الحرب على إيران وتداعياتها على الاقتصاد العالمي
(العربية)-03/03/2026
م. عبدالله عودة الغبين*
مع تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً مباشراً على إيران وبدء المواجهة المفتوحة بين الأطراف المعنية، دخلت المنطقة مرحلة حرب فعلية سرعان ما تجاوز أثرها الإطار الجيوسياسي لتتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق. فمن منظور اقتصادي بحت وفي ظل تصعيد الطرف الإيراني وتوسيعه ساحة الحرب بطريقة إنتحارية، نرى أنه تكمن خطورة التطورات الجارية في بعدها العسكري وحده، بل في ما أحدثته من إعادة تسعير فورية وشاملة للمخاطر عبر أسواق الطاقة والمال والتجارة الدولية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يواجه تحديات التضخم المرتفع نسبياً، وتشديد الأوضاع الائتمانية، وتباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى.
ويتصدر مضيق هرمز بؤرة القلق العالمي، نظراً لمرور ما يقارب خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً عبره. فمع تحول التهديدات إلى عمليات عسكرية فعلية، ارتفعت احتمالات تعطّل الملاحة أو تقييدها، ما انعكس مباشرة على أسعار النفط والعقود الآجلة. ولم يعد الأمر مجرد تسعير لاحتمالات، بل بات مرتبطاً بمخاطر تشغيلية حقيقية تواجه شركات الشحن والطاقة، التي سارعت إلى تعديل مساراتها، ورفع تكاليف التأمين، وتقليص بعض الشحنات. ونتيجة لذلك، قفزت علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى مستويات أعلى، في ظل مخاوف من اتساع رقعة المواجهة أو استهداف منشآت حيوية في المنطقة.
كما يكتسب موقع إيران داخل منظمة «أوبك» أهمية إضافية في سياق الحرب، إذ لا يقتصر التأثير على صادراتها وإنتاجها فحسب، بل يمتد إلى تماسك سياسات الإنتاج داخل المنظمة وقدرتها على إدارة توازن السوق في ظل اضطرابات حادة. فاختلال الإمدادات من أي طرف رئيسي يعيد رسم خريطة العرض العالمي، ويدفع الدول المنتجة الأخرى إلى خيارات معقدة بين تعويض النقص أو الحفاظ على استقرار الأسعار.
وقد شهدت أسواق الطاقة ارتفاعات ملموسة في أسعار خام برنت والغاز الطبيعي، مدفوعة بمزيج من الاضطراب الفعلي والتوقعات بشأن طول أمد الحرب. ومع انتقال الأزمة من مرحلة التهديد إلى واقع عسكري قائم، تحولت علاوة المخاطر إلى عنصر أكثر رسوخاً في هيكل الأسعار. ويُعيد هذا الارتفاع الضغوط التضخمية إلى الواجهة، لا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة، حيث تنعكس زيادة أسعار الوقود على تكاليف النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد، ومن ثم على أسعار السلع والخدمات. ويؤدي ذلك إلى تآكل القوة الشرائية للأسر واتساع عجز الميزان التجاري في الدول غير المنتجة للطاقة. أما الدول المصدرة، فقد تحقق مكاسب إيرادية على المدى القصير، لكنها تبقى عرضة لتقلبات حادة في الأسعار ولمخاطر تراجع الاستثمارات في بيئة إقليمية تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين.
ولا تنحصر التداعيات في سوق النفط وحدها، بل تمتد إلى قطاعات البتروكيماويات والشحن والتأمين البحري. فقد ارتفعت أقساط التأمين على السفن العابرة للمياه القريبة من مناطق العمليات العسكرية، ما زاد كلفة التجارة الدولية وأعاد الضغوط إلى سلاسل الإمداد العالمية. ويؤدي هذا التداخل بين الطاقة والتجارة إلى تعميق الأثر التضخمي، بحيث لا تقتصر الصدمة على أسعار الخام، بل تشمل طيفاً واسعاً من السلع الوسيطة والنهائية.
في الأسواق المالية، اتسمت ردود الفعل بالتقلب الحاد. فقد تراجعت مؤشرات أسهم في عدد من الأسواق الإقليمية، مع تصاعد موجات البيع بدافع تجنب المخاطر، بينما شهدت السوق الإيرانية اضطرابات كبيرة انعكست في تعليق التداول. وعلى المستوى العالمي، اتجه المستثمرون نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والسندات السيادية مرتفعة التصنيف، في مقابل ضغوط على الأصول الأعلى مخاطرة، بما في ذلك بعض أسواق الأسهم الناشئة والعملات المشفرة. كما اتسعت الفروقات الائتمانية وازدادت تقلبات العملات، مع ميل الدولار إلى الارتفاع، الأمر الذي يفاقم أعباء خدمة الديون المقومة به على العديد من الاقتصادات الناشئة.
وبالتوازي مع العمليات العسكرية، تصاعدت حزمة العقوبات الاقتصادية والقيود المالية، بما في ذلك تجميد الأصول، وتشديد القيود على التحويلات، وفرض قيود إضافية على التجارة والتكنولوجيا. وتُعمّق هذه الإجراءات عزلة الاقتصاد الإيراني، غير أن آثارها لا تقتصر عليه، إذ تمتد إلى شركات ومؤسسات دولية تضطر إلى إعادة هيكلة علاقاتها التجارية وسلاسل توريدها، ما يرفع الكلفة ويزيد من تجزؤ الاقتصاد العالمي. وقد تُسرّع الحرب من اتجاه قائم نحو إعادة تموضع سلاسل الإمداد وتعزيز الاكتفاء النسبي في القطاعات الاستراتيجية، خصوصاً في مجالات الطاقة والتقنيات الحساسة.
وأمام هذه التطورات، تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ التعقيد. فاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة يهدد بإعادة ترسيخ الضغوط التضخمية، ما قد يدفع إلى الإبقاء على سياسات نقدية مشددة أو حتى زيادتها تشدداً. غير أن تشديد السياسة النقدية في بيئة حرب واضطراب مالي قد يفاقم تباطؤ النمو ويزيد هشاشة أسواق الائتمان. وفي المقابل، فإن التراخي قد يؤدي إلى انفلات التوقعات التضخمية وتقويض ما تحقق من استقرار نسبي في الأسعار. وتزداد صعوبة الموازنة بين هذين الخيارين في ظل مستويات مرتفعة من الدين العام، تحدّ من قدرة الحكومات على التدخل المالي واسع النطاق.
في المحصلة، لم تعد الأزمة مجرد توتر قابل للاحتواء، بل تحولت إلى حرب مفتوحة تعيد تشكيل خريطة المخاطر الاقتصادية عالمياً. فالتأثير لا يقتصر على احتمالات تعطل الإمدادات، بل يشمل تغير سلوك المستثمرين، وإعادة توجيه التدفقات الرأسمالية، وإبطاء قرارات الاستثمار والتوسع. وفي اقتصاد عالمي مترابط إلى حد بعيد، قد تمتد آثار الحرب إلى ما هو أبعد من ساحة المواجهة، لتؤثر في مسارات النمو والاستقرار المالي خلال السنوات المقبلة. وفي عالم تحكمه التوقعات بقدر ما تحكمه الوقائع، يظل اتساع دائرة عدم اليقين العامل الأكثر تأثيراً في تعميق الصدمة الاقتصادية.
