix: Feuille de route 2030 Faire de la reconstruction un levier d’investissement de stabilité et de croissance
Face à l’ampleur des conflits et des besoins de reconstruction dans le monde arabe, cette étude propose de considérer la paix non plus comme une finalité politique, mais comme un véritable marché économique régional. Elle analyse les coûts humains et économiques des crises, le potentiel de la reconstruction comme moteur d’investissement, le rôle central de l’emploi et de l’inclusion des jeunes, ainsi que l’importance stratégique de la sécurité alimentaire, climatique et énergétique. Elle met en lumière la fenêtre d’opportunité 2025–2030 et le rôle structurant que peuvent jouer les banques arabes, à travers l’Union des Banques Arabes, pour bâtir une feuille de route concrète vers un Marché Arabe de la Paix.
Vers un nouveau paradigme économique
À l’horizon 2030, le monde est confronté à une crise des déplacements forcés d’une ampleur sans précédent. Fin juin 2024, plus de 122,6 millions de personnes étaient déplacées de force à travers le monde — réfugiés, déplacés internes ou apatrides — soit une personne sur 67, contre une sur 114 dix ans plus tôt. Cette tragédie humaine touche en priorité les pays les plus vulnérables, puisque près de 9 personnes déplacées sur 10 vivent dans des pays à revenu faible ou intermédiaire. Dans ce contexte de fragilisation globale, le monde arabe apparaît comme l’un des épicentres de cette instabilité, cumulant conflits prolongés, chocs économiques, pressions sociales, crises climatiques et défis majeurs de reconstruction. Dans le prolongement direct de cette crise humaine se dessine une crise économique et infrastructurelle d’une ampleur historique. Selon les estimations cumulées des Nations Unies, de la Banque mondiale et d’institutions financières internationales, les besoins de reconstruction des infrastructures essentielles en Syrie, au Yémen, en Irak, en Libye et en Palestine dépassent déjà 650 milliards USD, et sont appelés à augmenter avec l’extension et la durée des conflits. Routes, ports, énergie, eau, hôpitaux, écoles et logements: c’est l’ossature même des économies qui est à rebâtir. Pourtant, au cœur même de ce paysage fragmenté, une dynamique nouvelle émerge : la possibilité de transformer la paix en un véritable marché économique, capable de générer de la croissance, de l’emploi, de l’investissement et un retour durable de la stabilité. Ce basculement marque l’émergence d’un nouveau paradigme, dans lequel la reconstruction n’est plus seulement un coût, mais devient un levier stratégique de développement et de prospérité partagée.
La paix comme actif économique stratégique
La notion de « marché de la paix » repose sur une idée simple mais structurante : la paix n’est pas seulement l’absence de guerre, elle est un actif économique. Les études conjointes des Nations Unies et de la Banque mondiale montrent qu’un dollar investi dans la prévention des conflits et la consolidation de la paix peut générer entre 7 et 16 dollars d’économies en coûts de gestion de crise, d’assistance humanitaire et de reconstruction. La stabilité devient ainsi un moteur d’attractivité des capitaux, un catalyseur de l’investissement et un facteur décisif de rétablissement de la confiance des marchés. Dans les pays sortant de conflit, le retour à un climat de stabilité s’accompagne presque systématiquement d’un redressement rapide des investissements directs étrangers, d’une reprise de l’activité bancaire, d’une relance du crédit et d’un réancrage progressif dans les chaînes de valeur régionales et internationales. La paix devient alors un moteur de croissance, et non plus une simple aspiration politique.
La reconstruction comme fondement d’un marché régional
La reconstruction ne doit plus être envisagée comme un effort isolé et ponctuel, mais comme une stratégie économique régionale structurée. Les besoins d’infrastructures dans les pays en crise dépassent largement les capacités budgétaires nationales. La remise en état des réseaux électriques, des systèmes d’eau et d’assainissement, des corridors logistiques, des ports et des infrastructures de transport mobilisera des dizaines, voire des centaines de milliards de dollars d’ici 2030, selon les évaluations croisées de la Banque mondiale, de l’UN-ESCWA et d’autres institutions. Ces montants colossaux illustrent une vérité fondamentale : la reconstruction, pour être viable et efficace, doit devenir un marché régional intégré, mobilisant non seulement les budgets publics, mais aussi les banques arabes, les fonds souverains, les investisseurs privés et les institutions financières internationales. C’est dans ce contexte que l’Union des Banques Arabes (UAB), forte d’un réseau de plus de 350 institutions financières, se positionne comme un acteur structurant pour fédérer, coordonner et mobiliser les financements nécessaires, notamment à travers des instruments innovants tels que la finance verte, les obligations à impact, les prêts alignés sur les Objectifs de développement durable et les mécanismes de « blended finance ».
Stabilité, emploi et croissance: les fondations du marché de la paix
La transformation de la paix en un véritable marché économique régional ne saurait se concrétiser sans une mutation profonde du marché du travail, en particulier dans le monde arabe. La région affiche aujourd’hui l’un des taux de chômage des jeunes les plus élevés au monde, autour de 25 à 28 % en moyenne, et dépassant 40 % dans certains pays en transition. Cette fragilité structurelle alimente les tensions sociales et politiques, mais elle constitue aussi un réservoir de croissance inexploité. Plusieurs études de la CESAO, de la Banque mondiale et de l’OIT montrent qu’une baisse significative du chômage des jeunes pourrait générer chaque année des gains de PIB de plusieurs dizaines de milliards de dollars à l’échelle régionale. L’enjeu n’est donc pas seulement social, il est directement macroéconomique et stratégique. Cette réalité régionale se décline toutefois de manière contrastée selon les pays. Le Liban affiche un taux de chômage estimé autour de 11 à 12 %, reflet de l’impact cumulé des crises économiques, financières et politiques depuis 2019. La Palestine enregistre l’un des taux les plus élevés de la région, autour de 24 à 25 %, avec une situation dramatique dans la bande de Gaza où le chômage dépasse parfois 45 %. À l’opposé, le Qatar et le Koweït affichent parmi les taux de chômage les plus bas au monde, largement inférieurs à 1 %, du fait de la structure de leurs économies et du recours massif à la main-d’œuvre étrangère. Dans ce contexte profondément hétérogène, la construction d’un marché arabe de la paix impose une stratégie claire d’inclusion économique, fondée sur l’investissement dans les compétences, l’innovation, l’entrepreneuriat, l’économie numérique, l’industrie locale et les chaînes de valeur régionales. Sans l’intégration économique effective des jeunes qui représentent près de 60 % de la population arabe aucune paix durable n’est envisageable, et aucun marché régional ne peut prospérer.
Sécurité alimentaire, eau et climat: les fondations invisibles de la stabilité
La paix ne se limite pas aux considérations politiques : elle dépend étroitement de la sécurité alimentaire, hydrique et climatique. La région arabe importe aujourd’hui plus de la moitié de ses besoins alimentaires, et jusqu’à 65 % pour les céréales de base, ce qui la rend extrêmement vulnérable aux chocs des marchés mondiaux. La Banque mondiale et la FAO préviennent que, sans investissements majeurs dans l’adaptation, les chocs climatiques pourraient entraîner une baisse de 10 à 20 % de la productivité de certaines cultures clés d’ici 2050 dans plusieurs pays de la région. C’est ici que la finance verte, la finance climatique et les infrastructures résilientes jouent un rôle déterminant. Les investissements nécessaires dans la gestion de l’eau, le dessalement, les énergies renouvelables, l’agriculture intelligente et les infrastructures durables se chiffrent eux aussi à plusieurs dizaines, voire centaines de milliards de dollars d’ici 2030. En intégrant la finance climatique dans la reconstruction, le monde arabe peut bâtir un modèle de développement où stabilité, durabilité et croissance se renforcent mutuellement.
2025–2030: Une fenêtre d’opportunité stratégique
Le monde arabe se trouve aujourd’hui dans une fenêtre d’opportunité géopolitique et financière unique. La transformation énergétique mondiale, la montée des financements à impact, la redéfinition des chaînes de valeur, et le rôle croissant des fonds souverains dont les actifs sont désormais estimés entre 5 et 6 trillions USD dans les pays du Golfe créent un contexte favorable à la mise en place d’un marché de la paix. Par ailleurs, l’engagement croissant des institutions financières arabes en faveur de la durabilité, ainsi que les nouvelles coalitions régionales dont l’initiative conjointe UAB–ESCWA visant à mobiliser 1 000 milliards USD pour les Objectifs de Développement Durable d’ici 2030 ouvrent la voie à une architecture financière arabe renouvelée. Dans ce cadre, l’idée d’un « Marché Arabe de la Paix » ne relève plus de l’utopie. Elle devient un projet structurant, réalisable et porteur d’un potentiel économique majeur.
Vers une feuille de route arabe pour la paix économique
La construction d’un marché de la paix nécessite une approche collective, intégrée et visionnaire. Elle requiert une gouvernance régionale renforcée, des mécanismes de financement innovants et une coordination étroite entre les gouvernements, les banques, les institutions régionales, les fonds souverains et le secteur privé. Ce marché doit s’appuyer sur trois leviers essentiels : • la reconstruction comme moteur économique, • l’intégration régionale comme accélérateur, • l’inclusion socio-économique comme garantie de durabilité. L’Union des Banques Arabes peut jouer un rôle déterminant dans cette dynamique. Par sa capacité à fédérer les banques arabes, à structurer les financements, à promouvoir l’investissement responsable et à porter une vision régionale de stabilité, l’UAB est en mesure de devenir l’un des piliers du marché arabe de la paix. Faire de la paix un moteur, pas une attente La paix n’est pas un résultat final, mais un processus économique. Elle n’est pas la fin d’un conflit, mais le début d’un cycle de croissance. Elle n’est pas seulement un enjeu diplomatique, mais un marché à construire. À l’horizon 2030, le monde arabe peut choisir de faire de la paix une stratégie de développement, un moteur d’investissement et un projet collectif. Les chiffres sont clairs : les coûts de la guerre dépassent largement ceux de la paix. Les bénéfices de la stabilité surpassent de loin les divisions du passé. Et la région dispose des ressources financières, humaines, institutionnelles et géopolitiques pour bâtir un marché où la paix devient une valeur économique, un actif régional et un horizon partagé.
La reconstruction verte au Liban: l’énergie, l’eau, les transports et le tourisme comme piliers de la stabilité »
Dr. Nadim Farjallah Chief Sustainability Officer Lebanese American University
Dans un Liban confronté à une crise systémique qui dépasse largement la sphère financière, la reconstruction s’impose comme un impératif économique majeur. Dans cet article, Dr Nadim Farjallah, Chief Sustainability Officer à la Lebanese American University, analyse comment l’énergie, l’eau, les transports et le tourisme constituent des leviers stratégiques de stabilité et de compétitivité. Il démontre que la reconstruction verte, loin d’être un supplément environnemental, offre une trajectoire crédible pour restaurer la confiance, réduire les risques et repositionner l’économie libanaise sur des bases plus résilientes et attractives.
Introduction: La reconstruction comme impératif économique
La crise libanaise a dépassé le stade de l’effondrement financier pour se transformer en une défaillance structurelle de la fourniture des services essentiels, de l’appareil productif et de la crédibilité institutionnelle. Pour le secteur privé, les investisseurs et les décideurs publics, l’irrégularité de l’approvisionnement en électricité, l’insécurité hydrique, la dégradation des systèmes de transport et l’érosion des actifs touristiques constituent désormais des contraintes majeures à la compétitivité et à la croissance. Dans ce contexte, les choix de reconstruction ne sont pas neutres. Reconstruire sans vision fondée sur la durabilité, en s’appuyant sur des systèmes obsolètes, dépendants des énergies fossiles et vulnérables aux chocs climatiques, reviendrait à enfermer l’économie dans une fragilité persistante. À l’inverse, la reconstruction verte ouvre une voie crédible pour restaurer la confiance, réduire les risques et repositionner le Liban vers un modèle économique plus résilient et attractif pour l’investissement. Les tentatives de réforme engagées jusqu’à présent se sont souvent révélées à courte vue, privilégiant la stabilisation macrofinancière et les négociations avec les institutions financières internationales. Bien que nécessaires, ces mesures ont principalement conduit à un alourdissement de la dette, tout en apportant un soulagement limité aux entreprises et aux ménages confrontés, au quotidien, à la défaillance des services essentiels. De précédentes évaluations nationales avaient pourtant déjà alerté sur l’insuffisante intégration des risques climatiques, de la durabilité environnementale et de la résilience des infrastructures dans les cadres de relance (Institutions financières internationales [IFI], Arab NGO Network for Development [ANND] et Lebanese Center for Policy Studies [LCPS], 2022). À mesure que s’intensifient les chocs climatiques, l’instabilité régionale et les contraintes budgétaires, cette lacune est devenue économiquement intenable. La reconstruction verte redéfinit les secteurs de l’énergie, de l’eau, des transports et du tourisme comme des systèmes productifs essentiels, garants de la stabilité, de l’emploi et de la compétitivité. Ces secteurs influencent directement les coûts d’exploitation, le niveau de risque pour les investisseurs et les avantages comparatifs du Liban. Leur reconstruction, lorsqu’elle s’inscrit dans des principes de durabilité et de résilience, peut générer des retombées économiques immédiates tout en réduisant l’exposition à long terme aux chocs économiques, climatiques et géopolitiques.
Énergie: de la fragilité coûteuse à l’avantage compétitif
L’effondrement du secteur électrique libanais figure parmi les freins les plus visibles à l’investissement. L’approvisionnement public ne dépasse en moyenne que quelques heures par jour, contraignant les entreprises à recourir à des générateurs privés au diesel, à un coût avoisinant 0,6 USD par kWh (Banque mondiale, 2024). Ce modèle comprime les marges, décourage l’entrée de nouveaux acteurs et expose les entreprises à la volatilité des prix des carburants ainsi qu’au risque de change. Il engendre en outre une pollution atmosphérique locale significative et des émissions de gaz à effet de serre, entraînant pour l’économie des coûts sanitaires et environnementaux indirects, souvent invisibles mais substantiels. La reconstruction verte constitue une alternative économiquement rationnelle et commercialement viable. Les systèmes d’énergie renouvelable décentralisés — en particulier les installations solaires photovoltaïques couplées à des solutions de stockage par batteries — ont déjà démontré leur faisabilité dans les secteurs industriel, commercial et institutionnel au Liban. Pour les entreprises, ces systèmes permettent de réduire les coûts d’exploitation, de stabiliser l’approvisionnement énergétique et d’améliorer la prévisibilité des charges. À l’échelle macroéconomique, ils contribuent à diminuer les importations de carburants et à alléger les pressions budgétaires liées aux subventions du secteur de l’électricité. L’efficacité énergétique constitue un pilier tout aussi déterminant. Considérée comme une véritable infrastructure — à travers la rénovation des bâtiments, l’adoption de systèmes de refroidissement performants et la gestion de la demande — elle permet de réduire la consommation d’électricité des bâtiments commerciaux de 20 à 40 %, avec des périodes de retour sur investissement rapides (Programme des Nations Unies pour le développement, 2023). L’activation du marché des sociétés de services énergétiques (ESCO) peut en outre mobiliser des capitaux privés et des compétences techniques, tout en générant des emplois qualifiés. Dans une perspective économique et entrepreneuriale, la reconstruction du secteur énergétique ne constitue pas une charge, mais un investissement direct dans la compétitivité.
L’eau: sécuriser une ressource critique pour l’économie
L’insécurité hydrique fait peser des risques croissants sur les secteurs productifs du Liban, en particulier l’agriculture, l’agroalimentaire, le tourisme et l’industrie. Les pertes d’eau non facturée dépassent 45 % à l’échelle nationale, conséquence des fuites dans les réseaux, des branchements illégaux et de la faiblesse des systèmes de comptage (Commission économique et sociale pour l’Asie occidentale, 2020). Face à ces défaillances, les entreprises recourent de plus en plus à des solutions privées d’approvisionnement en eau, ce qui renchérit les coûts et accroît l’incertitude opérationnelle. Le changement climatique aggrave ces contraintes, à travers la multiplication des épisodes de sécheresse et la variabilité accrue des précipitations. Une approche de reconstruction verte redéfinit l’eau comme un actif économique géré, plutôt que comme un service public défaillant. La gestion de la demande, appuyée par une réforme tarifaire transparente et équitable, est indispensable pour réduire le gaspillage et assainir les finances des opérateurs. Les investissements dans le pompage, la distribution et le traitement de l’eau à haute efficacité énergétique — de plus en plus alimentés par des sources renouvelables — peuvent, en outre, abaisser significativement les coûts d’exploitation. Le traitement et la réutilisation des eaux usées représentent une opportunité à impact particulièrement élevé. Le déploiement à grande échelle de solutions de réutilisation sécurisée au profit de l’agriculture, de l’industrie et de la recharge des nappes phréatiques permet d’accroître la disponibilité de la ressource en eau tout en réduisant la pollution et la dégradation environnementale.Les expériences internationales montrent que les investissements dans la réutilisation de l’eau génèrent des retours économiques substantiels, en limitant les pertes liées à la rareté et en améliorant la productivité des ressources (Commission économique et sociale pour l’Asie occidentale, 2020 ; Banque mondiale, 2025). Pour les investisseurs, une meilleure sécurité hydrique réduit les risques opérationnels et renforce la bancabilité des projets dans de multiples secteurs.
Transport: mobilité, productivité et émissions
Les inefficiences du secteur des transports imposent des coûts économiques significatifs au Liban, à travers la congestion, la surconsommation de carburants, la pollution atmosphérique et les pertes de productivité. Des décennies de sous-investissement dans les transports publics ont engendré un système fortement dépendant des véhicules privés, accentuant les inégalités et la vulnérabilité aux chocs liés aux prix de l’énergie. Pour les entreprises, une mobilité peu fiable se traduit par une hausse des coûts logistiques et une baisse de la productivité du travail. La reconstruction verte du secteur des transports privilégie des systèmes de mobilité modernes, efficaces et à faibles émissions. Les investissements dans les corridors de transport collectif, l’électrification des flottes et la gestion intelligente du trafic permettent de réduire la congestion et les coûts d’exploitation, tout en améliorant la qualité de l’air. Du point de vue des entreprises, des systèmes de transport performants élargissent les bassins d’emploi, raccourcissent les délais de livraison et diminuent les dépenses en carburant. La résilience des infrastructures de transport est tout aussi déterminante. Conçues pour des conditions climatiques désormais dépassées, de nombreuses routes et infrastructures routières sont de plus en plus exposées aux inondations et au stress thermique. L’adoption de normes de conception résilientes au climat, combinée à des régimes de maintenance adaptés, permet de réduire les coûts sur l’ensemble du cycle de vie des infrastructures et de limiter les perturbations des chaînes d’approvisionnement. Si les références internationales évoquent généralement des bénéfices de l’ordre de 4 pour 1 pour les infrastructures résilientes, les analyses spécifiques au Liban confirment des retours économiques comparables, voire supérieurs: Programme des Nations Unies pour le développement estime que l’adaptation climatique génère un ratio d’environ 3,2 pour 1, tandis que la stratégie nationale LT-LEDS du Liban fait état de ratios coûts-bénéfices passant d’environ 2,2 pour 1 à l’horizon 2030 à près de 5,1 pour 1 en 2050, faisant de la reconstruction des transports une proposition économiquement particulièrement attractive.
Tourisme: reconstruire un avantage comparatif vert
Le tourisme a historiquement constitué un pilier de l’économie libanaise, générant des emplois, des recettes en devises et une visibilité régionale. Toutefois, la dégradation environnementale, les défaillances des infrastructures et les pressions climatiques ont progressivement érodé la compétitivité du secteur. Les pénuries d’énergie, la pollution de l’eau et la gestion inadéquate des déchets portent directement atteinte aux actifs touristiques et à la confiance des investisseurs. La reconstruction verte offre l’opportunité de repositionner le secteur touristique autour de la durabilité et de la résilience. Les investissements dans les énergies renouvelables, l’efficacité hydrique, le traitement des eaux usées et la gestion des déchets solides dans les zones touristiques permettent de réduire les coûts d’exploitation tout en améliorant la qualité environnementale. L’écotourisme, le tourisme culturel et le tourisme de nature constituent des leviers de diversification de l’offre et d’extension des chaînes de valeur vers les zones rurales. Les données internationales montrent que les investissements dans la conservation de la nature et le tourisme durable génèrent des retombées économiques élevées, souvent plusieurs fois supérieures à l’investissement initial, à travers la création d’emplois, les dépenses locales et les services écosystémiques (Banque mondiale, 2021). Pour le Liban, aligner la reconstruction du secteur touristique sur des principes verts permettrait de restaurer sa compétitivité tout en préservant son capital naturel et culturel.
Créer les conditions du succès: finance, gouvernance et compétences
Le succès de la reconstruction verte repose sur des conditions habilitantes capables d’aligner le financement, la gouvernance et le capital humain. Les projets fragmentés, largement pilotés par les bailleurs, doivent céder la place à des cadres d’investissement cohérents, en mesure de mobiliser les financements publics, les capitaux privés et les fonds climatiques. Les plateformes d’investissement vert et les instruments de financement mixte (blended finance) peuvent ainsi réduire les risques pesant sur l’investissement privé dans les infrastructures de l’énergie, de l’eau, des transports et du tourisme (Programme des Nations Unies pour le développement, 2023). La clarté réglementaire, la transparence des procédures de passation des marchés et des cadres tarifaires prévisibles sont indispensables pour attirer des capitaux de long terme. La dimension sociale est tout aussi déterminante. Si la reconstruction verte peut générer d’importantes opportunités d’emploi, ces gains ne se traduiront en stabilité durable que s’ils s’accompagnent de politiques ciblées de développement des compétences et de dispositifs de protection sociale (Organisation internationale du Travail et Programme des Nations Unies pour le développement, 2011). Academic institutions, including the Lebanese American University, play a critical role by producing evidence, training professionals, and demonstrating solutions through campus and community initiatives. In doing so, they help bridge the gap between policy ambition and market‑ready implementation. Les institutions académiques, dont la Lebanese American University, jouent un rôle déterminant en produisant des données probantes, en formant des professionnels et en démontrant des solutions concrètes à travers des initiatives menées sur les campus et au sein des communautés. Elles contribuent ainsi à combler l’écart entre l’ambition des politiques publiques et leur mise en œuvre opérationnelle, prête pour le marché.
