«اقتصاد K».. الأثرياء يتصاعدون والفقراء يتراجعون
(البيان)-22/09/2026
في تصريح يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة لمستقبل الاستقرار المالي الدولي، أعاد رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق جيروم باول التذكير بأحد أكثر المفاهيم الاقتصادية تعقيداً وجدلاً، والمعروف بـ«الاقتصاد على شكل حرف K».
وهو المصطلح الذي صاغه محللون وازداد زخماً خلال السجالات السياسية والاقتصادية لتوصيف التعافي غير المتكافئ عقب الأزمات الكبرى.
حيث يجسد هذا المفهوم انقساماً حاداً ينقسم فيه المسار الاقتصادي إلى اتجاهين متناقضين: مسار صاعد يمثل الذراع العلوية للحرف ويعبر عن فئات الأثرياء والمستثمرين والشركات الكبرى التي تواصل تحقيق الأرباح والنمو والإنفاق الاستهلاكي الفاخر.
ومسار هابط يمثل الذراع السفلية للحرف ويعكس تدهور القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والعمالة غير المستقرة التي تعاني تحت وطأة الضغوط المالية وتراجع مداخيلها الحقيقية.
ولم يعد هذا التوصيف مجرد قراءة لواقع الاقتصاد الأمريكي الذي أشار فيه باول إلى وجود «اقتصاد مزدوج المسار» يتجلى في تباين السلوك الاستهلاكي وتقارير الأرباح بين طبقات المجتمع، بل تحول اليوم إلى عدسة تحليلية شاملة تفسر واقع الاقتصاد العالمي في ظل تقلبات السياسة النقدية.
وارتفاع معدلات الفائدة، والنزاعات الجيوسياسية المتصاعدة، واضطرابات سلاسل الإمداد في الممرات المائية الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز، فضلاً عن حروب الطاقة واحتدام سباقات التنافس التكنولوجي. إن الرؤية التي طرحها الفيدرالي تكتسب تجسيداً أعمق على الصعيد العالمي؛ إذ أدى طول فترة معدلات الفائدة المرتفعة.
والتضخم الهيكلي في أسعار المواد الأساسية، وتكاليف الشحن والحروب، إلى توسيع الفجوة بين الاقتصاديات المتقدمة والطبقات الممتلكة للأصول من جهة، وبين الدول النامية والطبقات الهشة من جهة أخرى.
تُظهر الدراسات الاقتصادية السابقة التي تناولت نشأة مفهوم التعافي على شكل K، لا سيما الأبحاث الناجمة عن تداعيات جائحة كورونا والتقلبات المالية التالية لها، أن المكاسب في أوقات الأزمات تذهب بشكل غير متناسب للطبقات الأكثر ثراءً نتيجة ملاءتها المالية وقدرتها على استغلال ارتفاع أسعار الأصول كالأسهم والعقارات والتقنيات الحديثة.
في حين تُطحن الطبقات الوسطى والفقيرة بسبب اعتمادها المباشر على الأجور الثابتة التي تلتهمها معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، يرى كبار الخبراء والمحللين الاقتصاديين في الولايات المتحدة والعالم، وعلى رأسهم الاقتصادي الحائز جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز، أن تجسيد رؤية «اقتصاد K» على المسرح الدولي لم يعد محصوراً في مؤشرات الدخل الفردي، بل امتد ليشمل قطاعات كاملة ودولاً برُمّتها؛ إذ أشار ستيغليتز إلى أن التعافي غير المتكافئ يكرس لا مساواة هيكلية.
فبينما تجني شركات الطاقة وعمالقة التكنولوجيا ومؤسسات الدفاع أرباحاً قياسية في أعلى السلم، تعاني القطاعات الإنتاجية الصغيرة والأسواق الناشئة التي تعتمد على استيراد الغذاء من مخاطر الإفلاس والانكماش.
وفي الاتجاه ذاته، أوضح الخبير الاقتصادي محمد العريان أن الانقسام يزداد خطورة عندما تلتقي الضغوط النقدية بالتعقيدات الجيوسياسية، محذراً من أن اضطرابات سلاسل الإمداد في الممرات الحيوية، كمضيق هرمز، تفرض «ضريبة غير مباشرة» تتحمل الطبقات الهشة عبئها الأكبر.
وقد أثارت هذه التحليلات تفاعلاً واسعاً في وسائل الإعلام العالمية، لا سيما الأمريكية والأوروبية؛ إذ كتبت صحيفة «فايننشال تايمز» أن «الانقسام الاقتصادي المزدوج يجعل خيارات البنوك المركزية بين التضخم والانكماش بمثابة السير في حقل ألغام».
فيما أكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن «فجوة الثروة لا تزال تتوسع مع تحول أسواق الأسهم والأصول إلى ملاذ آمن للمستثمرين في أعلى حرف K، مقارنة بالضغوط المعيشية في أدناه».
ومن جانبها، حذرت صحيفة «الإيكونوميست» من أن «صناع السياسة النقدية يعجزون عن علاج الخلل البنيوي بأدوات الفائدة التقليدية وحدها دون إصلاحات مالية شاملة».
بينما شددت مجلة «فوربس» على أن «أزمة اقتصاد K تحولت من مجرد ظاهرة أمريكية إلى تحدٍ استراتيجي يهدد استدامة النمو والأنظمة المالية في مختلف دول العالم».
وتؤكد الدراسات الاقتصادية الحالية المطبقة على المشهد الراهن أن هذا النموذج البنيوي بات يتكرر بصورة أشد قسوة؛ إذ يمتلك ذوو الدخل المرتفع «مصدات مالية» ومرونة استثمارية تتيح لهم الاستفادة من ارتفاع عوائد الفائدة على مدخراتهم والنمو المتسارع لقطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بينما تواجه الطبقات الأقل دخلاً عجزاً متزايداً عن مواكبة تكاليف الإقراض المرتفعة، وتضخم أسعار الغذاء والطاقة، ما يقلص قدرتها الشرائية ويدفعها نحو مستويات أدنى من الفقر والديون.
