أين تختفي المليارات الموجودة في الملاذات الضريبية؟
(العربية)-02/11/2026
حين يسمع الناس عن الملاذات الضريبية، غالباً ما يتخيلون مشهداً يصلح لأفلام الجاسوسية: خزائن فولاذية ضخمة مدفونة في جزر نائية، وحسابات سرية لا يعرف أصحابها سوى عدد محدود من المصرفيين والمحامين.
لكن الواقع أكثر تعقيداً، وربما أكثر إثارة. فالتريليونات التي يتحدث عنها الاقتصاديون عند مناقشة عالم “الأوفشور” ليست أكواماً من الأموال الراقدة في جزر كايمان أو برمودا أو غيرها من المراكز المالية منخفضة الضرائب. بل هي في معظمها أسهم في شركات مدرجة، وسندات حكومية، وعقارات فاخرة، وصناديق استثمار منتشرة في أكبر اقتصادات العالم.
أما ما يوجد في الملاذات الضريبية فعلياً فهو شيء آخر: هياكل قانونية تملك تلك الثروات نيابة عن أصحابها.
وبحسب أبحاث الاقتصادي الفرنسي غابرييل زوكمان ودراسات “EU Tax Observatory”، تقدر الثروات الخاصة المحتفظ بها عبر المراكز المالية الخارجية بعدة تريليونات من الدولارات، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أحجام أكبر بكثير عند احتساب مختلف الهياكل والأصول العابرة للحدود تصل إلى 32 تريليون دولار.
في الواقع، لا يبدأ تصميم الثروة العالمية من البنك، بل من المحامي. ففي عالم الثروات الكبرى، لا يبدأ التخطيط للمستقبل عند كتابة الوصية، بل قبل ذلك بسنوات وربما عقود.
فالملياردير الذي بنى شركة بقيمة 20 أو 50 أو حتى 100 مليار دولار يدرك أن أكبر تهديد لثروته قد لا يكون الانهيار الاقتصادي أو المنافسة التجارية، بل انتقالها إلى الجيل التالي.
فحين يقرر رجل أعمال أو ملياردير إعادة تنظيم ثروته، نادراً ما يكون هدفه مجرد فتح حساب خارجي. بدلاً من ذلك، تُبنى طبقات متتالية من الكيانات القانونية.
هنا يظهر الصندوق الاستئماني (Trust).
ينقل المؤسس الأسهم أو الأصول إلى كيان قانوني مستقل يديره أمناء محترفون ومحامون ومديرو ثروات. وعلى الورق، لم تعد الأصول ملكاً للملياردير نفسه، بل أصبحت مملوكة للصندوق، ويحصل الأبناء والأحفاد على المنافع والعوائد وفق قواعد مكتوبة سلفاً قد تستمر لعقود أو حتى لأجيال متعاقبة.
وهنا تكمن المفارقة. فبدلاً من أن يرث الأبناء الأسهم مباشرة ويتمكنوا من بيعها متى أرادوا، قد يجدون أنفسهم مستفيدين فقط من الأرباح، بينما تبقى الأسهم محتجزة داخل الصندوق إلى أجل غير مسمى.
بعبارة أخرى، لا يهدف بعض هذه الهياكل إلى حماية الثروة من الضرائب فحسب، بل أحياناً إلى حماية الثروة من الورثة أنفسهم.
إذ يمتلئ تاريخ الثروات الكبرى بقصص الإمبراطوريات التي انهارت بعد وفاة مؤسسيها.
من يراقب الحراس؟
إذا كان الصندوق الاستئماني يحمي الثروة من الورثة، فمن يحمي الورثة من الصندوق؟، وقد تحول هذا السؤال إلى محور نزاعات شهيرة في عالم الأثرياء.
فبعد وفاة جيمي بافيت، صاحب إمبراطورية “مارغاريتافيل”، اندلع نزاع بين أرملته وأحد الأمناء المشرفين على أجزاء من التركة، وشمل الخلاف آليات الإدارة ومستوى الشفافية والرسوم التي تستقطع من أموال الصندوق لإدارة الأصول.