Conclusion: un argument économique en faveur de la reconstruction verte
Pour la communauté des affaires libanaise, les décideurs publics et les partenaires du développement, la reconstruction verte ne doit pas être perçue comme un agenda sectoriel ou un simple ajout environnemental, mais comme une stratégie économique centrale pour restaurer la stabilité et la compétitivité. Les constats issus des secteurs de l’énergie, de l’eau, des transports et du tourisme sont convergents: des systèmes inefficaces, dépendants des combustibles fossiles et vulnérables aux aléas climatiques génèrent des coûts d’exploitation élevés, accroissent les risques pour l’investissement et freinent la productivité. Persister dans des ajustements marginaux ou reconstruire des systèmes hérités du passé ne ferait qu’ancrer ces handicaps structurels, à un moment où le Liban peut le moins se le permettre. La reconstruction verte ouvre une trajectoire différente. En donnant la priorité à une énergie fiable, à des ressources hydriques sécurisées, à une mobilité efficace et à des actifs touristiques durables, le Liban peut lever certaines des contraintes les plus fortes qui pèsent sur l’activité du secteur privé, tout en réduisant simultanément les pressions budgétaires, la dépendance aux importations et l’exposition aux chocs climatiques et géopolitiques. La logique économique est sans équivoque: les investissements dans des infrastructures résilientes et efficientes génèrent de manière récurrente des retours économiques multiples, à travers l’évitement des pertes, la réduction des coûts sur le cycle de vie, l’amélioration de la productivité et le renforcement de la confiance des investisseurs. Dans un contexte de rareté du capital, ces rendements ne relèvent pas de l’aspiration — ils sont indispensables. Surtout, la reconstruction verte permet au Liban d’articuler des améliorations rapides des services avec une transformation structurelle de long terme. Les énergies renouvelables décentralisées, la réutilisation de l’eau, les transports collectifs et le tourisme fondé sur la nature peuvent générer des gains immédiats en termes de fiabilité et de réduction des coûts, tout en posant les bases d’une économie plus diversifiée, bas carbone et résiliente. Pour concrétiser ce potentiel, l’action publique doit être ciblée et coordonnée: aligner les investissements sectoriels sur des normes de résilience climatique et d’efficacité ; mobiliser des instruments de financement mixte et des plateformes d’investissement vert afin d’attirer les capitaux privés ; réformer les cadres tarifaires, les procédures de passation des marchés et la réglementation pour récompenser l’efficacité et la fiabilité plutôt que la dépendance aux combustibles fossiles ; et investir dans les compétences et les capacités institutionnelles afin d’assurer une transition juste, crédible et bancable. En définitive, les choix opérés au cours des prochaines années façonneront la trajectoire économique du Liban pour des décennies. La reconstruction verte offre l’opportunité de dépasser la simple gestion de crise pour s’orienter vers un modèle de développement plus stable et attractif pour l’investissement — un modèle dans lequel la durabilité renforce la croissance plutôt qu’elle ne la contraint. Pour le Liban, reconstruire de manière plus intelligente ne relève pas uniquement de la responsabilité environnementale ; c’est une condition préalable à la reprise économique, à la cohésion sociale et à la résilience nationale à long terme.
References
Economic and Social Commission for Western Asia. (2020). Water development report. United Nations. International Financial Institutions, Arab NGO Network for Development, & Lebanese Center for Policy Studies. (2022). Towards a green recovery agenda for Lebanon. Discussion paper. International Labour Organization, & United Nations Development Programme. (2011). Green jobs assessment in Lebanon. United Nations Development Programme. (2023). Climate Promise 2.0: Lebanon project documentation. World Bank. (2021). Nature-based tourism and economic returns. World Bank. (2024). Lebanon Country Climate and Development Report. World Bank. (2025). Lebanon Rapid Damage and Needs Assessment.
Call‑Out Boxes: Key Economic Signals
Electricity Cost in Lebanon • Average public electricity supply: < 4 hours/day • Private diesel generation cost: USD > 0.50 per kWh • Regional benchmark (grid electricity): USD 0.08–0.12 per kWh Source: World Bank (2024), Lebanon CCDR Implication: High energy costs significantly erode business competitiveness, increase production costs, and discourage new investment.
Non‑Revenue Water (NRW) • National NRW rate: >45% • Regional best practice: 15–20% • Main causes: leakage, illegal connections, weak metering Source: ESCWA (2020); World Bank (2025)
Implication: NRW represents lost revenue, higher operating costs, and reduced water security for agriculture, industry, and tourism.
Tourism Return on Investment (ROI) • Every USD 1 invested in nature conservation and eco‑tourism can generate USD 5–7 in economic returns • Job creation multiplier higher in rural and peripheral areas Source: World Bank (2021) Implication: Green tourism investments offer strong returns while preserving natural capital and enhancing Lebanon’s comparative advantage.
Transport Costs and Productivity Losses in Lebanon • Mode share: >80% of daily trips rely on private vehicles • Public transport: Fragmented, informal, and under-invested • Fuel exposure: High sensitivity to fuel price volatility and supply disruptions • Congestion impacts: Significant productivity losses due to travel delays, unreliable logistics, and elevated vehicle operating costs • Emissions: Transport is among the fastest-growing contributors to urban air pollution and greenhouse gas emissions
Sources: World Bank (2024); ESCWA (2020)
Implication: Targeted investment in mass transit, fleet electrification, and climate-resilient infrastructure can lower operating costs, expand workforce access, and strengthen urban competitiveness while reducing emissions.
أعلن QNB عن عرض خاص محدود بالتزامن مع اليوم الوطني لدولة قطر، والذي يُعد مناسبة فريدة للتعبير عن الفخر والإعتزاز بالانتماء لدولة قطر، يتيح لعملائه تحقيق طموحاتهم المالية بسهولة أكبر من أي وقت مضى.
ويقدم البنك سعر فائدة استثنائي يبلغ 3.45% سنوياً على القروض الشخصية وقروض السيارات والقروض العقارية الجديدة، وذلك حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2025.
يأتي هذا العرض في إطار إلتزام البنك الدائم بمكافأة عملائه على ولائهم وتلبية تطلعاتهم المالية من خلال توفير حلول مصرفية تنافسية تُسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل بشروط ميسّرة. ويهدف البنك من خلال هذه المبادرة إلى تعزيز تجربة عملائه المصرفية عبر تقديم عروض تجمع بين القيمة والراحة والتميُّز.
وتُعد مجموعة QNB إحدى المؤسسات المالية الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وواحدة من العلامات التجارية المصرفية الأعلى قيمة في المنطقة، وهي تتواجد في أكثر من 28 دولة عبر آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتقدم منتجات وخدمات مصرفية ومالية متنوّعة مدعومة بالإبتكار، مع فريق عمل يضم أكثر من 31,000 متخصّص لقيادة التميُّز المصرفي في جميع أنحاء العالم.
QNB: الصين تعزز مكانتها العالمية عبر الصناعات عالية القيمة
من جهة أخرى، أكد بنك قطر الوطني QNB في تقرير أن الصين نجحت خلال السنوات الماضية في تحويل نظامها الإنتاجي نحو الأنشطة عالية القيمة، منتقّلة من تصدير السلع الإستهلاكية البسيطة إلى أنظمة الإنتاج المتقدّمة، ما عزّز موقعها في الطرف العلوي من سلاسل التوريد العالمية.
وتوقع البنك أن تكتسب النقاشات المتعلقة بالخطة الخمسية الجديدة للصين وسياساتها الصناعية زخماً إضافياً خلال الأشهر المقبلة، مع التركيز على القطاعات الرئيسية، خاصة الذكاء الإصطناعي وأشباه الموصلات، مشيراً إلى أهمية تقييم ما تم إنجازه حتى الآن مع إقتراب الصين من إتمام خطتها الخمسية الرابعة عشرة (2021-2025)، وبعد مرور عقد على إطلاق إستراتيجية «صُنع في الصين 2025»، التي تستهدف نقل البلاد من لقب «مصنع العالم» إلى «دولة رائدة عالمياً في التصنيع المتقدم».
وتُظهر الأدلة، وفق التقرير، أن الإستراتيجية تؤتي ثمارها، فبحسب مؤشر تتبع التكنولوجيا الهامة الصادر عن معهد السياسات الإستراتيجية الأسترالي (ASPI)، إرتفعت ريادة الصين في التقنيات الإستراتيجية من 3 تقنيات فقط من أصل 64 في العام 2007 إلى 57 تقنية في العام 2023، متقدمة بذلك على معظم الاقتصادات المتقدمة في مجالات البحث والتطوير للتكنولوجيا ذات التطبيقات الإستراتيجية.
وأفاد التقرير أنه يُمكن ملاحظة هذا الأداء الإستثنائي بوضوح في قطاعات رئيسية، مثل الروبوتات والسيارات الكهربائية والطاقة الخضراء، مسلطاً الضوء في هذا السياق على الروبوتات، فبحسب الإتحاد الدولي للروبوتات، تم تركيب أكثر من 290,000 روبوت صناعي في الصين في عام 2024، وهو ما يمثل أكثر من نصف عمليات نشر هذا النوع من الروبوتات عالمياً.
مؤتمر «الناس والبنوك 2025» في نسخته الـ 19 برعاية البنك المركزي المصري
التوازن بين النمو الإقتصادي والتحوُّل الرقمي والإستدامة المالية
جاء إنعقاد مؤتمر الناس والبنوك في دورته الـ 19، تحت رعاية البنك المركزي المصري، وتنظيم المركز الإعلامي العربي، وبمشاركة نخبة من قيادات البنوك المصرية وخبراء الإقتصاد الرقمي والإستدامة، تحت شعار «إقتصاد ذكي…مستقبل آمن»، حيث ناقش أهم القضايا الإقتصادية على الساحتين المصرية والعربية، تأكيداً لأهمية القطاع المصرفي المصري خلال المرحلة المقبلة، بغية تحقيق التوازن بين النمو الإقتصادي، والتحوُّل الرقمي، والإستدامة المالية، بما يواكب تطوّرات الإقتصاد العالمي ويُعزز قدرة مصر على بناء إقتصاد ذكي وآمن للمستقبل.
وقد ضمّ المؤتمر قائمة طويلة من المصرفيين والرؤساء التنفيذيين في البنوك المصرية، وفي مقدّمهم طارق الخولي نائب محافظ البنك المركزي المصري، ومحمد الأتربي رئيس إتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري ورئيس إتحاد المصارف العربية، بالإضافة إلى هشام عكاشة الرئيس التنفيذي لبنك مصر (رئيس المؤتمر)، ويحيي أبو الفتوح نائب رئيس البنك الأهلي المصري (أمين عام المؤتمر).كما شهد المؤتمر جلسات تحاور ضمّت كلاً من محمد بدير الرئيس التنفيذي لبنك QNB مصر، وطارق فايد الرئيس التنفيذي للمصرف المتحد، إلى جانب الدكتورة غادة توفيق وكيل محافظ البنك المركزي المصري، وأحمد جلال رئيس البنك المصري لتنمية الصادرات، وعاكف المغربي رئيس بنك قناة السويس.وشارك في المؤتمر أيضاً سهى التركي نائب رئيس البنك الأهلي المصري، وحسام عبد الوهاب نائب رئيس بنك مصر، ومحمد على الرئيس التنفيذي لمصرف أبوظبي الإسلامي، وعمرو الجنايني نائب رئيس البنك التجاري الدولي، والدكتور عبد العزيز نصير المدير التنفيذي للمعهد المصرفي المصري.وبعد عرض فيديو بعنوان «مستقبل البنوك 2035»، ألقى كلمة ترحيب الدكتور مصطفى الفقي، رئيس مجلس إدارة المركز الإعلامي العربي، المنظم للمؤتمر. كما تحدثت الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتعاون الدولي (كلمة مسجلة من الخارج)، فيما تحدث كل من السادة: طارق الخولي، ومحمد الأتربي، وهشام عكاشة، ويحيى أبو الفتوح. وأحيراً كانت كلمة ختامية للكاتب الصحفي صبري غنيم العضو المنتدب للمركز الإعلامي العربي.وإنعقدت خلال المؤتمر ثلاث جلسات:الجلسة الأولى – بعنوان: «البنوك والإصلاح الإقتصادي.. شراكة من أجل الإستقرار».الجلسة الثانية – بعنوان: «أمان البنوك في عالم ذكي»، حيث ناقشت التحدّيات الأمنية المصاحبة للتحوُّل الرقمي وإعتماد تقنيات الذكاء الإصطناعي في القطاع المصرفي.فيما الجلسة الثالثة ناقشت أهمية التمويل المستدام ودور البنوك في مواجهة تحدّيات المناخ.وخلال الجلسة الختامية، أعلن المؤتمر مجموعة من التوصيات المهمة التي تستهدف دفع القطاع المصرفي المصري نحو مزيد من الإبتكار والإستدامة، وتعزيز قدرته على مواكبة التحوُّل الرقمي العالمي.وقد إختتم المؤتمر بإعلان نتائج المسابقة البحثية التي نظمها المصرف المتحد حول «إستخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم الجدارة الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة».
الرئيس التنفيذي لبنك مصر هشام عكاشة:
حققنا معدّلات نمو تُراوح من 25 % إلى 30 % في قطاع التجزئة المصرفية
قال هشام عكاشة الرئيس التنفيذي لبنك مصر، إن البنك حقق معدلات نمو بنسبة 26 % إلى 27 % في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال العام 2025.
وأضاف عكاشة خلال كلمته في فعّاليات «مؤتمر الناس والبنوك 2025» الذي إنعقد تحت رعاية البنك المركزي المصري، «أن بنك مصر يولي إهتماماً كبيراً بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة وقطاع تمويلات الأفراد خلال الفترة المقبلة»، مشيراً إلى «أن البنك حقّق معدّلات نمو تُراوح من 25 % إلى 30 % في قطاع التجزئة المصرفية»، موضحاً «ضرورة حرص العملاء من عمليات النصب والإحتيال وعدم الكشف عن البيانات الشخصية والحفاظ على سرية البيانات».
يحيى أبو الفتوح نائب، الرئيس التنفيذي:
القطاع المصرفي ركيزة أساسية في دعم خطط الدولة للإصلاح الاقتصادي والتنمية
قال يحيى أبو الفتوح، نائب الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري: «إن القطاع المصرفي المصري يمثل ركيزة أساسية في دعم خطط الدولة للإصلاح الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة».
تحفيز النمو الإقتصادي
وأشار أبو الفتوح خلال مشاركته في «مؤتمر الناس والبنوك»، إلى «أن البنوك نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ سياسات تمويلية ورقمية متطورة أسهمت في تعزيز الإستقرار المالي وتحفيز النمو الإقتصادي»، موضحاً «أن الإستراتيجيات المصرفية الحالية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها دعم جهود الإصلاح الإقتصادي عبر الشراكة مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص لتمويل المشروعات الإنتاجية ودعم القطاعات الحيوية وتوسيع قاعدة الشمول المالي، بما يضمن استدامة النمو وزيادة فرص العمل».
التحوُّل الرقمي والأمن السيبراني
وأكد أبو الفتوح «أن البنك الأهلي المصري نفّذ خلال السنوات الأخيرة خطة طموحة للتحوُّل الرقمي والأمن السيبراني تضمّنت تطوير التطبيقات الذكية وتوسيع الخدمات الإلكترونية، إلى جانب الإستثمار في تأهيل الكوادر البشرية العاملة في مجالات التكنولوجيا المالية والأمن السيبراني، إيمانًا بأن العنصر البشري هو الأساس الحقيقي لأي عملية تطوير ناجحة».وأشار أبو الفتوح إلى «أن تنمية الكفاءات البشرية أصبحت أولوية إستراتيجية داخل القطاع المصرفي»، مشيداً بالتعاون الوثيق بين البنوك ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في تنفيذ برامج تدريب وتأهيل متخصّصة، مؤكداً «أن السوق المحلية يشهد طلباً متزايداً على الكفاءات التقنية المصرية التي أثبتت قدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً».وختم أبو الفتوح قائلاً: «القطاع المصرفي المصري يسير بخطى ثابتة نحو بناء منظومة مالية رقمية أكثر مرونة وكفاءة، تعتمد على التكنولوجيا والإبتكار، وتستند إلى كفاءات بشرية قادرة على قيادة المستقبل بثقة»
توصيات مؤتمر «الناس والبنوك 2025»
ترسم خريطة التحوُّل الذكي في القطاع المصرفي المصري:تعزيز البنية التحتية للمدفوعات الرقمية وتطوير حلول دفع مبتكرة
إختُتمت فعاليات الدورة الـ 19 من مؤتمر «الناس والبنوك 2025»، بإعلان التوصيات النهائية، تلاها يحيى أبو الفتوح نائب رئيس البنك الأهلي المصري وأمين عام المؤتمر،بمشاركة مقرّرة المؤتمر وفاء الغزالي، وهي كالتالي:
– ضخُّ إستثمارات جديدة وعقد شراكات لتمكين إستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي في كشف ومنع عمليات الإحتيال والهجمات السيبرانية بشكل إستباقي.
– تعزيز البنية التحتية للمدفوعات الرقمية وتطوير حلول دفع مبتكرة وسهلة الإستخدام لترسيخ التحوُّل نحو مجتمع غير نقدي.
– تطوير منتجات مالية مخصصة للفئات الأقل تمثيلاً، مثل المرأة والشباب والمناطق النائية، لتوسيع قاعدة الشمول المالي وتعزيز التمكين الإقتصادي.
– دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة بإعتبارها قاطرة النمو الإقتصادي، مع توفير خدمات غير مالية لرفع كفاءتها وإستدامتها.
– توسيع نطاق التمويلات المستدامة للمشروعات الصديقة للبيئة، خصوصاً في مجالات النقل والبنية التحتية، مع رفع كفاءة إدارة المخاطر البيئية والإجتماعية.
– تعزيز التعاون مع الجامعات والشركات الناشئة لتطوير تطبيقات الذكاء الإصطناعي وتوطين التكنولوجيا داخل القطاع المصرفي.
– رفعُ الوعي بالأمن السيبراني والتدريب المستمر للعاملين في البنوك، مع حملات توعية للمواطنين بإعتبارهم خط الدفاع الأول ضد الإحتيال الإلكتروني.
إطلاق مبادرة «إفتح حسابك في مصر» للعاملين في الخارج
محافظ «المركزي المصري» حسن عبد الله:
المبادرة ستُسهم في تشجيع تحويلات المصريين في الخارج إلى البنوك المصرية
وقيع البروتوكول في حضور معالي محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله وقيادات البنك المركزي ووزارة الخارجية وكل من البنك الأهلي وبنك مصر
تماشياً مع رؤية الدولة المصرية لتلبية إحتياجات المصريين العاملين في الخارج وتيسير كافة الخدمات المقدمة لهم، أطلق البنك المركزي المصري، ووزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج، مبادرة «إفتح حسابك في مصر» بالتعاون مع البنك الأهلي المصري وبنك مصر.
وقد شارك حسن عبدالله محافظ البنك المركزي المصري، وبدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج، في مقر البنك المركزي المصري، في مراسم توقيع بروتوكول تعاون مشترك لتنفيذ المبادرة، في حضور المستشار أحمد سعيد خليل رئيس مجلس أمناء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ورامي أبو النجا نائب المحافظ للإستقرار النقدي، وطارق الخولي نائب المحافظ للإستقرار المصرفي، ومحمد أبو موسي مساعد المحافظ، والمستشار عمرو فاروق رئيس المكتب الفني بوحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ووقّع البروتوكول نبيل حبشي نائب وزير الخارجية للهجرة وشؤون المصريين في الخارج، عن وزارة الخارجية، وكل من محمد الإتربي الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، وهشام عكاشة الرئيس التنفيذي لبنك مصر، وفي حضور عدد واسع من قيادات البنك المركزي المصري ووزارة الخارجية وكل من البنك الأهلي وبنك مصر.
وتُتيح المبادرة للمصريين العاملين في الخارج إمكانية فتح حسابات مصرفية في البنك الأهلي المصري أو بنك مصر، من خلال التوجه إلى أقرب مقر بعثة دبلوماسية أو قنصلية مصرية في الخارج، لإستيفاء النموذج الخاص بفتح الحساب والتوقيع عليه ثم التصديق عليه من جانب السفارة أو القنصلية التي ستتولى إرساله إلى ديوان وزارة الخارجية لمتابعة توثيق الأوراق ثم تسليمها إلى البنكين.
وأكد حسن عبد الله محافظ «المركزي المصري»، أن «المبادرة ستُسهم في تشجيع تحويلات المصريين في الخارج إلى البنوك المصرية، وتعزيز إستثمارهم لمدّخراتهم في الأوعية الإدخارية المتاحة داخل مصر، فضلاً عن تيسير الخدمات المصرفية المقدمة لهم»، مشيداً بالدور الوطني «الذي يقوم به القطاع المصرفي لصالح الإقتصاد المصري، كذلك بالجهد الذي بُذل من أجل تحويل هذه المبادرة إلى واقع يستجيب لتطلُّعات كثير من المصريين في الخارج خصوصاً في ما يتعلق بتيسير المعاملات المصرفية في البنوك المصرية، بالإضافة إلى خفض تكلفة تحويل الأموال إلى داخل البلاد إلى أدنى حد ممكن».
تخرّج دفعات جديدة من برنامج «قيادات المستقبل» في المعهد المصرفي
من جهة أخرى، شهد المحافظ حسن عبد الله، ورئيس مجلس إدارة المعهد المصرفي المصري، حفل تخريج أربع دفعات جديدة من برنامج «قيادات المستقبل» في المعهد المصرفي، الذراع التدريبي للبنك المركزي، في حضور رامي أبو النجا نائب محافظ البنك المركزي للإستقرار النقدي، وطارق الخولي نائب محافظ البنك المركزي للإستقرار المصرفي وعضو مجلس إدارة المعهد، والدكتور عبد العزيز نصير المدير التنفيذي للمعهد، إضافة إلى أعضاء مجلس إدارة المعهد، ولفيف من القيادات التنفيذية ومسؤولي الموارد البشرية والتدريب بالقطاع المصرفي.
وأعرب المحافظ، في كلمته خلال الحفل، عن إعتزازه بالمشاركة في حفل تخرج دفعات جديدة من برنامج «قيادات المستقبل»، الذي يُعد أحد أعرق البرامج التدريبية التي يقدمها المعهد المصرفي المصري، حيث إنطلق منذ 30 عاماً، ليواصل على مدار ثلاثة عقود دعم وتنمية الكفاءات الشابة داخل القطاع المصرفي»، مؤكداً «أن البنك المركزي يضع العنصر البشري في صدارة أولوياته، وذلك من منطلق إيمانه بأنه الركيزة التي يُبنى عليها مستقبل القطاع المصرفي وازدهاره».
وشهد الحفل تخريج الدفعات 32 و33 و34 و35، بإجمالي 93 خريجاً من القيادات الشابة في البنوك المصرية، ممن إجتازوا هذا البرنامج التدريبي المكثف الذي صمّمه المعهد المصرفي المصري خصّيصاً لإعداد صفّ ثانٍ من القيادات المصرفية المؤهلة، وذلك في إطار جهوده المستمرة لِإعداد وتطوير رأس المال البشري في القطاع المصرفي وفقًا لأحدث الممارسات والمعايير الدولية في تطوير الكوادر القيادية.
الإقتصاد المصري يتعافى وضغوط التضخُّم محدودة
على صعيد آخر، كشف تقرير حديث للبنك المركزي المصري، أن النشاط الإقتصادي واصل تعافيه خلال الربع الثاني من العام 2025، متوقعاً أن يستمر هذا التعافي خلال الربع الثالث بوتيرة أبطأ، مدفوعاً في الأساس بأداء إقتصادات الأسواق الناشئة.
وتوقع «المركزي المصري» أن يُواصل التضخُّم العالمي تباطؤه مقترباً من مستهدفات البنوك المركزية، في حين تراجعت أسعار السلع الأساسية عالمياً خلال الربع الثالث من العام، متأثرة بإنخفاض أسعار الطاقة وتراجع تضخم أسعار الغذاء للشهر الرابع توالياً حتى سبتمبر/ أيلول 2025.
على صعيد غير متصل، وفي إطار جهود «المركزي المصري» لتمكين الشباب وترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي رائد في مجال التكنولوجيا المالية، أطلقت مبادرة FinYology التابعة لـ «فينتك إيجبت»، تحت مظلة البنك المركزي وبالتعاون مع إتحاد بنوك مصر والمعهد المصرفي المصري، النسخة الثالثة من مسابقة FinTech Got Talent 2025، التي تُقام بين طلاب الجامعات بهدف اختيار أفضل المشروعات والأفكار الإبتكارية في هذا المجال.
وإستضاف البنك المركزي، مؤخراً، فعّاليات إطلاق النسخة الجديدة من المسابقة، حيث ألقى رامي أبو النجا نائب محافظ البنك المركزي المصري الكلمة الإفتتاحية، في حضور عدد واسع من قيادات البنك المركزي والقطاع المصرفي، وممثلين عن الجامعات المصرية.
وتضمّنت المسابقة مراحل عدة، بدأت بتصفيات على مستوى الجامعات، وإنتهت بإختيار أفضل 11 مشروعاً لإحتضانهم ضمن برنامج متكامل لمدة شهر داخل حاضنة الأعمال DMZ Cairo، وذلك بهدف تطوير مشروعاتهم وتحويل أفكارهم الإبتكارية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق في السوق، وقد إختُتمت الفعّاليات بالإعلان عن المشروعات الثلاثة الفائزة.
وفي ختام المسابقة، قام المهندس أيمن حسين وكيل أول محافظ البنك المركزي المصري بتسليم الجوائز للفرق الفائزة، حيث حصل فريق جامعة إسلسكا على المركز الأول في المسابقة عن مشروع تطبيق Tapay الذي يحوّل الهواتف الذكية إلى أجهزة دفع غير تلامسية، مما يسهّل قبول المدفوعات دون الحاجة إلى أجهزة تقليدية، فيما حل فريق الجامعة البريطانية في مصر في المركز الثاني عن تطبيق Money Adventure، وهو أول تطبيق يهدف إلى تثقيف الأطفال ماليًا من لعبة تفاعلية تجعل التعلم المالي ممتعاً، أما المركز الثالث، فكان من نصيب فريق جامعة القاهرة عن مشروع AgriDawar .
11 مصرفاً سعودياً يستحوذون على ربع موجودات أكبر 100 مصرف عربي
شكلت موجودات 11 مصرفاً سعودياً مدرجة ضمن قائمة أكبر 100 مصرف عربي للعام الماضي 24.4 % إذ بلغت 1.1 تريليون دولار من أصل 4.5 تريليونات دولار تمثل مجموع موجودات المصارف العربية المدرجة في القائمة، وفق ما ذكره الأمين العام لإتحاد المصارف العربية الدكتور وسام فتوح لـ «الإقتصادية».
وأكد د. فتوح «أن نتائج الدراسة التحليلية التي أعدّها الإتحاد تُبرز قوة ومتانة القطاع المصرفي السعودي ومكانته في النظام المالي العربي، وتنامي محافظها الإئتمانية».
«الأهلي» يتصدّر المصارف السعودية
بحسب الدراسة، تصدّر البنك الأهلي السعودي ترتيب المصارف المحلية، وجاء في المرتبة الثالثة عربياً والـ106 عالمياً من حيث الموجودات، تلاه مصرف الراجحي في المرتبة الثانية محلياً، والخامسة عربياً، والـ114 عالمياً، وجاء بنك الرياض في المرتبة الثالثة محلياً، والتاسعة عربياً، والـ194 عالمياً، يليه البنك السعودي الأول في المرتبة الرابعة محلياً، والـ11عربياً، والـ214 عالمياً.
أما البنك السعودي الفرنسي فحلّ في المرتبة الخامسة محلياً، والـ13 عربياً، والـ280عالمياً، يليه مصرف الإنماء في المرتبة السادسة محلياً، والـ14 عربياً، والـ294 عالمياً، فيما جاء البنك العربي الوطني في المرتبة السابعة محلياً، والـ19 عربياً، والـ321 عالمياً، ثم البنك السعودي للإستثمار في المرتبة الثامنة محلياً، والـ30 عربياً، والـ443 عالمياً.
وجاء بنك البلاد في المرتبة التاسعة محلياً، والـ31 عربياً، والـ446 عالمياً، يليه بنك الجزيرة عاشراً محلياً، والـ32 عربياً، والـ457 عالمياً، وأخيراً بنك الخليج الدولي في المرتبة الـ11 محلياً، والـ59 عربياً، والـ753 عالمياً.
بنك قطر الوطني الأكبر عربياً
قائمة أكبر 10 مصارف عربية وفق إتحاد المصارف، تصدّرها بنك قطر الوطني، يليه بنك أبو ظبي الأول، البنك الأهلي السعودي، بنك الإمارات دبي الوطني، مصرف الراجحي، بنك أبو ظبي التجاري، بنك الأهلي المصري، بنك الكويت الوطني، بنك الرياض وبيت التمويل الكويتي.
وذكر د. فتوح «أن الإمارات سجّلت أكبر عدد من المصارف العربية ضمن القائمة بعدد 16 مصرفاً، تلتها السعودية 11 مصرفاً، الأردن 10 مصارف، المغرب ومصر 9 مصارف لكل منهما، الكويت والبحرين وقطر 8 مصارف لكل منها، عُمان 6 مصارف، الجزائر وتونس وليبيا 4 مصارف لكل منها، ومصرفان من لبنان، ومصرف واحد من فلسطين»، مشيراً إلى «أن 24 مصرفاً إسلامياً جاؤوا ضمن القائمة، حيث تدير موجودات تقدر بـ 991 مليار دولار، تمثل 22 % من إجمالي موجودات المصارف العربية، ما يعكس النمو المتسارع في الصيرفة الإسلامية ومكانتها المتقدمة في المنطقة».
«ثمانون عاماً مرّت على مغامرة ولدت في زمن كانت فيه المبادرة شجاعة، والريادة حلماً، والإنفتاح رؤية»، بهذه العبارة، حيّا رئيس مجلس الوزراء اللبناني القاضي نواف سلام، شركة طيران الشرق الأوسط «الميدل إيست» في كلمة مؤثرة ألقاها في ذكرى تأسيسها الـ 80، في إحتفالية حملت شعار «من هالأرض لكل الأرض»، وذلك في هنغارات الشركة في مطار رفيق الحريري الدولي، بيروت، وشارك فيها بالإضافة إلى الرئيس سلام صاحب الرعاية، السيدة الأولى نعمت عون، ووزير الاشغال العامة والنقل فايز رسامني، وشخصيات رسمية ودبلوماسية وسياسية وعسكرية وأمنية وفاعليات.
وخلال الحفل، منح رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، شركة طيران الشرق الأوسط، وسام الإستحقاق اللبناني المذهب. كما كرّمت الشركة الموسيقار الراحل زياد الرحباني تقديراً لإرثه الفني ومسيرته المضيئة التي شكّلت رمزاً للإبداع اللبناني، وذلك بإستذكار ما قاله عنها: «إذا راحت الميدل إيست بروح لبنان»، والإستماع الى مقطوعة موسيقية ألّفها الفنان الراحل زياد الرحباني وأطلق عليها إسم «MEA».
كما تخلّل الحفل الذي قدمه الإعلامي محمد قيس، عرض يوثّق مسيرة الشركة منذ إنطلاقتها في العام 1945، مسلّطاً الضوء على مراحل تطورها وتحدّياتها ونجاحاتها، فيما أضفى التكريم طابعاً إنسانياً وثقافياً على المناسبة التي جمعت بين الطيران والفنّ في مشهد يعكس وجه لبنان الحضاري.
وقدّم رئيس مجلس إدارة «الميدل إيست» محمد الحوت، رمز الشركة إلى الرئيس نواف سلام لمناسبة الذكرى 80 لتأسيسها، فيما إختتم الإحتفال بقطع قالب حلوى للمناسبة .
رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام في الذكرى الـ 80 لتأسيس «الميدل إيست»:
هدفنا أن نعيد بناء الدولة اللبنانية على أساس الكفاءة والإنتاج وأن نُحفّز الإستثمار ونشجع على الشراكة
بين القطاعين العام والخاص
وقد جاءت كلمة صاحب الرعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني القاضي نواف سلام، معبّرة وحاسمة في لحظة تاريخية تمرُّ في لبنان والمنطقة، حين إستذكر المراحل التي عبرتها شركة «الميدل إيست» قائلاً: «لقد ولدت «الميدل إيست» في لحظة تاريخية مليئة بالتحوُّلات، وقد كانت سنوات الأربعينيات زمن تحوّل عالمي، وكانت منطقتنا الخارجة من الحرب تبحث عن ذاتها. في ذلك الوقت، لم يكن الطيران مجرّد وسيلة نقل، بل رمز للتقدُّم ومجال جديد لا يدخله إلاّ مَن يملك الرؤية وشجاعة المبادرة.
هذه هي بالضبط روح لبنان التي عبّرت عنها الشركة منذ لحظتها الأولى: بلد لا ينتظر الظروف، بل يخلقها، بلد يريد أن يكون رائداً في محيطه وحاضراً في العالم، لا هامشاً فيه».
ولم ينس الرئيس سلام مرحلة مهمّة في حياته طبعت في ذاكرته «صورة تلال الرمل التي كانت تحيط بالمطار بأضواء بيروت وبدايات الحلم اللبناني الحديث»، ذاكراً «في طفولتي، كنتُ أمرُّ قرب المطار وأرى الطائرات التي تحمل شارة الأرز، وأشعر بشيء من الفخر الغامض. لم أكن أُدرك السبب، لكنني كنتُ أفهم، بطريقة الأطفال، أن تلك الطائرات ليست مجرّد آلات، بل جزء من الحكاية التي كبرنا عليها، حكاية بلد عربي صغير يحلم بأن تكون له أجنحة»، مضيفاً: «كان عمّي صائب، صاحب المبادرة وأول رئيس لمجلس إدارة الشركة، في سنوات كان فيها تأسيس شركة طيران في لبنان مغامرة تُشبه تأسيس البلد نفسه: رؤية تتجاوز الممكن، وإيمان بأن لبنان قادر على أن يكون مركزاً للتواصل والإنفتاح في المنطقة.
وكان دائماً الحديث معه عن «الميدل إيست» يتداخل مع الحديث عن بيروت، عن دورها في العالم العربي، وعن الروابط التي جمعت العديد من أفراد أُسرتنا مع أشقائهم العرب من مصر الى الجزيرة العربية ومن بغداد الى الرباط».
وذكر الرئيس سلام تواريخ الحرب والعزلة، بدءاً من العام 1969 حين كانت الضربة الأولى الكبرى، خلال الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت، والتي دمّرت أسطول الشركة بكامله تقريباً، ومن ثم كانت الحرب في العام 1975، وصولاً إلى الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982، حيث توقف المطار مراراً، ومن ثم جاءت حرب العام 2006 لتُضيف إمتحاناً جديداً: «توقف المطار مجدّداً، وتضرّرت منشآت الشركة، فالحرب الأخيرة في العام 2024، حيث أثبتت «الميدل إيست» أن مؤسساتنا تستطيع أن تنجح حين تقوم على المهنية والمسؤولية فتتحرّر من منطق الزبائنية والولاءات الفئوية».
وشدّد سلام على أن «رؤية الحكومة التي أتشرّف برئاستها تقوم على ركائز شبيهة: فهدفنا هو أن نُعيد بناء الدولة اللبنانية على أساس الكفاءة والإنتاج، وأن نُحفّز الإستثمار ونشجع على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأن نفتح المجال أمام جيل جديد من الرياديين والمبدعين ليصنعوا قصص النجاح المقبلة.
لذلك أطلقنا مبادرات لتحديث الإدارة ومكننتها، ولتأسيس وزارة للتكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، كما عملتُ مع فخامة رئيس الجمهورية على إعادة وصل لبنان بالعالم العربي بعد سنوات من الإنكفاء والعزلة. كذلك عملنا على إعادة بناء الثقة بالدولة عبر الإصلاح المؤسساتي، كما في إستعادة السيادة وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية».
وخلص الرئيس سلام إلى تحية عائلة طيران الشرق الأوسط، ولا سيما الطيارين والمضيفات والمضيفين، والفنيين والمهندسين، والموظفين المحليين، وكل العاملين في الخارج. كذلك «كل التحية إلى Chairman محمد الحوت الذي عرف كيف يُحلّق بأجنحة الأرز من عال إلى أعلى في أشدّ الأيام وأصعبها».
وزير الأشغال العامة فايز رسامني: مطار بيروت الجديد سيكون عصرياً
وبطاقة إستيعابية لمليوني مسافر سنوياً
أما كلمة وزير الاشغال العامة والنقل فايز رسامني، فحملت وعوداً بمطار عصري يُواكب التطوُّرات والمعايير العالمية قائلاً: «إن مطار بيروت الجديد سيكون مطاراً عصرياً، أنيقاً وفعّالاً في آن واحد، مطاراً بطابع «بوتيكي»، يجمع بين الفخامة والراحة والتقنيات الذكية، ليُقدم تجربة سفر راقية لا تنسى»، مضيفاً: «نستعد قريباً لإفتتاح الـ Fast Track لتسهيل حركة المسافرين وتسريع إجراءات العبور، وهذا المشروع، إلى جانب سائر أعمال التأهيل والتحديث، سيُتيح للمطار إستيعاباً إضافياً يقدر بنحو مليوني مسافر سنوياً. وقد بدأنا تأهيل منطقة المغادرة لتجسّد صورة لبنان الحديثة، وتجديد قاعة كبار الزوار (VIP Lounge)، وتحديث المرافق والخدمات، فيما ستتوزّع في أرجاء المطار تحف فنية تُضفي لمسة من الثقافة والجمال».
وأعلن الوزير رسامني: «نحن لا نُرمم مطاراً، بل نبني تجربة جديدة للسفر من لبنان وإليه، وخلال عام واحد، سنُقدم للعالم أحد أكثر المطارات تميُّزاً وأناقة. وبالتوازي، تعمل الوزارة على إعادة تفعيل مطار رينيه معوض، القليعات، كخطوة إستراتيجية لربط شمال لبنان بالعالم وتحفيز التنمية».
رئيس «الميدل إيست» محمد الحوت: المستقبل مزدهر وزاهر وأعددنا خططاً تبدأ بإعادة دور بيروت كمركز صيانة لطائرات الشركات الأجنبية
وتضمّنت كلمة رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط – «الميدل إيست» محمد الحوت، ذكره للعملية الإصلاحية «التي كان لا بد منها في الشركة بين أعوام 1998 و2001»، مذكّراً بـ «الدور الذي لعبته شخصيات كبيرة في دعم تلك العملية الإصلاحية، ساهموا فيها ولم يكن النجاح لولاهم، لا سيما رئيس مجلس الوزراء حينها رفيق الحريري، والرئيس نبيه بري الذي وضع شروطاً بتطبيق القواعد على الجميع من دون إستهداف جماعة معينة، إضافة إلى وضع حدّ أدنى للتعويضات لتأمين نوع من الإستقرار الإجتماعي، وهذا ما حصل»، مشيراً إلى أن «الرئيس نبيه بري هو مَن وافق وأشرف على بيع الشركة وإنتقالها إلى مصرف لبنان».
وبعدما ذكّر بدور النائب وليد جنبلاط «الذي تعني له الشركة كثيراً، ولولاه لم نكن لنستطيع تنفيذ تلك العملية، وهو من الأشخاص الأوائل الذين أيّدوا تلك العملية علناً»، تحدث الحوت عن «الخطوات اللاحقة للشركة لا سيما خلال العام 2006 حين وقع الإعتداء الإسرائيلي على المطار وقد تم إخراج الطائرات»، وقال: «لا بد من التنويه بدور رئيس مجلس الوزراء السابق فؤاد السنيورة والسفير الأميركي حينها جيفري فيلتمان، فلولا إنقاذ تلك الطائرات لم تستطع الشركة إستكمال أعمالها بسهولة بعد حرب تموز 2006».
كما تحدّث الحوت عن التحدّيات التي واجهت الشركة في أيام حكومة الرئيس حسان دياب لا سيما جائحة «كورونا»، لافتاً إلى أنه «مع الرئيس نجيب ميقاتي يوجد تاريخ طويل يبدأ مع العملية الإصلاحية التي كان ميؤوساً منها، حتى أنه كان يوجد تفكير بأن العملية الإصلاحية لن تنجح، وكان هناك تفكير بأن نؤسس لشركة جديدة، ولكننا مع الرئيسين ميقاتي والحريري حينها أكدنا أن شركة «طيران الشرق الأوسط» ستنجح وهذا ما حصل».
وعن مستقبل شركة «طيران الشرق الأوسط» قال الحوت: «مع إنتخاب الرئيس العماد جوزاف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، فإن المستقبل مزدهر وزاهر، ولقد أعددنا خططاً لذلك، تبدأ بإعادة دور بيروت كمركز صيانة لطائرات الشركات الأجنبية، وهذه الهنغارات كانت تستقطب أهم الشركات العالمية ولا سيما من أميركا، وإذا كنا سنستعيد هذا الدور فهو بفضل كفاءة العنصر البشري الموجود في لبنان والشركة، وهو ما يتطلّب إنشاءات جديدة، وقد تحدثت مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد الذي زار الشركة مؤخراً، وإطّلع على الأعمال التي نقوم بها وطلب منا البدء في هذا المشروع، قائلاً: «إذا كان هناك حاجة للأموال فلا توزعوا أرباحاً بل إستثمروها في الشركة لأننا نعمل سوياً لمصلحة الشركة».
وأعلن الحوت عن إطلاق «فلاي بيروت» لمن يفضّل السفر بتكلفة أقل، وهذه الطائرات تتضمّن السلامة نفسها كسلامة طائرات «الميدل ايست»، كاشفاً عن أن «العام المقبل ستتسلّم شركة «طيران الشرق الأوسط» 6 طائرات جديدة»، ولافتاً إلى أن «مجلس الإدارة إتخذ قراراً بتخصيص مساعدات لـ80 مدرسة رسمية في كل المناطق اللبنانية وقيمة المساعدة هي بمعدّل 10 آلاف دولار لكل مدرسة»، موجّهاً «تحية شكر الى مصرف لبنان»، قائلًا: «كل ما تحقق لم يكن ممكناً من دون دعم مصرف لبنان لنا ووقوفه الى جانبنا». كذلك وجّه الحوت تحيّة إلى كل من «وزير الاشغال العامة السابق غازي العريضي، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة اللذين وقفا إلى جانب الشركة».
«إصلاح المصارف» في لبنان قانون مُقيّد بـ «الفجوة المالية»
ومُحاصر بطعن «الدستوري» وملاحظات صندوق النقد الدولي
لم يصل قانون إصلاح المصارف في لبنان إلى أهدافه المرجوة، رغم أن البرلمان اللبناني أقرّه في 31 تموز (يوليو) 2025، إذ إن بعثة صندوق النقد الدولي سجّلت العديد من الملاحظات عليه، وطلبت من وزارة المال اللبنانية والبرلمان الأخذ بها، كما أن المجلس الدستوري أبطل موادَ في القانون خلال أيلول/ سبتمبر 2025 ، بعد طعن قدمته كتلة «لبنان القوي». في الأساس يهدف القانون إلى إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، والتركيز على تعزيز الإستقرار المالي ومُعالجة حالات التعثُّر للمصارف، كما يتضمّن مواد عدّة تهدف الى حماية الودائع وتحسين الرقابة على المصارف.
كل ما سبق أعلاه، يُحفّز على البحث عما يطلبه الصندوق من هذا القانون، وما هو رأي جمعية المصارف، وكيف يستعيد القطاع ككل ثقة المودعين والمستثمرين العرب والأجانب به. بداية لا بد من الإشارة إلى أن طريق العقبات التي تمنع تحويله إلى قانون قابل للتنفيذ عديدة، أولها إرتباطه بقانون إسترداد الودائع والانتظام المالي (الفجوة المالية) الذي على الحكومة وضعه، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب لدرسه وإقراره، وثانيها ملاحظات صندوق النقد الدولي على القانون التي بلغت 22 ملاحظة، مما يعني أنه قد لا يُوافق على توقيع إتفاق مع لبنان في حال لم تنفذ هذه الملاحظات على غرار ما حصل مع قانون السرية المصرفية، وثالثها الطعن الذي قرّره المجلس الدستوري لبعض مواده.
إذاً، وُلد قانون إصلاح المصارف يتيماً رغم خروجه من رحم لجنة المال والموازنة التي أشبعته درساً، فحتى النواب الذين صوّتوا لصالحه يُقرّون أنه غير مُكتمل الأوصاف، في ظل غياب قانون «الإنتظام المالي» أو إسترداد الودائع (الفجوة المالية)، لكن الجميع أرادوه «رسالة إصلاحية» للمجتمع الدولي (على حد تعبير وزير المال اللبناني ياسين جابر). ويرى البعض أن القانون قد يُمثل خطوة في الإتجاه الصحيح لإعادة تنظيم القطاع، لكنه يظل قاصراً عن معالجة جذور الأزمة، كما إنتقدت جهات أخرى القانون لأنه لم يعالج غياب المحاسبة وإختلال موازين القوى، ولأنه قد لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي، من دون كسر الهيمنة السياسية على المصارف وإعادة توزيع الخسائر بشكل عادل.