لم يكن النزاع حول حجم الثروة نفسها بقدر ما كان حول سؤال جوهري، حجم الأموال الذي يذهب إلى المستفيدين، ونصيب المديرين والمحامين والأمناء من الأموال المتبقية.
وتكررت تساؤلات مشابهة في نزاعات مرتبطة بعائلات ثرية أخرى في أميركا الشمالية وأوروبا، حيث اعترض بعض الورثة على حجم التعويضات والرسوم التي تتقاضاها الجهات المشرفة على إدارة الصناديق.
فكلما زادت تعقيدات الهيكل القانوني، زادت أهمية الأشخاص الذين يديرونه.
وهكذا تتحول بعض أكبر الثروات في العالم إلى أنظمة حكم صغيرة، تضم مستفيدين وأمناء ومحامين ومحاسبين، ولكل طرف مصالحه الخاصة.
لماذا لا تحظر الحكومات كل ذلك؟
قد يبدو غريباً أن تنفق الحكومات مليارات الدولارات لمحاربة التهرب الضريبي، ثم تسمح في الوقت نفسه باستمرار الصناديق الاستئمانية والشركات القابضة والمؤسسات العائلية. لكن السبب أن معظم هذه الكيانات ليست غير قانونية في حد ذاتها.
في الواقع، تعتمد اقتصادات كثيرة على وجودها، إذ تسهل انتقال الثروات بين الأجيال، وتحمي الشركات العائلية من التفكك، وتوفر أطراً للاستثمار طويل الأجل والعمل الخيري.
ولهذا لم تتجه الحكومات إلى إلغاء هذه الهياكل، بل إلى زيادة الشفافية حولها.
وحتى أن بعض الدول حالياً باتت تطالب عبر الجهات التنظيمية الشركات الراغبة في القيد بالبورصة بالإفصاح عن “المستفيد النهائي” أو (Beneficial Owner).
الهدف ليس منع استخدام الشركات القابضة أو الصناديق الاستئمانية، وإنما معرفة الشخص الطبيعي الذي يقف في نهاية سلسلة الملكية مهما تعددت الشركات والكيانات الوسيطة.
أين تختفي التريليونات إذن؟
الإجابة المفاجئة أنها لا تختفي في معظم الأحيان، فأسهم الشركات لا تزال في الأسواق، والسندات لا تزال في المحافظ الاستثمارية، والعقارات لا تزال قائمة في أفضل شوارع لندن ونيويورك وسنغافورة، ولكن الذي يختفي هو الرابط المباشر بين الأصل وصاحبه.
وعلى امتداد العقود الماضية، نجح المحامون والمصرفيون ومديرو الثروات في بناء شبكة معقدة من الصناديق الاستئمانية والمؤسسات العائلية والشركات القابضة، جعلت السؤال عن ملكية الثروة أصعب بكثير من السؤال عن مكان وجودها.
المفارقة أن الأموال التي يقال إنها “هربت” إلى الملاذات الضريبية غالباً لا تغادر الاقتصادات الكبرى.
فشركة مسجلة في جزر كايمان قد تمتلك أسهماً في “مايكروسوفت” أو “إنفيديا” أو سندات خزانة أميركية. وصندوق استئماني مسجل في إحدى الولايات الأميركية قد يمتلك عقارات في لندن أو باريس.
بمعنى آخر، ما ينتقل إلى الملاذ الضريبي هو عنوان الملكية القانونية، لا الأصل الاقتصادي نفسه.
ولهذا وصف الباحثون في كتاب The Hidden Wealth of Nations عالم الأوفشور بأنه نظام يعيد تنظيم الملكية العالمية للأصول أكثر من كونه مكاناً تخزن فيه الأموال فعلياً.
بعض المستثمرين استغلوا هذه الشبكة العالمية من الاتفاقيات لإنشاء شركات وسيطة في ولايات قضائية تمتلك معاهدات ضريبية واسعة، وهي ممارسة تعرف باسم “التسوق بين المعاهدات” أو “Treaty Shopping”.
ولهذا السبب أطلقت منظمة OECD ضمن مشروع مكافحة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح (BEPS) مجموعة قواعد تستهدف الحد من إساءة استخدام الاتفاقيات الضريبية ومنع الحصول على مزايا ضريبية لا تعكس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً.