الدكتورة جوديت التيني:
لقانون موحّد يُترجم الخطة الإصلاحية للحكومية
في الميزان القانوني، توضح المحامية الدكتورة جوديت التيني لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، أنه «يجب إقرار قانون واحد موحّد يُترجم الخطة الإصلاحية ويُعالج كل هذه المواضيع، لا سيما إصلاح المصارف والفجوة المالية»، مشدّدة على أن «هذا القانون يجب أن يُلغي جميع الأحكام القانونية السابقة والمخالفة له، مثل المادة 38 من قانون موازنة العام 2020، التي ياللأسف جرى تمريرها ضمن الموازنة من قبل الحكومة ومجلس النواب، خلافًا لأصول التشريع الدستورية، لأنها من فئة ما يُعرف بـ «فرسان الموازنة»، أي مواد لا علاقة لها بالموازنة، وكان على المجلس الدستوري إبطالها في حينه».
وتشرح التيني أن«هذه المادة تعدّل قيمة ضمان الودائع المصرفية المشمولة بضمانة مؤسسة ضمان الودائع، بحيث تصبح لغاية 75 مليون ليرة لبنانية أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية (رأسمالاً وفائدة)، بالنسبة إلى مجموع حسابات الودائع العائدة لمودع واحد لدى أي مصرف، مع إعتبار أن مركز المصرف وفروعه مؤسسة واحدة. وطبعاً هذا المبلغ غير كافٍ، ويجب على القانون الجديد أن يعالج هذه النقطة».
وتضيف التيني: «لا بد أن يتم تنفيذ أحكام هذا القانون بالتوازي، فتكون إعادة أموال المودعين أولوية. وكفى تأويلاً في تطبيق قانون رفع السرية المصرفية، فهذا التأويل بدأ منذ إقرار القانون العام 2022، بهدف عدم تطبيقه وتركه حبراً على ورق».
وتختم التيني بالقول: «إن إقرار رفع السرية المصرفية لعشر سنوات، كما هو مطروح اليوم، يجب أن يُحتسب من تاريخ إقرار القانون، وليس من تاريخ تقديم طلب رفع السرّية المصرفية عن الحساب. أما خلاف ذلك فيعني تضييع الوقت، والتهرّب، وعدم معالجة الملفات الكبيرة».
الدكتور وليد أبوسليمان: سيتكرر سيناريو قانون
السرية المصرفية مع قانون إصلاح المصارف
يُسجل الخبير الإقتصادي الدكتور وليد أبوسليمان ملاحظات عدة على قانون «إصلاح المصارف»، ويقول: «إن أول ملاحظة يُمكن أن تُسجل هي أنه قانون مُعلّق، أي أنه غير ساري المفعول إلاّ بعد إقرار قانون الفجوة المالية، وعملياً كان يجب إقرار قانون الفجوة المالية لتحديد الخسائر في القطاع المصرفي، وبعدها يتم تحديد كيفية معالجة أوضاعها».
مشيراً إلى أن «الملاحظة الثانية هي ملاحظات صندوق النقد الدولي عليه، فأيّ مساعدة خارجية أو جسر للخروج من الأزمة نحو النظام المالي العالمي وإعادة ترميم الثقة معه، لا يُمكن أن يتم إلاّ عبر صندوق النقد الدولي، وبالأخص في موضوع إعادة هيكلة الدين العام وسندات اليوروبوندز، والصندوق لديه شروط أساسية منها تقييم أكبر 14 مصرفاً في لبنان، بالإضافة إلى تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية في لبنان».
ويلفت إلى أن «الملاحظات الجوهرية التي قدمها الصندوق على القانون عشية إقراره، تطرح علامة إستفهام كبيرة حول كيف يُمكن إبرام إتفاق بينه وبين لبنان، في ظل الإختلاف في وجهات النظر حول قانون إصلاح المصارف والملاحظات الكثيرة التي يسجّلها الصندوق عليه (22 ملاحظة)».
مؤكداً أن «جوهر هذه الملاحظات يكمن في رفض الصندوق سلطة المصارف على الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية المعنية بتقييم أوضاع المصارف)، والتي يُعطيها القانون الحق بالطعن بأيّ قرار تُصدره الهيئة، بالإضافة إلى مشاركة مؤسسة ضمان الودائع فيها، والجميع يعلم أن أكثر أعضائها معيّنون من المصارف، وهذا هو الخلاف الكبير والجوهري بين ما أُقر في القانون وملاحظات الصندوق».
ويؤكد أبو سليمان أن «ملاحظات صندوق النقد الدولي تعني أن الخلاف أساسي بين ما يريده وبين ما أقرّه مجلس النواب»، معتبراً أن «الملاحظة الثالثة التي تُسجّل على القانون، هو إشراك المصرف المركزي في تطبيقه، والجميع يعلم أنه جزء من الأزمة، شئنا أم أبينا، لذلك ليس منطقياً إعطاؤه هامشاً واسعاً لفرض رؤيته على تنفيذ القانون (عضوية الحاكم والنائب الأول)، ومنحه صوتاً إضافياً لصالح «المركزي» الذي هو جزء من الأزمة والزلزال المالي بدأ من عنده».
ولا يستبعد أبو سليمان أن «يتكرر سيناريو قانون السرية المصرفية مع قانون إصلاح المصارف، لجهة عدم قبول الصندوق به حتى تعديله وفق الملاحظات التي أبداها»، آسفاً بأن «هذا الأمر قد تمّ في العام 2022 مع قانون السرية المصرفية إلى أن تمّ إقراره في العام 2025، أي أن مجلس النواب ماطل في إقرار القانون 3 سنوات على حساب المودعين وأموالهم».
ويختم أبو سليمان: «هل يُمكن أن ينتظر المودعون 5 سنوات أخرى للحصول على ودائعهم؟ وهل مَن يكترث للخسائر التي يتكبّدونها نتيجة التذويب الممنهج لودائعهم (رسوم باهظة/ تضخم…)، علماً أنه من شبه المؤكد بأن قانون الفجوة المالية، لن تجرؤ الطبقة السياسية على إقراره قبل الإنتخابات النيابية، لأنه سيحمّل المسؤولية للأطراف التي سبّبت هذه الازمة وهذا أمر غير شعبوي ولذلك من الصعب إقراره».
الدكتور سامي عطالله: لا نص في القانون لحماية
حقوق المودعين بعد تصفية المصارف
يقارب المدير المؤسس لمبادرة سياسات الغد الدكتور سامي عطالله، قانون «إصلاح المصارف» من زاوية مدى قدرته على صون حقوق المودعين، موضحاً أن «أول ملاحظة على القانون تُسجل عليه، هي سيطرة المصرف المركزي على الغرفة الثانية للهيئة المصرفية العليا، وهذا أمر غير سليم وغير صحيح، لأنها يجب أن تكون مستقلة عنه»، لافتاً إلى أن «القانون لا يتضمّن نصّاً صريحاً حول حماية حقوق المودعين، ولا سيما بعد أن تتم إعادة هيكلة المصارف وتصفيتها وترتيب وضعها الداخلي، فهذا الأمر غائب، وعند إطلاعنا عليه تبيّن أنه يحتاج إلى تطبيقات محاسبية واسعة، أي فريق تدقيق كبير ولجنة مستقلّة وقوية لعرض نتائج التدقيق لدى الغرفة الثانية في الهيئة»، مؤكداً بأن «هذا مسار طويل وكبير وهناك خوف من «تلغيم» عمليات التدقيق، التي قد تحصل داخل المصارف، ولا ضمانات بأن يكون هذا المسار سالكاً، بمعنى أن عمليات التدقيق في حسابات المصارف وميزانياتها، ستكون محترفة وشاملة ودقيقة بما يُمكّن من إتخاذ القرار الصحيح والسليم».
قرار المجلس الدستوري
المحامية دينا أبو الزور:
المواد التي تصيب المودعين بالغبن مطعون بها
ماذا يعني أن يُصدر المجلس الدستوري قراراً بإبطال جزئي للقانون رقم 23/2025 المُتعلّق بإصلاح وضع المصارف، وإبقائه على جوهر القانون نافذاً مع بعض التعديلات؟
قبل الإجابة، لا بد من الإيضاح بأن البنود التي قد تم إبطالها وتهم المودعين، هي الفقرة التي كانت تسمح بتفضيل ودائع معينة مثل ودائع المؤسسات العامة على حساب ودائع أخرى، وقد تم إلغاء هذه المادة لأنها تخالف مبدأ المساواة في الدستور. كما تم تجميد البند الذي ينقل الدعاوى العالقة من المحاكم العادية، إلى المحكمة الخاصة بالمصارف لأنه يضرّ بحق المودعين باللجوء إلى القضاء.
أما البنود التي بقيت فهي الهيئة المصرفية العليا، لأن وجودها ضروري لمتابعة الملفات، ولكن يحق للمودعين الطعن بقراراتها، كما ثبّت المجلس الدستوري تاريخ 17 تشرين الأول/ أوكتوبر 2019، حدّاً فاصلاً بين الودائع القديمة والجديدة، وقد تمّ ربط قانون إصلاح المصارف بقانون الإنتظام المالي، الذي لا يزال قيد التحضير في وزارة المال وبالمشاركة مع مصرف لبنان.
تشرح المحامية دينا أبو الزور (رابطة المودعين) أن «إبطال مواد من القانون لا يعني إبطاله بالكامل، وهذا يشير من الناحية القانونية إلى أن هناك جزءاً منه مُخالف للدستور، فيما طريقة التعاطي مع هذا الملف لم تكن منطقية»، معتبرة أنه «بعد صدور هذا الإبطال هناك خياران أمام مجلس النواب، إما مراجعة المواد المطعون بها وتعديلها بما يتناسب مع الدستور اللبناني، كي لا يتم الطعن فيها مرة جديدة، أو إيقاف العمل بالمواد المطعون بها، والسير بالمواد الباقية (هذا أمر غير منطقي) خصوصاً أن قانون إصلاح المصارف مرتبط بقانون الفجوة المالية الذي سيصدر لاحقاً».
تضيف أبو الزور: «بعد صدور الطعن، من المفروض أن يتم إرجاع القانون إلى مجلس النواب، ودراسة المواد التي تم إبطالها لتعديلها وفق ما ينص الدستور عليه، ولإعادة تكوين هذا القانون بكليته. هناك جزء أساسي يجب لفت النظر إليه، وهو أن هذا الطعن الذي قرّره المجلس الدستوري قد «نسف» سردية المصارف، معتبراً أنه ضروري في الموازنة أن تتضمّن حماية الودائع وإستعادة الانتظام المالي، وأن لا يتم تحقيق أي هدف من الهدفين على حساب الآخر، ولا إستعادة للإنتظام المالي على حساب الودائع، لأن ذلك جزء من الحقوق المكرّسة في الدستور»، مشدّدة على أنه «لا يُمكن المفاضلة بين حقين، وبالإضافة الى ذلك، فإن قرار المجلس الدستوري حوّل شعار «الودائع المقدسة» من مجرّد شعار سياسي إلى فعل، وفتح الباب أمام الإنتظام المصرفي من جهة، وأمام الودائع من جهة أخرى، وبين أن نقول إن الودائع مقدسة بطريقة علمية بالفعل وبحسب القانون من جهة ثالثة».
وتختم أبو الزور: «لا خوف على المودعين، لأن المواد التي تصيبهم بالغبن، مطعون بها دستورياً، لكن لا يُمكن الجزم بأن مجلس النواب سينفذ كل التعديلات المطلوبة على القانون والتي طلبها صندوق النقد الدولي»، متمنية «أن يحصل تعديل جوهري للقانون، لضمان حقوق المودعين ويُعالج الأزمة بشكل علمي ومنصف. علماً أننا مقبلون على إنتخابات نيابية، ولن تُقدم أي كتلة نيابية على طلب تعديلات أساسية تتعلق بالمودعين، سواء أكانت محقة أو لا. وأتمنى أن يعدّل المجلس النيابي القانون، ليصبح أكثر منطقياً وجدياً في معالجة الأزمة والمودعين».
موقف جمعية المصارف
عبّرت جمعية مصارف لبنان عن رفضها لصيغة قانون إصلاح المصارف، معتبرة أن «المصارف ليست بحاجة للإصلاح، بل لإستعادة أموال الدولة المودعة لديها. وقد وجهت إعتراضات عدة على مسوّدته الأولى تتعلق بمعالجة التعثُّر المصرفي ومسألة الدائنين، ورغم إعتراضات الجمعية، وافق مجلس النواب على القانون في تموز/ يوليو 2025، لكنه لاقى إنتقادات من جهات أخرى كونه لم يعالج جذور الأزمة. كما إعترضت الجمعية على تسمية القانون «إصلاح وضع المصارف»، لأنها ترى أن المشكلة ليست في القطاع المصرفي بحد ذاته بل في النظام.
الإتجاهات الحديثة في إدارة الإلتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
توظيف الذكاء الإصطناعي في الإمتثال يتطلّب وضع أطر حوكمة صارمة
تضمن العدالة وتمنع الإنحياز وتحافظ على خصوصية المستخدمين
شهد النظام المالي العالمي في العقد الأخير تحوُّلاً نوعياً في مفهوم إدارة الإلتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ لم يعد الإمتثال مجرّد إلتزام شكلي بمجموعة من القواعد التنظيمية، بل أصبح عنصراً جوهرياً من عناصر الحوكمة المؤسسية وركيزة أساسية في تعزيز النزاهة المالية والإستقرار الإقتصادي. فقد أظهرت الأزمات المالية المتعاقبة، إلى جانب التطوُّرات التقنية المتسارعة، أن هشاشة نظم الإمتثال لا تؤدي فقط إلى مخاطر قانونية وعقابية، بل تمتد لتقوّض ثقة المستثمرين والمراسلين الدوليين، وتحدّ من قدرة المصارف على الإنخراط الفاعل في النظام المالي العالمي.
من هنا، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة الإطار المفاهيمي لإدارة الإلتزام بما يتجاوز التقيُّد القاعدي إلى منظور قائم على الفعّالية (Effectiveness-Based Compliance)، حيث يتم تقييم الأداء وفق النتائج المحققة، لا وفق حجم الوثائق والإجراءات المعتمدة. ونتيجة لذلك، باتت قدرة المؤسسات المالية على الوقاية من المخاطر المالية والإجرامية تُقاس بمدى قدرتها على كشف الأنماط المشبوهة وتحليل العلاقات المعقدة بين المعاملات، بدلاً من الإكتفاء بملء النماذج وإرسال التقارير.
وقد فرض هذا التحوُّل الجوهري إعادة هيكلة كاملة لوظائف الامتثال، سواء على مستوى الموارد البشرية، أو البُنى التقنية، أو منهجية تحليل المخاطر، ما خلق تحدّياً جديداً أمام الإدارات المصرفية يتمثّل في تحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والرقابة الوقائية.
الإطار التنظيمي والمعياري العالمي
يُشكل الإطار التنظيمي العالمي لإدارة الإلتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرجعية الأساس التي تستند إليها جميع الأنظمة الوطنية، وهو نتاج تراكم عقود من الجهود الدولية التي هدفت إلى بناء منظومة مالية أكثر شفافية ومتانة. وتُعد مجموعة العمل المالي (FATF) الأساس في هذا البناء، إذ أسست منذ العام 1989 منهجية شاملة تعتمد على التوصيات الأربعين التي وضعت معايير موحدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإنتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع مرور الزمن، تحوُّلت هذه التوصيات من أدوات إسترشادية إلى معايير إلزامية، يُقاس من خلالها إلتزام الدول في إطار التقييمات المتبادلة الدورية التي تنفذها المجموعة. واللافت أن تركيز FATF لم يعد على وجود القوانين فقط، بل على فعّالية التطبيق ومدى قدرة الأنظمة الوطنية على تحقيق نتائج ملموسة، مثل معدّلات التحقيق والإدانة وجودة التنسيق بين الأجهزة الرقابية والقضائية.
أما على الصعيد الأوروبي، فقد شهدت أوروبا منذ العام 2015 سلسلة من الإصلاحات العميقة في إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تُوجت في العام 2024 بإقرار الحزمة التشريعية الجديدة التي تضمّنت إنشاء الهيئة الأوروبية لمكافحة غسل الأموال (The Authority for Anti-Money Laundering and Countering the Financing of Terrorism) ومجموعة من اللوائح الملزمة لجميع الدول الأعضاء. وتمثل هذه الهيئة نقلة نوعية في بنية الإشراف الأوروبي، إذ تتولّى الرقابة المباشرة على المؤسسات المصرفية عالية المخاطر، وستُنشئ قاعدة بيانات موحدة للملكية المستفيدة، إلى جانب وضع حدّ أقصى للتعاملات النقدية لا يتجاوز عشرة آلاف يورو.
وتأتي هذه التطورات إستجابةً للثغرات التي كشفتها فضائح غسل الأموال الأوروبية في السنوات الأخيرة، والتي بيّنت أنّ تعدّد السلطات الوطنية وتفاوت معايير التنفيذ أضعفا فعّالية النظام الأوروبي بأكمله.
أما في الولايات المتحدة، فقد شكّل قانون الشفافية المؤسسية (Corporate Transparency Act) الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع العام 2024، نقطة تحوّل مهمة في تعزيز مبدأ الإفصاح عن الملكية المستفيدة. وألزَم القانون المذكور الشركات الأميركية والكيانات الأجنبية العاملة في السوق بتقديم بيانات دقيقة حول المالكين الفعليين إلى شبكة مكافحة الجرائم المالية، ما وفّر أداة مركزية للحدّ من إساءة إستخدام الهياكل القانونية في إخفاء الهويات الحقيقية للمستفيدين. وبذلك عزّزت الولايات المتحدة نموذجها القائم على الشفافية الوقائية، مكمّلةً سياساتها الصارمة في العقوبات الإقتصادية ومتابعة تمويل الإرهاب، التي لا تقتصر على الأفراد بل تمتد إلى الكيانات الوسيطة وشبكات التمويل غير التقليدية.
وضمن هذا السياق، أصبحت الأصول المشفّرة محوراً تنظيمياً جديداً في أوروبا والولايات المتحدة على السواء. فقد أقرّ الإتحاد الأوروبي في العام 2023 لائحة الأسواق في الأصول المشفّرة، التي تهدف إلى تنظيم عمل مزودي خدمات الأصول الرقمية، وتفرض متطلّبات الإفصاح والحوكمة والإمتثال على غرار المصارف. كما أُقرّت قاعدة Travel Rule التي تُلزم الجهات المزودة بخدمات الأصول المشفّرة بجمع بيانات المرسِل والمستفيد في جميع التحويلات الرقمية، ما أسهم في سدّ الفجوة بين القطاع المصرفي التقليدي والعالم الافتراضي للأصول الرقمية.
وبذلك، يظهر أن الإطار المعياري العالمي يتجه نحو التكامل بين الشفافية، التكنولوجيا، والمساءلة، مع تراجع الفوارق بين الأنظمة المصرفية التقليدية والأنشطة المالية الرقمية.
وتفرض هذه الإتجاهات واقعاً جديداً على المصارف العربية، التي باتت مطالَبة بمواكبة هذه المعايير لا كمتلقية لها، بل كشريك فاعل في صياغة نموذج عربي متطوّر يعكس خصوصيات البيئة الإقليمية ومتطلّبات الإندماج في النظام المالي العالمي.
التقنيات الحديثة في الإمتثال والرصد والتحليل
أحدثت الثورة الرقمية في القطاع المالي نقلة نوعية في مفهوم الإمتثال، بعدما أصبحت التكنولوجيا عنصراً أساسياً في الكشف المبكر عن المخاطر وتعزيز كفاءة الرصد والتحليل. فبينما كان الإمتثال في الماضي يعتمد على قواعد يدوية ونماذج جامدة، أصبح اليوم منظومة ذكية تقوم على تحليل البيانات الضخمة (Big Data) والذكاء الإصطناعي والتحليلات الرسومية (Graph Analytics)، بما يتيح فهماً أعمق للأنماط المشبوهة وتدفقات الأموال العابرة للحدود. وتُعد التحليلات الرسومية من أبرز الأدوات التي غيّرت وجه المراقبة المالية، إذ تسمح برسم العلاقات المعقّدة بين العملاء والمعاملات بطريقة بصرية تكشف شبكات تمويل خفية أو معاملات متكررة تتجاوز الأنماط الطبيعية للسلوك المالي. فالمصارف التي تبنّت هذه الأدوات أصبحت قادرة على تتبّع سلاسل التحويلات التي تتجاوز عشرات الحسابات في دقائق معدودة، وإكتشاف الإرتباطات بين كيانات تبدو في الظاهر غير مترابطة. لم يعُد هذا الأسلوب حكراً على الأجهزة الأمنية، بل أصبح ركيزةً في برامج الإمتثال داخل المؤسسات المالية المتقدمة.
أما الذكاء الإصطناعي، فقد أضاف بعداً تحوُّلياً من خلال قدرته على التعلم الذاتي وتحسين أداء نظم الإنذار مع مرور الوقت. فبدلاً من إعتماد القواعد الثابتة، إنتقلت المؤسسات إلى أنظمة قائمة على النماذج التنبؤية التي تتعلّم من التجارب السابقة وتتكيّف مع تغيّر أنماط السلوك المالي. ونتيجة لذلك، تمكّنت المصارف التي اعتمدت خوارزميات التعلم الآلي من خفض الإنذارات الكاذبة بنسبة تتراوح بين 30 % و50 % في بعض الحالات، مع رفع دقة الإكتشاف وتحسين تخصيص الموارد البشرية.
لكن هذا التطوُّر التقني ترافق مع تحديات جديدة، أبرزها ضرورة ضمان تفسيرية القرارات وشفافية النماذج، إذ لم تعد الجهات الرقابية تقبل أن تُدار قرارات الإيقاف أو الإبلاغ بناءً على «صندوق أسود» لا يُمكن تبرير مخرجاته.
وتبرز أيضاً أهمية التحليلات السلوكية في مراقبة سلوك العملاء والمعاملات بناءً على أنماط إستخدامهم الإعتيادية. فعندما تنحرف حركة العميل عن السلوك الطبيعي المسجل تاريخياً، تُولد إنذارات فورية قد تكشف محاولات غسيل أموال أو تمويلاً غير مشروع. ولعلّ الجمع بين التحليلات السلوكية والرسومية ضمن بيئة تحليلية موحدة يشكل الخطوة التالية في تطوير ما يُعرف بـ «الذكاء الإمتثالي»، وهو إتجاه عالمي تسعى إليه المصارف الكبرى لتقليل الزمن بين الإشتباه واتخاذ القرار.
إلى جانب هذه التقنيات، تلعب البيانات الضخمة دوراً جوهرياً في إثراء عملية الرصد والتحليل. فالمؤسسات المالية أصبحت تجمع كمّاً هائلاً من البيانات التشغيلية والتجارية والشخصية التي تُستخدم لتغذية أنظمة الامتثال بالمعطيات الدقيقة. وتقوم الأنظمة الحديثة بدمج مصادر متعدّدة، كبيانات العملاء، وسجلات التحويلات، ونشاطات القنوات الإلكترونية، وسجلات الأسواق الثانوية، لتشكّل صورة شاملة عن المخاطر المحتملة. غير أنّ هذا التوسُّع في جمع البيانات يفرض إلتزامات جديدة في مجال الخصوصية وحماية المعلومات، ما يستدعي توازناً دقيقاً بين متطلّبات الرقابة ومتطلّبات الأمن السيبراني والحوكمة.
وفي الوقت نفسه، تحوّلت المدفوعات الفورية إلى تحدٍ تقني جديد لأنظمة الامتثال، إذ لم يعد الوقت متاحاً للمراجعة اليدوية. فالمصارف الرائدة أنشأت غرف عمليات هجينة تجمع بين الذكاء الإصطناعي والمحللين البشريين، بحيث يُتخذ القرار خلال ثوانٍ معدودة دون تعطيل العمليات الشرعية.
كما تم إعتماد معيار الجودة ISO 20022 في تصميم الرسائل المالية لتوسيع الحقول المعلوماتية الخاصة بالمُرسل والمُستفيد والغرض من التحويل، مما حسّن من جودة البيانات المستخدَمة في الرصد الفوري.
ورغم هذا التقدم، تبقى التحدّيات الأخلاقية والتشغيلية قائمة، إذ يتطلب توظيف الذكاء الاصطناعي في الإمتثال وضع أطر حوكمة صارمة تضمن العدالة وتمنع الإنحياز وتحافظ على خصوصية المستخدمين. كما ينبغي للمصارف أن تطوّر قدرات بشرية موازية لفهم مخرجات النظم الذكية وتفسيرها للإدارات العليا والجهات الرقابية. فالتقنية ليست بديلاً عن الإنسان، بل هي أداةٌ لتعزيز قدرته على إتخاذ القرار في بيئة أكثر تعقيداً وسرعةً من أي وقت مضى.
تمويل الإرهاب وتمويل الانتشار والعقوبات الدولية
يشكّل تمويل الإرهاب وتمويل الإنتشار أحد أعقد القضايا التي تواجه أنظمة الإمتثال الحديثة، إذ تتجاوز مخاطرهما الأطر المالية لتصبح مسألة أمن قومي وسياسي عالمي. فمع تنامي العولمة المالية وتنوُّع أدوات التحويل عبر الحدود، أصبحت شبكات تمويل الإرهاب تستخدم قنوات شرعية في ظاهرها مثل التجارة والعمل الإنساني والتحويلات الفردية لتضخيم مواردها أو تمرير الأموال بطرق يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتقاطع هذه الأنشطة مع مناطق نزاع أو اقتصادات نقدية ضعيفة الضبط، كما هي الحال في عددٍ من الدول العربية والنامية، حيث تتقلّص قدرة السلطات الرقابية على تتبّع حركة الأموال بصورة دقيقة.
لقد أظهرت مجموعة العمل المالي في تقاريرها الأخيرة أنّ مكافحة تمويل الإرهاب لا يُمكن أن تقتصر على متابعة أسماء الأفراد أو الكيانات المدرجة في القوائم، بل يجب أن تمتد إلى تحليل الأنماط السلوكية والإقتصادية المرتبطة بتلك الكيانات. وهذا ما يعرف اليوم بـ «التحليل الشبكي للتمويل الإرهابي»، الذي يهدف إلى إكتشاف الروابط غير المباشرة بين المتبرعين والوسطاء والمستفيدين النهائيين. كما وسّعت المجموعة نطاق الرقابة ليشمل تمويل الإنتشار، أي دعم الأنشطة المتعلّقة بنشر أسلحة الدمار الشامل أو المواد مزدوجة الإستخدام، وهو مجال يتطلّب تعقّب سلاسل التوريد والتجارة الدولية ومصادر التمويل المساندة لها.
وقد أصبحت العقوبات الدولية أداة رئيسية لمواجهة هذه المخاطر. فالولايات المتحدة، والإتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة تعتمد أنظمة متطورة لتجميد الأصول وحظر التعامل مع الأفراد أو الكيانات المتورّطة في الإرهاب أو الإنتهاكات الدولية. وقد تطوّرت تقنيات فحص العقوبات لتشمل الملكية والسيطرة غير المباشرة، بحيث لا يقتصر الفحص على الإسم القانوني بل يمتد إلى الكيانات التابعة والمملوكة جزئياً، ما يتطلّب من المصارف تحديث قواعد بياناتها بصورة مستمرة والتأكد من توافقها مع التغييرات اللحظية في القوائم الدولية.
كما أدّت الرقمنة المتزايدة في التمويل إلى بروز تحديات جديدة مثل استخدام العملات المشفّرة في تمويل الأنشطة المحظورة، ما دفع الهيئات التنظيمية إلى فرض قواعد Travel Rule التي تلزم مزودي خدمات الأصول المشفّرة بالإفصاح عن بيانات المرسل والمستفيد في كل تحويل. ومن هنا، يتضح أن مستقبل مكافحة تمويل الإرهاب وتمويل الإنتشار يعتمد على التكامل بين الإمتثال التقني والتحليل الاستخباراتي المالي، وعلى قدرة المؤسسات في بناء أنظمة رصد مرنة توازن بين سرعة التنفيذ ودقة التحقق.
وفي ظل ذلك، فالمصارف العربية مدعوة اليوم إلى تطوير قدراتها في هذا المجال، لا سيما عبر تعزيز التعاون بين الجهات الرقابية الوطنية والمصارف التجارية، وتبادل المعلومات ذات الصلة بالمعاملات المشبوهة ضمن أطر قانونية وآمنة.
فالمسؤولية لم تعد تقع على جهة واحدة، بل أصبحت مشتركة بين المصارف والهيئات التنظيمية ووحدات الإستخبارات المالية، في إطار ما يُعرف بالشراكة الوقائية التي أثبتت فعّاليتها في الحد من الجرائم المالية عبر تبادل الخبرات وتوحيد أنظمة الإنذار المبكر.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
تحدّيات الأمن السيبراني في أنظمة المدفوعات الإلكترونية
مستقبل المدفوعات الإلكترونية في العالم العربي يعتمد على قدرة المصارف
والمؤسسات المالية على بناء نظام أمني سيبراني متكامل يُوازن بين الإبتكار والوقاية
يشهد العالم المالي راهناً تحوُّلاً جذرياً في بنية أنظمة المدفوعات الإلكترونية، مع تسارع وتيرة الإبتكار في الخدمات الرقمية وإعتماد المصارف والمؤسسات المالية على البنى التحتية التقنية لتسهيل العمليات المالية عبر الإنترنت. وقد جعل هذا التحوُّل من الأمن السيبراني عنصراً حاسماً في الحفاظ على سلامة النظام المالي وثقة المستخدمين، إذ لم يعد التهديد السيبراني خطراً تقنياً فحسب، بل أصبح تهديداً إقتصادياً وإستراتيجياً يمس إستقرار المؤسسات المالية ويقوّض مصداقية الأسواق.
لقد تجاوزت أنظمة الدفع الحديثة حدود المعاملات المحلية لتصبح شبكات مترابطة عالمياً تُنفذ عمليات مالية لحظية عبر واجهات برمجة التطبيقات (Application Programming Interfaces) والبنى السحابية (Cloud infrastructure). هذا الترابط الواسع خلق بيئة خصبة للإبتكار، لكنه في المقابل فتح ثغرات أمنية جديدة يمكن إستغلالها من قبل المهاجمين السيبرانيين، سواء عبر الإختراق المباشر للبُنى التحتية، أو عبر الهندسة الإجتماعية، أو من خلال إستهداف مزوّدي الخدمات من الطرف الثالث. وتزداد خطورة هذه الهجمات حين تتقاطع مع نظم تسوية مركزية أو شبكات دفع وطنية، لأن أي إختراق محتمل يُمكن أن يمتد أثره عبر النظام المالي بأكمله.
ويستمد موضوع الأمن السيبراني في أنظمة المدفوعات أهميته من كونه يقع عند تقاطع التكنولوجيا المالية (FinTech) مع السياسات المصرفية، فهو لا يتعلق فقط بتقنيات الحماية، بل بالحوكمة وإدارة المخاطر وبناء الثقة بين الأطراف المتعاملة.
وقد أصبحت المؤسسات التنظيمية مثل لجنة بازل للرقابة المصرفية ومجموعة العشرين وصندوق النقد الدولي تُدرج الأمن السيبراني ضمن مؤشرات الإستقرار المالي العالمي، مؤكدة أن أي ضعف في البنى التحتية الرقمية للمدفوعات يُمكن أن يتحوّل إلى أزمة ثقة عابرة للحدود.
أهمية الأمن السيبراني في أنظمة المدفوعات الإلكترونية
تُعد أنظمة المدفوعات الإلكترونية العمود الفقري للإقتصاد الرقمي الحديث، إذ تُمكن الأفراد والمؤسسات من تنفيذ معاملاتهم المالية بسرعة وأمان عبر الشبكات الرقمية. ومع التحوُّل المتسارع نحو الإقتصاد غير النقدي واعتماد التقنيات الرقمية في تسوية المدفوعات، بات الأمن السيبراني يشكل الركيزة الأساسية لضمان سلامة هذه الأنظمة وإستمراريتها. فكل إختراق أو خلل في أمنها لا يُهدّد فقط المؤسسات المالية بل يزعزع الثقة بالمنظومة المصرفية ككل، ويؤثر في الإستقرار المالي والإقتصادي.
وتتجلّى أهمية الأمن السيبراني في حماية البُنى التحتية المالية من الهجمات التي تستهدف إختراق البيانات أو تعطيل العمليات أو سرقة الأموال. وبحسب تقرير The Nilson Reportلعام 2023، فقد بلغت خسائر الإحتيال في عمليات الدفع بالبطاقات على مستوى العالم نحو 33.8 مليار دولار، مع توقعات بأن تصل الخسائر التراكمية إلى نحو 404 مليارات دولار خلال العقد التالي في حال استمرار الثغرات في أنظمة الحماية.
كما تشير دراسة IBM Cost of a Data Breach لعام 2024 إلى أن متوسط تكلفة الإختراق الأمني بلغ 4.9 ملايين دولار عالمياً، بينما إرتفع هذا المتوسط في القطاع المالي إلى نحو 6.1 ملايين دولار للحادثة الواحدة، ما يعكس إرتفاع الكلفة المالية المترتبة على أي خرق للأنظمة المصرفية الحساسة. ووفق التقرير السنوي لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي لعام 2024، بلغت الخسائر الناتجة عن الجرائم الإلكترونية 16.6 مليار دولار، بزيادة تقارب 33 % عن العام 2023، في مؤشّر على تصاعد وتيرة الهجمات التي تستهدف الأنظمة المالية الرقمية في العالم.
وتتجاوز أهمية الأمن السيبراني البُعد التقني إلى البُعد المؤسسي والثقة العامة، حيث إن المستهلكين والمستثمرين يربطون بين أمن المعاملات الرقمية ومصداقية المؤسسات المالية التي يتعاملون معها، ما يجعل تبنّي إستراتيجيات أمنية متقدمة عاملاً حاسماً في تعزيز سمعة المصارف وزيادة قدرتها التنافسية. وعليه، فإن الأمن السيبراني لم يعد مجرد خيار تشغيلي أو إستثمار تقني، بل أصبح شرطاً جوهرياً لتحقيق الشمول المالي وتعزيز التحوُّل الرقمي الآمن. فحماية نظم الدفع الإلكترونية تعني بالضرورة حماية بيانات العملاء وضمان إستمرارية الخدمات المالية دون إنقطاع، وهو ما يُعزّز ثقة المستخدمين ويشجعهم على الإنتقال من النقد إلى القنوات الإلكترونية، مما ينعكس إيجاباً على الإقتصاد الكلي وعلى تطوُّر النظام المالي العربي نحو المزيد من الحداثة والإبتكار.
التحديات السيبرانية التي تواجه أنظمة المدفوعات الإلكترونية
تُواجه أنظمة المدفوعات الإلكترونية خطراً متزايداً من التحديات السيبرانية المعقّدة التي تتطوّر بوتيرة أسرع من أدوات الحماية التقليدية، ما يجعلها في قلب معركة رقمية مستمرة بين مؤسسات المال ومجرمي الفضاء الإلكتروني. فمع إتساع رقعة إستخدام الهواتف الذكية والمحافظ الإلكترونية والمنصات الرقمية، تُعد أنظمة الدفع من أكثر القطاعات إستهدافاً بالهجمات الإلكترونية على مستوى العالم، نتيجة حجم البيانات المالية الحساسة التي تمر عبرها يومياً وتعقيد شبكاتها التشغيلية الممتدة بين المصارف وشركات التكنولوجيا المالية ومزودي الخدمات الرقمية.
في ما يلي إضاءة على بعض المخاطر السيبرانية.
الهجمات الخبيثة: تُعدُّ الهجمات الخبيثة أحد أبرز التحدّيات التي تواجه قطاع المدفوعات الإلكترونية، إذ تشمل برمجيات الفدية، وهجمات التصيّد، وإختراقات أنظمة نقاط البيع. وبحسب تقرير Verizon Data Breach Investigations Report لعام 2024، فإن العنصر البشري كان مسؤولاً عن نحو 68 % من الاختراقات المسجلة، في حين شهدت إستغلالات الثغرات التقنية زيادة بنسبة تقارب 180 % مقارنة بالفترة السابقة، ما يعكس تصاعد قدرة القراصنة على تجاوز أنظمة الحماية التقليدية. هذه الأرقام توضّح أن الإستثمار في التكنولوجيا وحده لا يكفي ما لم يُدعَم بتأهيل بشري وتدريب أمني مستمر للعاملين في المؤسسات المالية.
تصاعد الأثر المالي للهجمات: تشير بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI/IC3 Report 2024) إلى أن الخسائر الناتجة عن الجرائم الإلكترونية تجاوزت 16 مليار دولار خلال العام 2024، بزيادة تقارب 33 % عن العام 2023، ما يعكس التوسع السريع في حجم الجرائم الإلكترونية التي تستهدف المؤسسات المالية والمستخدمين على حد سواء. ويؤكد هذا الإرتفاع أن أنظمة المدفوعات الإلكترونية باتت هدفاً رئيسياً للجماعات الإجرامية المنظمة التي تسعى إلى إستغلال التحول نحو الإقتصاد الرقمي.
واقع التهديد في القطاع المالي الأوروبي (مؤشر عالمي للمخاطر): بحسب تقرير الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني (ENISA) الصادر في فبراير/شباط 2025، فقد تم تحليل 488 حادثة إلكترونية أثرت في القطاع المالي الأوروبي بين عامي 2023 و2024، وخلصت النتائج إلى أن 59 % من هذه الحوادث كانت مرتبطة بجرائم مالية مباشرة، و21 % بخسائر مالية ناتجة، و14 % بتسريبات بيانات حساسة، و7 % بتعطيلات تشغيلية. ويُظهر هذا المؤشر أن أنظمة المدفوعات تُعدّ ضمن أكثر القطاعات هشاشة في مواجهة التهديدات المعقدة والمتعددة المصادر، خصوصاً في ظل الإعتماد المتزايد على مقدّمي الخدمات الخارجيين.
تهديدات سلاسل التوريد والمزوّدين التقنيين: أشارت الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني (ENISA) في تقاريرها لعامي 2024 و2025 إلى أن الهجمات عبر سلاسل التوريد الرقمية تمثل أكثر من 60 % من الاختراقات الكبرى المسجلة في أوروبا، إذ يستغل القراصنة الثغرات في البرمجيات أو الخدمات التقنية التي تعتمد عليها المصارف وشركات الدفع. وتُعد هذه الظاهرة من أخطر التهديدات المستجدة كونها تتيح الوصول غير المباشر إلى الأنظمة المصرفية الحساسة عبر مزودين خارجيين، وهو ما يتطلب بناء منظومة صارمة لإدارة مخاطر الموردين.
أنماط الإستهداف المرتبطة بخدمات الدفع: أوضح تقرير Kaspersky Financial Threats 2024/2025 أن أنظمة وخدمات الدفع كانت هدفاً مباشراً في نحو 19 % من هجمات التصيد المالي التي تم رصدها عالمياً، حيث سعى المهاجمون إلى إنتحال واجهات منصّات الدفع أو تطبيقات المحافظ الإلكترونية لخداع المستخدمين وسرقة بياناتهم المصرفية. ويؤكد ذلك أن الجرائم الإلكترونية في مجال المدفوعات تتطوّر باستمرار وتستخدم تقنيات خداع أكثر احترافية.
إن طبيعة التحدّيات التي تواجه أنظمة المدفوعات الإلكترونية لم تعد تقنية فحسب، بل باتت هيكلية ومتشابكة تمس الجوانب البشرية والتنظيمية والتشريعية معاً. فالهجمات الخبيثة وسلاسل التوريد غير المؤمنة وضعف الوعي الأمني تُمثل مجتمعة أبرز مصادر الخطر. لذا، فإنّ بناء بنية دفع رقمية آمنة ومستقرة يستوجب تبنّي نهجاً شاملاً يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة، والتدريب المستمر، والحوكمة الفعّالة، والتنسيق بين الهيئات التنظيمية والمصارف ومزودي التكنولوجيا.
الإستراتيجيات والحلول لتعزيز أمن المدفوعات الإلكترونية
في ضوء تصاعد التهديدات السيبرانية وتعقيدها، بات تعزيز أمن أنظمة المدفوعات الإلكترونية ضرورة إستراتيجية لضمان الإستقرار المالي وحماية الثقة بالقطاع المصرفي. ويتطلّب ذلك تبنّي نهجاً شاملاً يجمع بين الأدوات التقنية الحديثة والإجراءات التنظيمية والرقابية والوعي المؤسسي، بما يضمن حماية متكاملة على مستوى البنية التحتية والتشغيل والإدارة. لذلك، يتوجب على المصارف تعزيز بنية الدفاع متعددة الطبقات، حيث يُعد تطبيق هذا مفهوم أحد أهم أسس الأمن السيبراني في أنظمة المدفوعات. ويقوم هذا النهج على دمج مستويات متعددة من الحماية تشمل التشفير، والجدران النارية الذكية، وأنظمة كشف التسلل، والتحليل السلوكي للمعاملات. وبحسب تقرير Mastercard Security Roadmap 2025، فإن المؤسسات المالية التي تعتمد استراتيجيات دفاع متعددة الطبقات نجحت في خفض محاولات الاحتيال الإلكتروني بنسبة تتجاوز 35 % خلال عام واحد، مقارنة بالمؤسسات التي تعتمد حلولاً أحادية. وهذا يبرهن أن بناء منظومة أمنية متكاملة أكثر فاعلية من الإعتماد على نظام حماية واحد مهما بلغت كفاءته.
لقد أحدث الذكاء الإصطناعي ثورة في مجال إكتشاف التهديدات المالية، إذ باتت الخوارزميات قادرة على تحليل ملايين العمليات في أجزاء من الثانية ورصد الأنماط الشاذة التي قد تشير إلى نشاط إحتيالي أو هجوم سيبراني. ووفق تقرير Deloitte Cybersecurity Outlook 2024، فإن ما يقارب 64 % من المصارف الكبرى باتت تستخدم أنظمة ذكاء إصطناعي لتحليل سلوك المعاملات، و56 % منها تعتمد التحليل التنبؤي لرصد محاولات الإحتيال قبل وقوعها. وتبرز أهمية هذه الأدوات بشكل خاص في قطاع المدفوعات، الذي يتطلّب توازناً دقيقاً بين سرعة المعاملة ودقة التحقق من الهوية والأمان.
كما تُشكّل المعايير الدولية ومعيار أمن بيانات بطاقات الدفع أساساً لتوحيد سياسات الأمان في المؤسسات المالية، حيث أكدت مجموعة البنك الدولي في تقريرها لعام 2024 حول البنية التحتية المالية الآمنة، أن تطبيق هذه المعايير ساهم في تقليص الحوادث الأمنية بنسبة 25 % لدى المؤسسات التي تبنّتها في دول الأسواق الناشئة. وفي السياق العربي، بدأت العديد من المصارف المركزية، مثل البنك المركزي الإماراتي والبنك المركزي السعودي والبنك المركزي المصري، تطبيق أطر إلزامية للأمن السيبراني، تتضمّن متطلّبات خاصة بأنظمة المدفوعات وشركات التكنولوجيا المالية.
وتؤكد الخبرات الدولية أن القدرة على إكتشاف الهجوم والتعامل معه بسرعة تحدّد حجم الأثر المالي والتشغيلي الناتج عنه. فوفق دراسة IBM Security لعام 2024، فإن المؤسسات التي تمتلك فرق إستجابة مدرّبة وأنظمة مراقبة آنية توفر ما معدّله 1.76 مليون دولار في تكلفة كل حادثة إختراق مقارنة بالمؤسسات التي تفتقر إلى خطط جاهزة للطوارئ. لذلك، يجب على المؤسسات المالية العربية وضع خطط استجابة سيبرانية محدّثة بإستمرار، مع إجراء إختبارات محاكاة للهجمات لضمان الجاهزية المؤسسية والعملياتية.
أخيراً، يبقى العامل البشري العنصر الأهم في منظومة الأمن السيبراني. فحتى أقوى الأنظمة التقنية يُمكن أن تنهار بسبب خطأ بشري بسيط أو ضعف في وعي المستخدمين. وتشير دراسة PwC Digital Trust Insights 2024 إلى أن نحو 70 % من المؤسسات التي واجهت حوادث إختراق كان السبب فيها سلوك بشري غير مدرّب. لذا، فإن الإستثمار في التدريب، وتعزيز ثقافة الوعي الأمني، ووضع سياسات واضحة للمساءلة والإنضباط الرقمي، يمثل الأساس المتين لأي إستراتيجية ناجحة لحماية أنظمة المدفوعات الإلكترونية.
إستنتاج
في المحصّلة، تشير المعطيات إلى أن الأمن السيبراني في أنظمة المدفوعات الإلكترونية لم يعد مسألة تقنية فحسب، بل أصبح مكوّناً إستراتيجياً في منظومة الإستقرار المالي والإقتصادي. فمع تسارع التحوُّل نحو الإقتصاد الرقمي وإزدياد الإعتماد على المنصّات الإلكترونية في تنفيذ المعاملات، أصبحت حماية هذه الأنظمة ضرورة وطنية ومصرفية وأمنية في آن واحد. وتُظهر المؤشّرات العالمية أن الخسائر الناجمة عن الجرائم الإلكترونية تتصاعد بوتيرة مقلقة، ما يؤكد أن الإستثمار في الأمن السيبراني لم يعد خياراً ترفيهياً بل ضرورة تشغيلية لحماية الثقة العامة في النظام المالي.
وإنطلاقاً من فهم التحدّيات الراهنة، تتطلّب المرحلة المقبلة تبنّي مجموعة من الإجراءات والتوصيات التكاملية الهادفة إلى بناء منظومة عربية أكثر صلابة في مجال أمن المدفوعات الإلكترونية، ومنها التالي:
تطوير أطر تشريعية وتنظيمية موحّدة على المستوى العربي: إذ ينبغي العمل على تنسيق السياسات السيبرانية بين المصارف المركزية وهيئات الدفع العربية، ووضع معايير موحّدة لأمن المدفوعات تتوافق مع أفضل الممارسات الدولية، بما يُعزّز الثقة المتبادلة ويُسهّل التعاملات العابرة للحدود.
إنشاء مراكز إقليمية لرصد التهديدات والإستجابة المبكّرة: ويُستحسن إنشاء مراكز عربية متخصّصة لتبادل المعلومات الأمنية وتحليل الهجمات المحتملة على أنظمة المدفوعات، بما يمكّن المصارف من الإستجابة بشكل أسرع وأكثر تنسيقاً. وقد أثبتت تجارب الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن إنشاء هذه المراكز ساهم في تقليص زمن إكتشاف الهجمات بنسبة بين 30 % و40 %.
تعزيز الشراكة بين المصارف وشركات التكنولوجيا المالية: فإن دمج الحلول التقنية المبتكرة مع البنى المصرفية التقليدية يُساهم في تعزيز الأمن، شريطة وجود ضوابط واضحة لإدارة المخاطر في عمليات التكامل التقني وتبادل البيانات. وينبغي أن تتبنّى المصارف العربية أُطراً تنظيمية مرنة تُمكّنها من التعاون مع مزودي التكنولوجيا من دون الإخلال بمعايير الأمان.
الإستثمار في الذكاء الإصطناعي والتحليل التنبُّئي للأمن السيبراني: حيث تُظهر الدراسات الحديثة أن إستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي في مراقبة المعاملات والتحليل السلوكي يُسهم في خفض محاولات الإحتيال بنسبة تصل إلى 60 % في المؤسسات التي تبنّت هذه الحلول بشكل فعّال. وعليه، فإن التحوُّل نحو أمن سيبراني قائم على البيانات والتحليل الذكي لم يعد خياراً، بل ضرورة لحماية البنية المالية المستقبلية.
تعزيز الثقافة الأمنية والتدريب المستمر: يبقى العنصر البشري، خط الدفاع الأول والأخير. من هنا، يجب إدماج الأمن السيبراني في برامج التدريب المصرفي الدورية، وإطلاق حملات توعية شاملة تستهدف الموظفين والعملاء على حدّ سواء.
في الخلاصة، إن مستقبل المدفوعات الإلكترونية في العالم العربي يعتمد على قدرة المصارف والمؤسسات المالية على بناء نظام أمني سيبراني متكامل يوازن بين الإبتكار والوقاية، ويستند إلى التعاون الإقليمي والمعايير الدولية والتكنولوجيا الذكية والوعي البشري.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
إغلاق الحكومة الأميركية في أكتوبر/ تشرين الأول 2025
الآثار والإنعكاسات على المصارف العربية وخارطة الطريق لمواجهة التحدّيات
تشهد الحكومة الفيدرالية الأميركية حالياً إغلاقاً منذ الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2025. وسنعرض وقائع إغلاق الحكومة الأميركية والآثار المترتبة على الصعيد العالمي وعلى الدول العربية، كما ونستطلع مستقبل الولايات المتحدة ونختتم بالتوصيات والإستراتيجيات للمصارف العربية لمواجهة التحدّيات والإستفادة من الفرص المتاحة.
أبرز وقائع إغلاق الحكومة الأميركية في أكتوبر/ تشرين الأول 2025
تاريخ البداية: 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2025
* السبب: فشل الكونغرس في تمرير تشريع المخصّصات للسنة المالية 2026.
* النزاع الرئيسي: الخلافات الحزبية حول دعم التأمين الصحي، وخفض المساعدات الخارجية، ومستويات الإنفاق.
تأثير الإغلاق
* الموظفون الفيدراليون:
– حوالي 900,000 شخص في إجازة مؤقتة (غير عاملين أو مدفوعي الأجر).
– حوالي 700 ألف شخص يعملون من دون أجر، بما في ذلك العسكريون.
* الوكالات المتضرّرة:
– تعليق جزئي أو كامل في المعاهد الوطنية للصحة، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ووكالة حماية البيئة، ووكالة ناسا، ووزارات التعليم والتجارة والعمل
* انقطاع الخدمات:
– التأخير في معالجة التأشيرات.
– نقص مراقبة الحركة الجوية مما يؤدي إلى تأخير الرحلات الجوية.
– تعليق إصدار البيانات الإقتصادية، بما في ذلك بيانات الوظائف.
– يصرّ الجمهوريون، بقيادة الرئيس ترامب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، على أن مفاوضات الرعاية الصحية يجب أن تتم بعد إعادة فتح الحكومة.
– لا توجد محادثات رسمية مقرّرة حالياً في الكونغرس.
الأسباب والمخاطر
يتم إغلاق الحكومة الأميركية United States Government Shutdown عندما يفشل الكونغرس في إقرار تشريعات التمويل، مما يؤدي إلى توقف العمليات الفيدرالية غير الأساسية ويتسبّب بمخاطر عدة منها الإضطرابات الإقتصادية، وتأخر في الخدمات، ومخاوف تتعلق بالأمن القومي.
أسباب الإغلاق
الفشل في تمرير مشاريع قوانين التخصيصات: يتعيّن على الكونغرس الموافقة على 12 مشروع قانون تمويل سنوي في حلول الأول من أكتوبر/ تشرين الاول. وإذا لم تتم الموافقة، تفقد الوكالات السلطة القانونية لإنفاق الأموال.
الجمود السياسي: غالباً ما تنبع عمليات الإغلاق من النزاعات الحزبية حول أولويات الميزانية المالية، مثل دعم الرعاية الصحية، أو الهجرة، أو الإنفاق الدفاعي.
قانون مكافحة العجز: يحظّر هذا القانون على الوكالات الفيدرالية إنفاق الأموال دون موافقة الكونغرس، مما يؤدي إلى الإغلاق عند إنتهاء التمويل.
مخاطر الإغلاق
صرف الموظفين الفيدراليين: يتم إرسال مئات الآلاف من العمال إلى منازلهم من دون أجر، مما يؤثر على سبل عيشهم ومعنوياتهم.
تعطيل الخدمات: تأخير في معالجة جوازات السفر، وقروض الشركات الصغيرة، وإغلاق المتنزهات الوطنية ومراكز الزوار، وتعليق الإجراءات القانونية، بما في ذلك قضايا مكافحة الإحتكار ضد شركات التكنولوجيا الكبرى مثل أمازون وأبل.
تأخيرات رحلات السفر الجوي: بُجبر الإقفال وكلاء إدارة أمن النقل (TSA) ومراقبي الحركة الجوية العمل من دون أجر، مما يؤدي إلى نقص الموظفين وتأخير الرحلات الجوية.
التأثير الإقتصادي
خسارة تُقدر بنحو 3 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي
إرتفاع أقساط الرعاية الصحية بشكل حاد بسبب إنتهاء الدعم.
تستمر الخدمات الأساسية مثل إنفاذ القانون والإستجابة للطوارئ، ولكنها تعاني ضغوطاً بسبب عدم دفع رواتب الموظفين.
الاغلاق الحكومي في سائر الدول
إن حالات الإغلاق الحكومي التي تشهدها الولايات المتحدة نادرة للغاية عالمياً. فالولايات المتحدة تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تتوقف فيها الخدمات الأساسية بسبب أزمات الميزانية.
لقد شهدت الولايات المتحدة 11 إغلاقاً منذ العام 1981، حيث توقفت الوكالات الفيدرالية عن العمل بسبب الفشل في تمرير مشاريع قوانين الاعتمادات.
نادراً ما تحدث عمليات إغلاق خارج الولايات المتحدة. تسمح الأنظمة البرلمانية للسلطة التنفيذية في مختلف الدول بالحفاظ على تمويلها حتى في ظل الجمود السياسي. تُبقي القرارات المستمرة التلقائية أو الميزانيات الإحتياطية الخدمات مستمرة. وغالباً ما تتفاوض الحكومات الإئتلافية على تسويات لتجنب المآزق. ففي المملكة المتحدة البريطانية يكاد يكون إغلاق الحكومة مستحيلاً بسبب النظام البرلماني. إذا خسرت الحكومة تصويتاً على الميزانية، فعادةً ما تُفضي إلى إنتخابات بدلاً من إغلاقها.
وقد بقيت بلجيكا 500 يوم من دون حكومة رسمية، لكن الخدمات إستمرت لأن الميزانية السابقة ظلّت سارية المفعول. كما أُغلقت أيرلندا الشمالية في عامي 2017 و2022 بعد إنهيار حكومتها. وتدخلت الحكومة البريطانية لتمويل الخدمات ومنع الإغلاق. تستخدم أستراليا وكندا وألمانيا أنظمة برلمانية تمنع الإغلاق الحكومي. وقد تؤدي الأزمات المالية إلى انتخابات أو حكومات أقلية، ولكن ليس إلى توقف الخدمات.
التدابير المتخذة
ولمعالجة إغلاق الحكومة الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يسعى الكونغرس والبيت الأبيض إلى إقرار تشريعات طارئة، وإجراء مفاوضات حيال الميزانية، وإتخاذ إجراءات تنفيذية، لكن التقدم لا يزال متعثّراً.
فشلت مقترحات الجمهوريين والديموقراطيين لإعادة فتح الحكومة مرات عدة بسبب نقص الدعم من الحزبين. وقد يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى تخفيض الإنفاق المُبذر. ينسّق مكتب الإدارة والميزانية مع وكالات الحكومة لترشيد تسريح الموظفين. كذلك أصدرت الإدارة أوامر حيال الإبتكار في مجال الرعاية الصحية، والأمن القومي، وتحرير الإقتصاد.
الآثارعلى الأسواق العالمية
إن إغلاق الحكومة الأميركية له آثار عميقة على الأسواق العالمية، ويؤدي إلى تقلُّبات، وتأخير البيانات الإقتصادية الرئيسية، وإهتزاز ثقة المستثمرين، وخصوصاً في الأسواق الناشئة وأسواق السلع الأساسية.
وعلى الصعيد العالمي، يتوجّه المستثمرون نحو الإستثمار في الذهب والسندات الحكومية. وقد إنخفض مؤشر نيكاي 225 الياباني، بينما إرتفع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بفضل التفاؤل في شأن الإصلاحات. في أوروبا، شهدت الأسهم مكاسب متواضعة، بينما إنخفض مؤشرا داكس الألماني وكاك 40 الفرنسي. وإنخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بمقدار 4 نقاط أساس، مما يعكس حالة عدم اليقين التي سادت بين المستثمرين.
في غياب البيانات، تُواجه البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، وخصوصاً تلك المرتبطة بالسياسة الأميركية، تحدّيات في تعديل أسعار الفائدة. كما ويُفاقم الإغلاق الحكومي الضغط على الدولار، مما يؤثر على أسعار النفط وتكاليف الإقتراض في الأسواق الناشئة. وتشهد دول مثل الإمارات العربية المتحدة إرتفاعاً في إيراداتها نتيجة ضعف الدولار، مما يُعزّز أسعار النفط الخام، إلاّ أن ذلك يُهدّد أيضاً بتضخم عالمي.
ويؤدي الإغلاق الى خلل مؤسسي، مما يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة توجيه الأموال بعيداً عن الولايات المتحدة نحو أسواق مثل الصين وكوريا الجنوبية. ورغم أن الولايات المتحدة لم تتخلّف عن سداد ديونها، فإن وكالات التصنيف الائتماني أعربت عن مخاوفها حيال الإستقرار المالي.
الآثار على سعر الذهب
أدّى إغلاق الحكومة الأميركية إلى إرتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، بسبب قلق المستثمرين وضعف الدولار وتأخُّر البيانات الإقتصادية. وقد وصل الذهب إلى أعلى مستوى قياسي له هذا العام في أوائل أكتوبر/ تشرين الاول 2025. ويتّجه المستثمرون إلى الذهب في ظل حالة عدم اليقين المالي في الولايات المتحدة وتأخر المؤشرات الإقتصادية.
وقد أدّت المخاوف المتعلّقة بالإغلاق الحكومي الأميركي إلى تراجع قيمة الدولار، مما زاد الإقبال على الذهب عالمياً. وتُزيد البنوك المركزية والأسواق الناشئة إحتياطاتها من الذهب في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والإقتصادي. ويشهد تجار الذهب في الدول العربية نشاطاً متزايداً، حيث تعكس الأسعار المقدّرة بالعملات المحلية الإتجاهات العالمية وتحوُّلات أسعار الصرف.
الآثار على الدولار
يُضعف إغلاق الحكومة الأميركية الدولار، مع تراجع ثقة المستثمرين وتأخر صدور البيانات الإقتصادية الرئيسية، مما يُسبّب حالة من عدم اليقين في أسواق العملات العالمية، إذ إنخفض مؤشر الدولار (DXY) بشكل مطّرد منذ بدء الإغلاق في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، مما أدّى إلى إنخفاض الطلب على الأصول الأميركية. ويتّجه المستثمرون نحو الذهب وعملات أخرى مثل الفرنك السويسري والين الياباني، والتي تُعتبر أكثر إستقراراً خلال فترة عدم اليقين المالي.
ويشير الإغلاق الحكومي إلى خلل في واشنطن، مما يدفع المستثمرين العالميين إلى التشكيك في مصداقية المالية العامة الأميركية. كما أن المخاوف حيال الديون طويلة الأجل وجمود الميزانية يزيد من الضغط على الدولار.
وتشهد بعض العملات ارتفاعاً مقابل الدولار، لا سيما في الدول المُصدّرة للنفط، مستفيدةً من إرتفاع أسعار الخام.
الآثار على العملات المشفّرة
يؤدي إغلاق الحكومة الأميركية إلى تأجيج التقلُّبات في سوق العملات المشفّرة، مع ردود فعل متباينة على العملات الرئيسية. إذ شهدت عملة البيتكوين (BTC) تقلُّبات حادة حيث إنخفضت لفترة وجيزة إلى ما دون 26000 دولار ثم إرتفعت مع ضعف الدولار.
إنخفضت كذلك عملة الإيثريوم (ETH) بنسبة 3 % في وقت مبكر من الإغلاق ولكنها عادت إلى الإرتفاع مع إنتعاش نشاط التمويل اللامركزي DeFi. وشهدت الرموز مثل سولونا Solana وكاردانو Cardano تقلُّبات متزايدة بسبب التداول المضاربي وإنخفاض السيولة.
كما تعطّلت عمليات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) وهيئة تداول السلع الآجلة (CFTC). وبسبب تسريح الموظفين مؤقتاً، تم إيقاف إجراءات التنفيذ ومراجعات صناديق المؤشرات المتداولة للعملات المشفّرة مؤقتاً.
تعثّرت مشاريع القوانين المتعلقة بتنظيم العملات المستقرّة وضرائب الأصول الرقمية في الكونجرس، مما أدّى إلى حالة من عدم اليقين للمستثمرين.
الآثار على الإقتصاد الأميركي
تمتد آثار إغلاق الحكومة الأميركية إلى الإنفاق الفيدرالي، وثقة المستهلك، وأسواق العمل، والمؤسسات المالية مما يُقلّص الناتج المحلي الإجمالي بمليارات الدولارات، ويُعمّق عدم الإستقرار المالي.
ويُتوقع خسارة في الناتج المحلي الإجمالي تُراوح بين 10 و15 مليار دولار إذا إستمر الإغلاق حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول، مع خسائر أعمق إذا امتد إلى نوفمبر/تشرين الثاني.
وتوقفت أعمال الوكالات غير الأساسية، مما أدى إلى تأخير مشاريع البنية التحتية ومنح الأبحاث وعقود المشتريات. وتم تعطيل 750 ألف موظف فيدرالي عن العمل مؤقتاً وإيقاف رواتبهم، مما يُقلّل من إنفاق المستهلكين ويُلحق الضرر بالإقتصادات المحلية، لا سيما في مدن مثل واشنطن العاصمة وأتلانتا ودنفر.
الشركات الخاصة التي تعتمد على العقود الفيدرالية تُخفّض عدد موظفيها أو تُعلّق عملياتها. ولم يتمكن مكتب إحصاءات العمل من إصدار بيانات سبتمبر/أيلول، مما ترك الأسواق وصانعي السياسات دون رؤى أساسية حول التوظيف.
وتؤجل الجهات التنظيمية المالية موافقات الطرح العام الأولي، وإجراءات التنفيذ، والرقابة على العملات المشفّرة. وفي ظل غياب البيانات، قد يؤجل الإحتياطي الفيدرالي قراراته حيال أسعار الفائدة في أكتوبر/تشرين الأول مما يؤثر على تكاليف الإقتراض والإستثمار.
ينتاب الأميركيون القلق إزاء رواتبهم رواتبهم وإستقرارهم الإقتصادي، مما يؤدي إلى إنخفاض الإنفاق على السفر والمطاعم والتجزئة. وتتعطّل خدمات المتنزهات الوطنية والمتاحف وجوازات السفر، مما يؤثر على السياحة المحلية والدولية.
وتوقفت عمليات المعاهد الوطنية للصحة (NIH) ومؤسسة العلوم الوطنية (NSF) ونازا (NASA). كما تأخرت المنح والتجارب السريرية ومهام الفضاء، مما أبطأ التقدم العلمي وتطوير التكنولوجيا. وإذا إستمر هذا الخلل، فقد تُخفِّض وكالات مثل موديز تصنيف الدين الأميركي، مما يرفع تكاليف الاقتراض.
الآثار على الدول العربية
يؤثر إغلاق الحكومة الأميركية على الدول العربية بشكل رئيسي من خلال تأخير إصدار التأشيرات، وإضطرابات التجارة، وعدم اليقين في الأسواق المالية. وبينما تستمر الخدمات الأميركية الأساسية، يتم تقليص العمليات غير الأساسية في الخارج، مما يُحدث آثاراً سلبية.
يُعيق الإغلاق الحكومي الأميركي التقدُّم في محادثات التجارة الثنائية وإتفاقيات المناخ مع الدول العربية. وتراقب الأسواق العربية عن كثب الخلل المالي الأميركي. ويُؤخّر الإغلاق بيانات إقتصادية أميركية رئيسية مثل الوظائف والتضخُّم، مما يؤثر على قرارات الإستثمار العالمية.
قد يؤثر ضعف الدولار على الدول العربية التي تحتفظ بإحتياطات من الدولار أو تتداول في السلع المقومة بالدولار، مثل النفط. ويُعتبر الذهب ملاذاً آمناً، وقد بلغ مستويات قياسية، مما أثّر على أسواق مراكز تداول الذهب، مثل دبي.
كما يُواجه المسافرون العرب حالة من عدم اليقين بسبب تأخير إصدار التأشيرات وتقليص خدمات السفارات. وقد يؤثر نقص الموظفين في مراقبة الحركة الجوية الأميركية على رحلات الربط ومسارات السفر.
مستقبل الولايات المتحدة
يرتبط مستقبل الولايات المتحدة بشكل كبير بمدّة إستمرار الإغلاق، وكيفية حلّه، وما يتبعه من إصلاحات هيكلية عميقة.
على المدى القصير، يُتوقع أن يُقلص الإغلاق الحكومي الأميركي ما بين 0.3 % و0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي إذا استمر لما بعد منتصف أكتوبر/تشرين الاول. وتشهد ثقة المستهلكين تراجعاً، كما وأن تأخير الإنفاق الفيدرالي يُؤثر سلباً على المقاولين والشركات الصغيرة.
في ظل غياب بيانات الوظائف والتضخُّم، قد يُؤجل الإحتياطي الفيدرالي الإعلان عن أسعار الفائدة أو يُخطئ في تقديرها، مما يؤثر على ضبط التضخُّم وتكاليف الإقتراض. كما أن الخلاف حول دعم الرعاية الصحية وتخفيضات الميزانية يُعمّق الإنقسامات الحزبية في أميركا، مما يجعل المفاوضات المستقبلية أكثر هشاشة.
على المدى المتوسط، إذا فشل الكونغرس في رفع سقف الدين مطلع العام 2026، فقد تواجه الولايات المتحدة التخلُّف عن السداد. قد تخفّض وكالات مثل موديز وفيتش تصنيف الإئتمان السيادي الأميركي إذا إستمر الخلل المالي، مما يرفع تكاليف الإقتراض ويُزعزع الأسواق العالمية.
وقد تُعجّل عمليات الإغلاق المتكرّرة وعدم الإستقرار المالي من توجّه دول مثل الصين وروسيا نحو تنويع إقتصاداتها بعيداً عن الدولار.
وقد تواجه وكالات مثل الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (نازا)، والمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، ومؤسسة الصرف الصحي الوطنية (NSF) فجوات في التمويل مما يؤدي إلى تأخير البحث والإبتكار ويؤثر على القدرة التنافسية للولايات المتحدة.
التوصيات للمصارف العربية
تواجه المصارف العربية مخاطر وفرصاً متزايدة في ظل إغلاق الحكومة الأميركية. وعليه يُوصي إتحاد المصارف العربية بإعتماد الاستراتيجيات التالية لمواجهة التحدّيات والإستفادة من الفرص:
تعزيز إدارة المخاطر وإحتياطات السيولة: على المصارف العربية إعادة تقييم حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية والأصول المقوّمة بالدولار، خصوصاً في حال وُقوع تخفيضات في التصنيف الإئتماني. كما يتوجّب تعزيز إحتياطات السيولة إستعداداً لإحتمالية تأخير تسويات الدولار أو إنقطاعات في خدمات البنوك المراسلة.
تنويع محافظ العملات والأصول: على المصارف العربية تقليل إعتمادها المفرط على الدولار، مع زيادة إستثماراتها في اليورو والفرنك السويسري والذهب والإستثمار في سندات دول مجلس التعاون الخليجي السيادية أو صناديق البنية التحتية العربية لإعادة توازن المخاطر.
تعزيز الخدمات الإستشارية: على المصارف العربية تقديم المعلومات للعملاء حول كيفية تأثير الإغلاق على التجارة والتحويلات المالية وتدفقات الإستثمار وإستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي لمراقبة تطورات السياسة الأميركية وردود أفعال السوق العالمية.
تعزيز الجاهزية التنظيمية والإمتثالية: على المصارف العربية مراقبة التأخيرات التنظيمية الأميركية. قد يؤثر تقاعس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) وهيئة تداول العقود الآجلة للسلع (CFTC) على المعاملات العابرة للحدود والإمتثال لقواعد العملات المشفّرة. وعلى المصارف العربية التنسيق مع الجهات التنظيمية المحلية لضمان التوافق مع البنوك المركزية العربية حيال معايير التخطيط للطوارئ وإعداد التقارير.
توسيع الخدمات الرقمية: على المصارف العربية التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية لتعزيز الخدمات المصرفية الرقمية وحلول التحويلات المالية القائمة على تقنية البلوكتشين.
التخطيط للتعافي بعد الإغلاق: على المصارف العربية الإستعداد لإعادة تقييم الأصول والإنخراط في عمليات الدمج والإستحواذ الإستراتيجية.
نهاية عام محفوفة بالمخاطر من أسواق المال إلى الاقتصادات الكبرى:
ماذا لو صحّت تحذيرات صندوق النقد والبنوك الأميركية
على بعد أسابيع من نهاية العام، تراوحت تحذيرات البنوك الأميركية الكبرى بين الخوف من فقاعة وشيكة في أسواق المال لتصحيح المسار التصاعدي بعد طفرة شهدتها أسهم التكنولوجيا، وتحذير من تباطؤ النمو في الاقتصاد الأميركي الذي كعادته يُنظر إليه كمنارة تتبعها السفن الضالّة عن البر. وفي الحالتين، فإن الأمور قد لا تبشّر بالخير وستنعكس سلباً على أداء العام القادم قبل حلوله، وتعيدنا بالذاكرة لعشية فقاعة التكنولوجيا عام 2000، والعقارات عام 2008، وكل ذلك تغذّيه حرب الرسوم الجمركية الأميركية – العالمية.
أضف إلى ذلك، لم تخفِ مؤسسات مالية نقدية كبرى، كصندوق النقد الدولي، خشيتها حيال اقتصاد الإتحاد الأوروبي وعلى رأسه الألماني قائد منطقة اليورو والذي يتعرّض للإهتزاز والهزيمة هذه الأيام.
أما الاقتصاد الصيني الثاني عالمياً ورافعة الاقتصادات الناشئة، فقد ينزلق نموُّه نهاية العام بعدما تراجع بين الفصلين الثاني والثالث متأثراً بأكبر أزمة عقارات في البلاد. وبالنسبة لليابان فها هي الحكومة تكافح لتفادي الانزلاق تحت الصفر كما حصل لها عام 2023.
هذا المشهد من عدم اليقين المالي والاقتصادي والتجاري غير المسبوق، يضاف إليه العامل الجيوسياسي المتوتر في الشرق الأوسط، عوامل تدفع بالاقتصاد العالمي للتأرجح بين تباطؤ وخطر التصعيد، كما ساهمت حرب الرسوم الجمركية في العام 2025 في رسم مشهد اقتصادي غير متوقع للفترة 2025 – 2026.
البداية من المشهد الأميركي
مع توقُّع اقتصاديين في كبرى البنوك الأميركية تباطؤاً في النمو لهذا العام والعام 2026، مع تزايد مخاطر الركود في حال استمرار فرض الرسوم الجمركية على الواردات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الهش أصلاً مع توقع بلوغ النمو السنوي معدل 2.1 % نهاية عام 2025 وللعام 2026 بعدما سجل 2.8 % العام 2024.
وحذّرت اللجنة الإستشارية الاقتصادية التابعة لجمعية الأميركيين American Bankers Association – ABA والمؤلفة من 16 اقتصادياً من المؤسسات المالية الأميركية الرائدة، في وقت سابق من هذا العام، من أن الأداء قد لا يرقى إلى مستوى التوقعات لعام 2025. وبحسب هؤلاء الخبراء المصرفيين فإن الزيادات الأخيرة في رسوم الاستيراد، ورغم التوصل لإتفاقيات مع عدد من شركاء أميركا التجاريين، وما تبعها من تعديلات متعددة، أدّت إلى بث حالة من عدم اليقين في الأسواق المالية وبين الشركات. وقد أدّت هذه التوترات التجارية، إلى جانب سياسات تعريفات متقلبة، إلى توقعات نمو متقلبة. حالة عدم اليقين التي يتحدث عنها الخبراء هنا والتراجع المرتقب لمعدلات النمو هي نتيجة عدم اليقين حال الطلب والبيئة الماكرو اقتصادية العامة، بعدما كان الطلب سيّد الموقف عام 2024 والمحرك الرئيسي لمعدل النمو الاقتصادي. فزيادة الرسوم مؤشر إلى زيادة التضخم، وبالتالي تراجع الطلب على السلع المستوردة غالية الثمن.
في الوقت ذاته، أدّت المخاطر المرتبطة بسوق الوظائف إلى تفاقم المشهد، كما تسببت سياسات الفيدرالي بالنسبة للفائدة المصرفية بحالة إرتباك في الأسواق التي باتت تبحث عن استثمار مربح وأكيد في ظل تأرجح معدلات الفائدة وموجة تخفيض تماشياً مع الواقع، وتحديداً مع مستويات التضخم. وهنا اعتبر الخبراء المصرفيون في جمعية (ABA) أن الاحتياطي الفيدرالي سيواجه تحديات كبيرة في إعادة التضخم إلى هدفه عند 2 %، حيث قد تكون قدرة المستهلكين على استيعاب زيادة الأسعار محدودة بسبب انخفاض مستوى المدّخرات بالبنوك مقارنة بفترة ما بعد جائحة الكوفيد. وتشير اللجنة إلى أنه في حين يظل النمو إيجابياً، فإن المخاطر لعام 2025 وما بعده لا تزال كبيرة، لا سيما إذا فشلت الاتفاقيات التجارية المبرمة بين أميركا وشركائها بعد بداية موسم رسوم جمركية مرعبة وعالية جداً بدأ مطلع العام، وكلما زادت مدة بقاء التعريفات سارية، زاد خطر الركود.
في تحذير آخر لافت، ألمحت بنوك وول ستريت الكبرى لإحتمالية تصحيح وشيك في أسواق المال قد يهبط بالقيمة السوقية للأسهم قد تصل إلى نسبة 20 %، ودعت مؤسسات مثل «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» المستثمرين ليستعدوا لهذا التصحيح من الآن وحتى العام المقبل بعد موجة الصعود القوية التي شهدتها البورصات منذ مطلع العام، ولا سيما أسهم سوق التنكولوجيا والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك لم تشر هذه البنوك إلى أزمة بقدر ما يكون الأمر مؤشراً صحياً، علماً أنه سيتسبب بخسائر لصغار حملة الأسهم. وهنا بالذات قال الرئيس التنفيذي لغولدمان ساكس (ديفيد سولومون): إن نصيحة البنك الدائمة لعملائه هي الاستمرار في الإستثمار مع إعادة موازنة المحافظ المالية بدلاً من محاولة توقيف السوق. من جهته قال (تيد بيك) الرئيس التنفيذي لـ«مورغان ستانلي»: «علينا أن نرحّب بإمكانية حدوث تصحيحات حادة في الأسواق قد تصل إلى 20 % طالما أنها لا تنتج عن عوامل اقتصادية كبرى أو انهيارات مفاجئة».
تحذيرات غولدمان ساكس ومورغان ستانلي والتي تقول في الوقت ذاته إنه لا داعي للهلع لكن علينا التنبّه، جاءت بعد تحذيرات أكثر تشاؤماً من قبل رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ومحافظ بنك إنكلترا أندرو بيلي من تضخم تقييمات الأسهم عالمياً.
صندوق النقد الدولي يدخل على الخط ويحذّر
لم تقتصر التحذيرات بشأن تصحيح محتمل في أسواق المال على المصرفين، بل جاءت أيضاً من أكبر مؤسسة نقدية في العالم، حيث حذّر صندوق النقد الدولي في أكتوبر الماضي من خطر تصحيح مفاجىء في البورصات العالمية، لا سيما أن التقدم الحاصل في تقنية الذكاء الاصطناعي وإدراج أسهم الشركات التي تقف وراء هذه التقنية الجديدة والمثيرة للجدل في الأسواق، قد يدفع نحو مستويات فقاعة «دوت كوم» كما حصل مطلع الألفية الثالثة.
مديرة الصندوق «كريستالينا جورجيفا» حذّرت من تحوّل فجائي في إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية قد يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي. وقالت: «تتجه التقييمات اليوم نحو المستويات التي شهدناها خلال التفاؤل بشأن الإنترنت قبل 25 عاماً».
فالذكاء الاصطناعي والتفاؤل حياله أثار الأسواق وساهم في دعم الاقتصاد العالمي، لكن أي تصحيح حاد في أسعار الأسهم قد يبطئ الاقتصاد العالمي ويؤثر بالتالي على الاقتصادات النامية.
وتتزايد المخاوف من فقاعة مالية، حيث شهد مؤشر ستاندرد أند بورز 500 القياسي مؤخراً ارتفاعاً صاروخياً، ليصل مراراً إلى مستويات تذكرنا بالعام 2000، وأثَّر مؤشر التكنولوجيا هذا بشكل كبير على بورصة نازداك، حيث عانت أسهم الذكاء الاصطناعي من أشد الإنخفاضات. إلى جانب هذا الواقع أدّى الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة بين أكتوبر ونوفمبر العام 2025 ولمدة ستة أسابيع (أكبر فترة في تاريخ البلاد) إلى إعادة تموضع الاقتصادات الكبرى الأخرى في العالم، بعدما تسبب الإغلاق بالأذى لعدة قطاعات حساسة في أميركا وتوقف التمويل عن قطاع الصحة وعن مساعدات غذائية للفقراء وإعانات أخرى، كما تسبب بتسريح لموظفين حكوميين. فنتيجة لخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين على الموازنة الجديدة فشل التصويت لصالح الموازنة ودخلت البلاد في ما يسمى بالإغلاق الحكومي قبل التوصل إلى إتفاق مؤقت يمدد العمل حتى نهاية 2025. ويأخذ الديمقراطيون المعارضون على السلطات أنها تريد أن تمرّر موازنة لا تأخذ بعين الاعتبار عجز الموازنة في الولايات المتحدة وحجم ديون يفوق الـ37 ألف مليار دولار.
هذا الإغلاق الحكومي بحسب مفوض الخزانة الأميركية، كلّف الولايات المتحدة أسبوعياً 15 مليار دولار ما يعادل 0.2 % من الناتج المحلي الأميركي. وعلى الرغم من التوصل لإتفاق مبدئي ومؤقت سيترك هذا الإغلاق أثراً على المواطنين الأميركيين وكذلك على الشركات والأسواق التي أصبحت قلقة من وضع اقتصادي غير مستقر ينعكس على الثقة بالدولة.
أمام حالة عدم اليقين وتحذير المؤسسات، البنوك الأميركية في أفضل أحوالها لمواجهة ركود محتمل
أظهرت نتائج اختبارات الضغط السنوية الصيف الماضي والتي أجراها الاحتياطي الفيدرالي، قدرة البنوك الأميركية على الصمود في وجه ركود حاد في الولايات المتحدة يحذّر منه خبراء مال ومصارف. وأفاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي في بيان أن نتائج اختبارات الضغط (Stress Test) السنوية للبنوك، «أظهرت أن البنوك الكبرى في وضع جيّد لتحمّل ركود اقتصادي حاد والبقاء فوق الحدّ الأدنى لمتطلبات رأس المال».
بنوك مثل سيتي غروب، جي. بي. مورغان وبنك أوف أميركا وأكثر من عشرين من البنوك الأميركية الأخرى «تمتلك، بحسب بيان الفيدرالي، رأس مال كافٍ لامتصاص خسائر في الاقتصاد الوطني يزيد حجمها عن 550 مليار دولار، وبإمكانها بالتالي مواصلة إقراض الأُسر والشركات في ظل ظروف ضغط افتراضية».
وتم الاختبار للبنوك الأميركية على أساس السيناريو التالي: ركود اقتصادي عالمي، مع انخفاض أسعار العقارات التجارية بنسبة 30 %، وانخفاض في أسعار العقارات السكنية بنسبة 33 %، وارتفاع لمعدلات البطالة إلى ما يقرب من 10 %. وقد طبقت اختبارات الضغط بموجب قانون «دود – فرانك» الذي اعتُمد بعد الأزمة المالية عام 2008.
دور الرئاسة الأميركية في دعم المصارف في الولايات المتحدة
بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً إعداد خطّة شاملة لتخفيف القيود التنظيمية على القطاع المصرفي الأميركي تتمثل بتحرير ما يعادل 16 % من أصول البنوك العاملة في البلاد من القدرة على الإقراض، وذلك يدخل في إطار إصلاحات اقترحتها الإدارة الأميركية مطلع الصيف الماضي في وقت تهيمن البنوك الأميركية إلى حدٍ كبير على التمويل العالمي. وبحسب خطة ترامب المصرفية، من المتوقع أن تستفيد البنوك الأميركية من قواعد أكثر مرونة فيما يتعلق بمتطلبات رأس المال التي تضعها «لجنة بازل 3». وحتى الآن، كان مطلوباً من أكبر ثمانية بنوك أميركية الاحتفاظ برأس مال أسهم يعادل 5 % على الأقل من إجمالي ديونها، وهو ما يسمّى «نسبة الرفع المالي التكميلي أو SLR- Supplementary Leverage Ratio، وهي احتياطي رأس مال يهدف إلى امتصاص الخسائر المحتملة. وصُمّمت القواعد الأميركية، بحسب قانون «دود – فرانك» التي وضعت بعد أزمة 2008، التي هزّت قواعد أميركا المصرفية، لضمان قدرة البنوك على تحمّل الصدمات المالية المستقبلية من دون الحاجة إلى الاعتماد على دافعي الضرائب. أما بالنسبة لبقية أنحاء العالم، فتشترط المعايير رأس مال لا يتجاوز بين 3.5 % و4.25 % من حقوق الملكية، فيما تتطلب المعايير الجديدة المعروفة بـ«بازل 3» رأس مال أكبر بكثير من اللوائح الأميركية القادمة. ومن المرتقب بحسب خطة ترامب المصرفية أن يتم تحرير القيود بحجم 2600 مليار دولار من سعة الإقراض الإضافية، حسب تقديرات شركة «الفاريز ومارسال» الاستشارية. وهذا الحجم يعادل تماماً الـ16 % التي يسعى الرئيس الأميركي لتحريرها من إجمالي أصول البنوك الأميركية مما يسمح لها بالإستثمار بكثافة في الذكاء الاصطناعي أو مراكز البيانات أو البنية التحتية للطاقة. ومن شأن هذه الخطة الرئاسية الأميركية أن تحمي القيمة السوقية لشركات الذكاء الاصطناعي في سوق المال والمهدّدة بفقاعة، كما تحذر المؤسسات المالية والنقدية العالمية.
ماذا عن الإتحاد الأوروبي في سيناريو 2025 – 2026؟
الإتحاد الأوروبي ما زال يحصد تداعيات النزاع الروسي الأوكراني، الذي انعكس سلباً على حركة تجارة الطاقة لا سيما إمدادات الغاز لأوروبا ومساعدات مالية كبيرة جداً من الاتحاد لهذا البلد، كما أنه لا زال يعاني من مشاكل هيكلية داخلية وأيضاً من تداعيات رسوم التجارة الأميركية باستثناء بعض الاقتصادات في منطقة اليورو التي شهدت معجزة كالاقتصاد الفرنسي الذي يعبر مطبات ديون وعجز موازنة واعتماد موازنة للعام 2026. وهذه الأخيرة تسببت مؤخراً بالإطاحة بحكومتين. ومع ذلك سجل الاقتصاد الفرنسي نمواً في الفصل الثالث من هذا العام قارب 0.5 % بعد أزمة نمو متقلب. النمو الفرنسي في الفصل الثالث كان منارة للنمو في منطقة اليورو وبنسبة 0.2 % في الفترة ذاتها. وتوقع البنك المركزي الفرنسي أن يسجل الاقتصاد الوطني نسبة 0.7 % للعام 2025 ونسبة 0.9 % للعام 2026. فالاقتصاد الفرنسي أظهر تماسكاً صلباً في الآونة الأخيرة مدعوماً بحركة الاستهلاك رغم عجزي الموازنة والمديونية كالعديد من دول منطقة اليورو، ولا سيما ايطاليا وإسبانيا في المرتبتين الثالثة والرابعة على التوالي.
إقتصاد ألمانيا يبحث عن سترة نجاة
إذا كانت فرنسا الثانية في منطقة اليورو، حيث سجلت حالة إستثنائية في الفصل الثالث من العام 2025، إلا أن الاقتصاد الألماني الأول والذي اعتاد أن يكون قاطرة اقتصادات اليورو، يعاني من ضعف الرؤية في العام 2025 بعد فترة ركود ضربت الاقتصاد عامي 2023 و 2024.
وتشير التوقعات إلى نمو ضعيف في العام 2025 بسبب ضعف الأداء الصناعي وتضخيم موازنة الدفاع أمام التهديد الروسي لأوروبا بعد غزو أوكرانيا.
أضف إلى ذلك، تخطّت البطالة حاجز الثلاثة ملايين عاطل عن العمل وبلغت نسبة 6.4 % من اليد العاملة في أعلى نسبة لم تشهدها ألمانيا منذ العام 2015، لا سيما أن هذا الاقتصاد لم يعرف مطبات ومصاعب منذ نحو ثلاثة عقود. فالقطاعات الحيوية في ألمانيا أمام تحديات كبيرة مثل قطاع الطيران وشطب آلاف الوظائف من اليوم ولغاية عام 2030 في شركة لوفتهانزا، وشطب أكثر من 13 ألف وظيفة في شركة بوش وكذلك الأمر في شركة فورد. أضف إلى ذلك، كلفة مواد المحروقات المرتفعة للاستهلاك نتيجة تداعيات الحرب في أوكرانيا والتي تضغط على الصناعة الألمانية الأولى في المنطقة، كما تعاني السلع الألمانية من منافسة حادة تمثلها السلع الصينية ولا سيما في مجال التكنولوجيا ومؤخراً تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية.. واللائحة تطول.
إنطلاقاً من هذا الواقع، بدأت الحكومة الألمانية العمل على خطط إنفاق منقّحة للعام 2026 تتضمن ديوناً أعلى مما كان متوقعاً في الأصل، والقيام بإستثمارات ضخمة ليستعيد الاقتصاد الألماني ثقة الداخل والخارج بقوته وصلابته، لا سيما أنه أزاح الاقتصاد الياباني من المرتبة الثالثة عالمياً ليحلّ مكانه بعد أميركا والصين. فالاقتصاد الألماني الأقرب بالمنطقة لمعايير ماستريخت الأوروبية، فهو يسجل نسبة ديون تساوي حوالي 63 % من الناتج المحلي، ونسبة عجز موازنة بـ2.5 % من الناتج (ماستريخت تنص على عدم تخطي الديون نسبة 60 % من الناتج ونسبة 3 % من عجز الموازنة) مقارنة مع فرنسا التي سجلت حجم ديون يفوق 110 % من الناتج ونسبة عجز موازنة يفوق 5 % من الناتج الفرنسي.
فخطة الإنفاق المنقحة للعام القادم التي تعمل عليها الحكومة الألمانية تجعل من إنعاش الاقتصاد الوطني أولوية بعد عامين من الركود وتركّز على الجانب الصناعي، حيث تجعل من دعم أسعار الطاقة للاستخدام الصناعي أولوية وتهدف لتخفيض الأسعار لصناعات مثل إنتاج المواد الكيميائية والصلب. كما تهدف الخطة الحكومية الألمانية طمأنة الجهات المالية العالمية القلقة حيال اقتصاد أوروبا الذي يقوده الاقتصاد الألماني.
صندوق النقد الدولي قلق حيال الاقتصاد الأوروبي
المشهد الاقتصادي الأوروبي الذي عرف ركوداً في العامين الماضيين دفع بصندوق النقد الدولي لدعوة الإتحاد الأوروبي للقيام بإصلاحات تهدف إلى تحسين قوة عاملة أكثر قدرة على التنقّل، وتجارة أكثر سلاسة داخل الإتحاد لتعزيز الإنتاجية والنمو في أوروبا، لا سيما أنهما يشهدان تراجعاً مقارنة بما تشهده أميركا.
ألفرد كامر مدير المنطقة الأوروبية في صندوق النقد، اعتبر أن «أوروبا تتجه نحو مسار نمو بطيء وضعيف على المدى المتوسط، ومع ذلك هذا ليس أمراً حتمياً» مؤكداً أن «أوروبا لديها المواهب والتكنولوجيا والمدّخرات اللازمة لتحقيق نمو أسرع» مشيراً إلى أن «هذه الموارد لا يتم استخدامها بكامل إمكاناتها».
وفي حين يتوقع الصندوق نمواً لأوروبا بنسبة 1.2 % هذا العام وبنسبة 1.1 % للعام 2026، اعتبر صندوق النقد أن خفض الحواجز الحدودية داخل الاتحاد وأمام تنقل اليد العاملة إلى مستوى مماثل لما تشهده أميركا، من شأنه أن يزيد الإنتاجية الأوروبية بنسبة تفوق 20 %.
الديون الأوروبية في مرمى المخاطر
صندوق النقد الدولي وفي مذكرته الصادرة في 4 نوفمبر عام 2025، أوضح أن مستوى الديون في أوروبا معرّض لخطر «الإنفجار» إذا لم تطبق إصلاحات في قطاعي العمالة والأعمال، وإذا لم يُخفض العجز من خلال زيادة الإيرادات الضريبية، والحد من الإنفاق الإجتماعي، وتحسين كفاءة الحكومات.
صندوق النقد لم يخفِ قلقه العميق ليحذّر أيضاً من أن مستوى ديون أوروبا قد يتضاعف العام 2040 ليصل إلى 130 % من الناتج المحلي مقارنة مع نسبة أوروبية بـ60 % مسموح بها وحددتها بروكسل. وقال الصندوق إن حجم ديون أوروبا أصبح الآن مرتفعاً لدرجة أنه حتى مع الإصلاحات السريعة، «قد يكون من الحتمي إعادة تقييم دور الحكومات في بعض البلدان».
الإصلاحات التي يراها صندوق النقد ضرورية في أوروبا ولا مفر منها، يجب على الحكومات أن تناقشها من أجل أن يدوم النموذج الأوروبي. وبحسب صندوق النقد، فقد تسعى حكومات الإتحاد الأوروبي للتمييز بين ما هو إصلاح لخدمات أساسية وفي مجالات رئيسية مثل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والتعليم مع بقاء الخدمات الأساسية فقط مموّلة من القطاع العام ومجانية. وفي الوقت ذاته يتوقع صندوق النقد أن تواجه هذه الإصلاحات حساسية شعبية.
ويقر مدير القسم الأوروبي لصندوق النقد الدولي بأن بعض شرائح السكان الأوروبيين قد ترى الإصلاحات المقترحة «مؤلمة» لكن من الضروري «مواجهة هذا الألم».
في الختام،لا شك أن التطورات الاقتصادية والتجارية التي شهدها العام 2025 أعادت خلط الأوراق ورسمت واقعاً اقتصادياُ بتوازنات جديدة عزّزت من بعض الاقتصادات، ونالت من بعضها الآخر مع واقع تجاري جديد وواقع تكنولوجي جديد الهدف منه توفير التبسيط والسهولة في الإنتاج وبسرعة تتعدى الفترة التي يحتاجها المستثمر للتفكير بمشروعه وبمدى نجاحه. أمام هذا المشهد تحاول البنوك العمل على رصّ الصفوف وتركيز نشاطها على سياسات التمويل والإقراض.
وكل ذلك يضعنا في صورة مترابطة، إذا تداعى أحدُ عناصرها جرّ معه الآخرين إلى حيث حذّرت البنوك والمؤسسات المالية الكبرى.
الإجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن 2025
الإقتصاد العالمي يُواجه الوضع الجديد المتمثل بـ «غمامة عدم اليقين»
ويرزح تحت ضغط «التحوُّل العميق» وسط تحدّي الديون وتباطؤ النمو
ركّزت الإجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في خريف 2025، في العاصمة الاميركية واشنطن، على إستقرار الأسعار، إدارة الديون، التحوُّل الرقمي ودور البنوك المركزية في إعادة الإعمار، بمشاركة البنوك المركزية العربية بفاعلية، مع إهتمام دولي بزيادة التنسيق في السنوات المقبلة. وقد مثّلت هذه الإجتماعات علامة فارقة في التعاطي مع التفكك الهيكلي للنظام المالي العالمي، متحوّلة من إدارة الأزمات الدورية إلى التأكيد على المرونة (Resilience) في ظل التجزئة الجيوسياسية ومطالب الجنوب العالمي بتغيير حوكمة المؤسسات. وقد كانت التحرُّكات الدولية عموماً تهدف إلى تسييس التمويل والإنخراط المباشر في ملفات الصراع (مثل إعادة إعمار غزة وأوكرانيا) من جهة، ومقاومة التغيير الجذري في ميزان القوى داخل الصندوق من جهة أخرى.
جاء إنعقاد الإجتماعات السنوية (ما بين 13 و18 تشرين الأول/ أكتوبر 2025)، بخلاف الأعوام السابقة، (والتي كانت تبحث في مجالات الركود أو إرتفاع أسعار الفائدة)، على وقع المستجدات السياسية، الإقتصادية، العسكرية والمناخية، وقد جرى بحثها في الندوات والإقليمية والمؤتمرات الصحافية، كما في العديد من الفعّاليات الأخرى التي ركّزت على الإقتصاد العالمي وتغيُّر المناخ والتنمية الدولية والنظام المالي العالمي ومعالجة الديون، وتمويل التحوُّل إلى الطاقة النظيفة، وتسريع المساواة بين الجنسين، وآليات تحقيق التنمية المستدامة، والقضايا التي تواجه الأسواق المالية العالمية.
وفي المحاور الرئيسية لإجتماعات الخريف 2025، تركّزت الإجتماعات على ضرورة تحقيق الإستقرار الإقتصادي والنمو العالمي في ظل بيئة عالمية متقلّبة، مع التركيز على تحدّيات النمو والديون والسياسة النقدية، رغم وجود مرونة غير متوقعة في بعض المناطق على وقع إستمرار تشديد السياسات النقدية عالمياً لمواجهة التضخُّم.
وقد تصدّرت مسألة معالجة الديون السيادية جدول الأعمال؛ حيث أقرّ صندوق النقد الدولي بأن البنية القانونية لتسوية الديون التي يحتفظ بها دائنو القطاع الخاص تعمل بشكل عام، لكنه حذّر من وجود نقاط ضعف خطرة. وقد تركّز هذا التحذير على إخفاقات التنسيق بين الدائنين الحكوميين ومن القطاع الخاص، وجداول إعادة الهيكلة الطويلة التي تزيد من تكلفة الأزمة على الدول المدينة، فيما دعا الصندوق إلى تحسين الإطار العالمي لتسوية الديون ليكون أكثر سرعة وفاعلية.
كما نوقشت أهمية مواصلة تشديد السياسات النقدية للحدّ من التضخُّم في عدد من الإقتصادات التي لم تصل بعد إلى الإستقرار السعري الكامل. كذلك وجّه الصندوق دعوة واضحة إلى الإقتصادات الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة، لضرورة خفض العجز الإتحادي الكبير الذي يشكل مصدر قلق عالمي ويُسهم في إستدامة الضغوط التضخمية. علماً أن الصندوق إستمر في تعزيز آلياته التمويلية الجديدة، أبرزها مرفق الصلابة والإستدامة، لضمان إستمرارية دعم جهود الدول النامية في بناء قدرتها على الصمود أمام التحدّيات طويلة الأجل، مثل التكيُّف مع تغيُّر المناخ والإستعداد للأوبئة المستقبلية؛ مما يعكس تكييف أدوات الصندوق لخدمة أجندة التنمية المستدامة.
لا شك في أن التركيز على قضايا التنمية، الوظائف، والتحوُّل الأخضر، شكل إستراتيجية متجدّدة ولا سيما حيال الإرتقاء بالعمل التنموي وربطه بشكل مباشر بـ «خلق فرص العمل والتصدّي للتحدّيات العالمية».
في هذا السياق، لقد تم التأكيد على أجندة الوظائف والتنمية بإعتبارها «أضمن السبل لمكافحة الفقر وتحقيق الرخاء؛ مما يعكس تحوُّلاً من التركيز على النمو الإقتصادي المجرّد إلى النمو الشامل الذي يركز على الإنسان. وفي هذا الإطار، أطلق أجاي بانغا رئيس مجموعة البنك الدولي، مبادرة Mission AgriConnect كحدث رئيسي لتوضيح رؤية البنك لإعادة تشكيل الأعمال الزراعية. وتهدف هذه المبادرة إلى تحسين الوظائف وسبل العيش من خلال تفعيل سلاسل قيمة زراعية مرنة، وتحدّي القطاع الخاص والحكومات والجهات المانحة لتسليط الضوء على الإجراءات الجديدة والمختلفة التي يُمكن إتخاذها لدعم هذا التحوُّل.
ولتحقيق هذه الأجندة الطموحة للوظائف، تم التأكيد بقوة على ضرورة تعبئة الإستثمار الخاص على نطاق واسع، وفي هذا السياق، أقرّ البنك بأن التمويل العام وحده غير كافٍ لسدّ فجوات التنمية، عارضاً أدوات مالية جديدة مبتكرة، أبرزها صفقة التوريق الإفتتاحية للبنك الدولي ضمن نموذجOriginate-to-Distribute) ) تهدف إلى جذب رؤوس الأموال المؤسسية الكبرى إلى الأسواق الناشئة وتقاسم المخاطر مع القطاع الخاص؛ مما يُوفر مصادر تمويل ضخمة لإنشاء البنية التحتية والمشاريع المولّدة للوظائف.
كما شملت التحركات مبادرات طموحة في قطاع الصحة؛ حيث تم إطلاق إئتلاف Health Works Leaders Coalition لمناقشة كيفية تحويل الإستثمار في النظم الصحية إلى محرك للتنمية الإقتصادية. وقد دارت مناقشات معمّقة حول مبادرات تهدف إلى تحسين الوصول إلى الأدوية الأساسية وتطوير صناعة صحية محلية مستدامة في أفريقيا، مع الإقرار بالضعف الهيكلي للقارة في الإنتاج الدوائي.
أخيراً، ظلّ التمويل المناخي والتنمية المستدامة محوراً حيوياً، حيث دعا البنك الدولي إلى زيادة التمويل الأخضر، وهو ما إنعكس في الإسهامات المعلنة من دول مثل إسبانيا لصندوق البنك الدولي في إتجاه «كوكب صالح للعيش» (Livable Planet Fund) ، وقد شملت التحرُّكات زيادة الدعم لآليات تخفيف الديون المرتبطة بالإستدامة.
وقد تمت الإشادة بشكل خاص بجهود بعض الدول النامية في التحوُّل إلى الإقتصاد الأخضر وتوطين صناعات الطاقة النظيفة؛ مما يؤكد ربط الإستثمار في الطاقة المستدامة بزيادة القدرة التنافسية وخلق الوظائف.
في المحصّلة، لم تقتصر إجتماعات الخريف لعام 2025 على مناقشة السياسات الإقتصادية والتمويل، بل تناولت تحوُّلات هيكلية أعمق في النظام العالمي؛ حيث سيطر شعور طاغٍ بـ «الغموض وعدم اليقين» على الأجواء العامة، وقد وجهت المؤسسات الدولية دعوات متكرّرة لتعزيز القدرة على الصمود (Resilience)، ليس فقط على مستوى الإقتصاد الكلي للدول (عبر إحتياطات النقد الأجنبي) بل وأيضاً على مستوى الشركات والبنية التحتية لمواجهة الصدمات المستقبلية. كما فرضت التوترات الجيوسياسية نفسها كعامل رئيسي في الأجندة التمويلية؛ حيث تم بحث وتأكيد الحاجة إلى دعم مناطق الصراع، وشمل ذلك مناقشة الإحتياجات لمواصلة دعم أوكرانيا إقتصادياً وجهود إعادة إعمارها على المدى الطويل، إضافة إلى الإنخراط المباشر في تقييم تكاليف إعادة إعمار المناطق المنكوبة. هذا التحرك يؤكد تسييس التمويل الدولي وإعتباره أداة للإستقرار الأمني والسياسي في المناطق الحيوية. وقد شكّل دور مجموعة العشرين (G20) محوراً تنسيقياً مهماً؛ حيث عُقدت إجتماعات لوزراء مالية دول المجموعة على هامش إجتماعات الخريف، لمناقشة التحدّيات الإقتصادية والمالية العالمية المُلحة؛ مما يضمن توافقاً (ولو جزئياً) بين أكبر الإقتصادات في صوغ الإستجابة للتقلُّبات العالمية.
على هامش الإجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين
إجتماع محافظي البنوك المركزية لدول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى
وقد شارك في هذه الاجتماعات محافظي الدول العربية الذين كان لهم كلمات ومداخلات التي دعت إلى تواصل العمل على تعزيز الأطر المؤسسية وتوضيح السياسات، مؤكدين مجموعة الدول العشرين تضطلع بدور رئيسي في تعزيز مرونة تدفقات رأس المال، والذي يشكل أهمية كبرى لإقتصادات الأسواق الناشئة.
جلسات مؤتمر «الحوار المصرفي العربي – الأميركي» في دورته الـ 12 في نيويورك
ناقشت تعزيز الإمتثال المالي في ظل المشهد العالمي سريع التطوّر
تناولت الجلسات الثلاث لمؤتمر «الحوار المصرفي العربي – الأميركي» في دورته الـ 12 تحت شعار «تعزيز الإمتثال المالي في ظل المشهد العالمي سريع التطوّر»، جوانب الإمتثال والتعاون المالي، بمشاركة كبار المسؤولين الأميركيين، والجهات التنظيمية العربية، والخبراء الدوليين، وقادة القطاع الخاص، مما أتاح تبادلاً ثرياً لوجهات النظر.
الجلسة الأولى
«تعزيز وتحديث برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في المؤسسات المالية»
ركّزت الجلسة الأولى، التي أدارها الدكتور شهدان جبيلي، كبير المستشارين في إتحاد المصارف العربية، على كيفية تعزيز البنوك لأطر عملها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في ضوء اللوائح الجديدة والمخاطر الناشئة.
وقد إفتتح السيد شون أومالي، المدير الإداري ورئيس وحدة الإستخبارات المالية والتحقيقات في بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الجلسة بنظرة عامة شيقة وإستشرافية حول كيفية إعادة تشكيل أولويات التنظيم الأميركي المتطوّرة وإتجاهات الإستخبارات المالية العالمية لمشهد الإمتثال.
وقد ضمّت الجلسة الأولى متحدّثين من مؤسسات أميركية ومن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من بينهم خبراء الإمتثال المخضرمين مثل تشيب بونسي (K2 Integrity)، وجاكلين شاير (بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك)، والدكتور مازن سويد (رئيس لجنة الرقابة على المصارف في لبنان)، والسيد سمير بانديت، المدير العام/ رئيس قسم الإمتثال – خدمات الخزانة، وإدارة العملاء العالميين وخدمات الإئتمان، بنك نيويورك، وجمال الهندي، المستشار، شركة كليفورد تشانس يو إس إل إل بي، المدير بالإنابة السابق لشبكة مكافحة الجرائم المالية، وزارة الخزانة الأميركية، والسيد ميتش بيرغر، الشريك الأول، سكوير باتون بوغز.
كان التركيز الرئيسي في الجلسة على «ما هو الجديد» في برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الأمريكية وكيف تؤثر هذه التطورات على البنوك في الخارج. على سبيل المثال، بحثت الجلسة في التقديم الأخير لأولويات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الوطنية الأميركية (كما حدّدتها شبكة مكافحة الجرائم المالية في العام 2024) وإستراتيجيات البنوك لدمج هذه الأولويات في أطر تقييم المخاطر المؤسسية الخاصة بها. ويتضمن ذلك مواءمة نماذج المخاطر الداخلية مع المجالات التي أبرزتها الجهات التنظيمية (مثل مكافحة الجرائم الإلكترونية، وتمويل الإرهاب، والاحتيال، والفساد، وما إلى ذلك) وضمان إنسجام حوكمة مجلس الإدارة مع هذه الأولويات الوطنية.
وبناءً على ذلك، ناقش المشاركون تطوير مناهج الإمتثال القائمة على المخاطر لجعل جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أكثر فعّالية. ويستلزم ذلك تجاوز عقلية وضع علامة صح في المربع وإستخدام أساليب قائمة على البيانات لتخصيص موارد الإمتثال حيث تكون المخاطر أعلى.
وأكدت الجلسة أهمية ترسيخ حوكمة ورقابة قوية على مستوى مجلس الإدارة والإدارة العليا بحيث تُدمج إعتبارات الإمتثال في عملية صنع القرار الاستراتيجي. ومن خلال تعزيز «النهج في القمّة»، يُمكن للمؤسسات المالية أن تُزرع بشكل أفضل ثقافة إمتثال إستباقية بدلاً من رد الفعل.
وكان أحد الموضوعات الرئيسية الأخرى في الجلسة الأولى هو تحدّيات الإمتثال التي تواجه البنوك العربية، وخصوصاً تلك التي تعمل في أو مع ولايات قضائية عالية المخاطر.
وتطرّق النقاش إلى الوضع الحالي للإمتثال التنظيمي في دول مثل العراق وسوريا، مع الإعتراف بالتقدم والصعوبات المستمرة، وقدم تحديثًا حول أنظمة العقوبات العالمية التي تؤثر على المنطقة.
وأشار المشاركون إلى أن البنوك في الأسواق المتأثرة بالصراعات أو ما بعد الصراعات غالباً ما تواجه عقبات فريدة، منها فجوات في البنية التحتية، وضعف في بيئات الرقابة، وإرث العقوبات أو العزلة السابقة.
وناقش المتحدثون، من منظورين أميركي وإقليمي، الحاجة إلى بناء قدرات مصممة خصّيصاً في مثل هذه السياقات، مؤكدين أن تحديث برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ليس مسعى واحداً يناسب الجميع؛ بل يتطلّب مراعاة الظروف المحلية حتى في ظل سعي البنوك جاهدةً لتلبية المعايير الدولية.
وفي ختام الجلسة الأولى، كان هناك إجماع عام على أن التحسين والتحديث المستمر لبرامج الإمتثال، من خلال الإبتكار وتدريب الموظفين والمشاركة التنظيمية، أمر لا غنى عنه للبنوك للحفاظ على مرونتها وإندماجها بثقة في النظام المالي العالمي.
الجلسة الثانية
«حماية الوصول إلى الخدمات المصرفية المراسلة تزايد توقعات الامتثال والتحديات الناشئة»
تناولت الجلسة الثانية التوازن الدقيق بين متطلّبات الإمتثال الصارمة وضرورة الحفاظ على علاقات مصرفية مراسلة سليمة. أدار الجلسة السيد شهدان جبيلي، المستشار الدولي الأول للشؤون القانونية والإمتثال في إتحاد المصارف العربية وجمعية مصارف لبنان، وقد جمعت خبراء بارزين يتعاملون بشكل مباشر مع مخاطر الخدمات المصرفية المراسلة والجرائم المالية.
وضمّت الجلسة الثانية قائمة المتحدّثين البارزين السيد رشيد نسيم، مدير إدارة المخاطر ورئيس إدارة المخاطر المتخصصة في مجموعة الأسواق، بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك؛ والسيدة ميريام خيرالله، الخبيرة في فريق الرصد 1267/1988، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ والسيدة سارة ك. رونجي، المديرة التنفيذية لشركة K2 Integrity والرئيسة السابقة لمجموعة العمل المالي التابعة لوزارة الخزانة الأميركية؛ والسيد ديفيد ويلدنر، الرئيس العالمي لمكافحة غسل الأموال ونائب الرئيس العالمي لبنك نيويورك ميلون، السيد أرز المر، خبير أول في القطاع المالي، صندوق النقد الدولي، الولايات المتحدة؛ والسيد مايكل ماتوسيان، الرئيس العالمي للإمتثال التنظيمي للمجموعة، مجموعة البنك العربي.
وكان من المواضيع الرئيسية تلبية متطلّبات البنوك المراسلة المتطوّرة من خلال الشفافية والحوار. وقد خضعت الخدمات المصرفية المراسلة، شريان الحياة للمدفوعات عبر الحدود، لتدقيق مكثّف في السنوات الأخيرة، حيث يتوقع المراسلون (غالباً بنوك أميركية أو أوروبية كبيرة) معايير أعلى للعناية الواجبة، وشفافية العملاء، وإدارة المخاطر من شركائهم من البنوك المراسلة.
وشددت الجلسة الثانية على ضرورة تفاعل البنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنشاط مع مراسليها الأجانب، وإظهار تحديثات إمتثالها بوضوح، وتبادل المعلومات لبناء الثقة المتبادلة. ويُمكن لخطوط التواصل المفتوحة أن تساعد في منع سوء الفهم وإستباق مخاوف المخاطر التي تؤدي إلى قرارات «تخفيف المخاطر». والأهم من ذلك، أن للجهات التنظيمية دوراً في تسهيل هذا الحوار المستمر وتشجيع النهج المتناسب بحيث لا تُعزل ولايات قضائية أو قطاعات بأكملها بشكل غير عادل عن النظام الدولي.
ولمعالجة ضغوط تخفيف المخاطر بشكل أكبر، إستكشف النقاش الخطوات العملية التي تتخذها البنوك والسلطات. ومن التطورات الإيجابية التي لوحظت موجة الإصلاحات التنظيمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تهدف إلى تعزيز حوكمة الشركات وإنفاذها داخل البنوك المحلية.
على سبيل المثال، وكما ذُكر في الكلمات الإفتتاحية، نفّذت دول مثل الإمارات العربية المتحدة والأردن تحسينات جذرية على أطرها القانونية وأنظمتها الرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي خطوات حظيت بإعتراف دولي (على سبيل المثال، من خلال رفعها من قوائم مراقبة مجموعة العمل المالي).
ورأى المشاركون بأن هذا التقدم يُسهم في طمأنة الشركاء العالميين بإلتزام بنوك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعايير الدولية. ومع ذلك، أقرّوا بأن تصوّرات المخاطر قد لا ترقى إلى مستوى الواقع، وبالتالي، فإن المشاركة المستمرة ووجود أدلّة على التحسُّن أمران ضروريان لتخفيف مخاوف المراسلين بشكل حقيقي.
كما إستكشفت الجلسة الثانية التمويل غير الرسمي والقنوات المالية غير المصرفية كتحدّيات ناشئة متشابكة مع مشكلة المراسلين. غالبًا ما تواجه البنوك تدقيقاً مشدّداً، ويرجع ذلك جزئياً إلى المخاطر في النظام المالي المحيط بها، وخصوصاً في الإقتصادات التي تعتمد في الغالب على النقد.
وأشارت الجلسة الثانية إلى إنتشار المعاملات النقدية وشبكات تحويل الأموال غير الرسمية في العديد من أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باعتبارها «مضاعفًا لمخاطر الإمتثال»، فعندما تعمل قطاعات كبيرة من الإقتصاد خارج نطاق رؤية القطاع المصرفي، فإن ذلك يزيد من المخاطر الإجمالية وقد يردع المراسلين.
وبالمثل، فإن صعود مقدّمي الخدمات المالية (MSPs) وأنظمة الصيرفة الموازية يمثل سلاحاً ذي حدّين. فمن ناحية، يُمكن لهذه البدائل (بما في ذلك مقدّمي خدمات التحويلات المالية عبر التكنولوجيا المالية، ومكاتب الصرافة، وغيرها من الكيانات غير المصرفية) أن تساعد في تلبية إحتياجات الدفع، لا سيما في الحالات التي قلصت فيها البنوك أنشطتها. ومن ناحية أخرى، إذا لم تُنظَّم بشكل صحيح، فقد تصبح قنوات للتمويل غير المشروع أو التهرب من العقوبات، مما يزيد من قلق البنوك المراسلة. وقد ردّد الخبراء ملاحظات الدكتور فتوح السابقة: فبينما تنمو هذه القنوات البديلة، من الضروري إشراكها في المجال التنظيمي. وستساعد الأطر التنظيمية الواضحة والإشراف على مقدمي الخدمات المالية وشركات التكنولوجيا المالية وأنظمة تحويل القيمة غير الرسمية على ضمان ألاّ يأتي الإبتكار على حساب النزاهة المالية.
وفي الواقع، لاحظت الجلسة الثانية أن الفشل في السيطرة على المخاطر في هذه المجالات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بالبنوك من خلال دفع المراسلين إلى الإنسحاب بشكل أكبر.
في الخلاصة، أكدت الجلسة الثانية على أن حماية وصول المراسلين تتطلّب جهداً متعدّد الجوانب. فالشفافية، وتحسين ضوابط الإمتثال، والتواصل المستمر هي الأدوات الفورية التي تُمكّن البنوك من الحفاظ على علاقات المراسلة وإستعادتها. وفي الوقت نفسه، يجب على الجهات التنظيمية تعزيز البيئة المصرفية المحلية، من خلال حوكمة أقوى، وتطبيق، ورقابة على جميع الوسطاء الماليين، حتى يكتسب الشركاء الدوليون ثقة في النظام ككل. ومن خلال معالجة كل من الإمتثال الداخلي للبنوك ومخاطر النظام البيئي الخارجي، يتمثل الهدف في الحد من عمليات تخفيف المخاطر العشوائية والحفاظ على الروابط المالية الحيوية التي تدعم التجارة والتحويلات المالية والإستثمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.