دروس مفيدة للاقتصاد العالمي من تجربة «بريكست» في بريطانيا
(البيان)-26/06/2026
مع حلول الذكرى السنوية العاشرة للاستفتاء الذي أدى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، تبدو هذه فرصة جيدة للتأمل في الحجج الاقتصادية المطروحة والدروس المستفادة.
ويتساءل كثير من الاقتصاديين عما إذا كان إجماعهم – على أن مغادرة الاتحاد الأوروبي ضارة بالمملكة المتحدة – دقيقاً.
لكن أليس هذا سؤالاً غريباً بالنسبة للخاسرين في الاستفتاء؟ لكن هناك إجابة واضحة من شقين.
كانت التوقعات قصيرة الأجل بالضرر الفوري والركود المحتمل، كما لخصها تحليل وزارة الخزانة، خاطئة. لكن التوقعات طويلة الأجل بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيُضعف الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة أثبتت بالتأكيد أنها صحيحة.
وقد شهدنا بعض المفاجآت منذ عام 2016، خاصة القوة الملحوظة لصادرات الخدمات البريطانية. لكن الانخفاض السريع في قيمة الجنيه الاسترليني قلل من الدخول الحقيقية، ثم أدى عدم اليقين بشأن عملية الانسحاب وسط الاضطرابات السياسية إلى تقويض استثمارات الشركات، كما أدت زيادة الحواجز التجارية إلى تقليل ديناميكية الاقتصاد البريطاني.
ولأنه لا يمكن إعادة التاريخ، فلم يكن بمقدور أحد الجزم بالتأثير الدقيق لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن أدق التحليلات تشير الآن إلى أن الاقتصاد البريطاني تقلص بنسبة تراوح بين 6 و8 % مما كان عليه لو صوتت البلاد للبقاء في الاتحاد الأوروبي.
وكان هذا أيضاً تقدير وزارة الخزانة الأمريكية عام 2016 للأضرار التي سيُسببها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030 في حال التوصل إلى اتفاق ثنائي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وقد اعتاد مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي على الشكوى العالية من أن المملكة المتحدة «مُقيدة بجثة هامدة» عندما كان اقتصادها يتفوق باستمرار على الاقتصاد الأوروبي؛ لكن ذلك الزمن قد ولى.
والمثير للدهشة هو أنه بينما تتم مناقشة التوقعات المتفق عليها منذ عقد من الزمان، يتم تجاهل توقعات مؤيدي الخروج.
ومن الواضح أن «مجموعة الاقتصاديين المؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي» كانت مجرد مجموعة غير متجانسة من ذوي التفكير المتقارب، العاجزين عن فهم العواقب المحتملة لهذا الانفصال.
ولذلك، رأوا أن التصويت للخروج سيؤدي إلى تحسن سريع في الأداء الاقتصادي، بمعدلات نمو تقارب 3 % سنوياً حتى عام 2020.
وتوقعوا أنه سيكون بمقدور المملكة المتحدة توفير تجارة حرة من جانب واحد للدول الأخرى، ورأوا أن ذلك سيرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4 % مع مرور الوقت.
وبدلاً من أن يحل تحسن دائم محلّ بعض التقلبات التي أعقبت الاستفتاء، شهدنا العكس. فقد بدأ الاقتصاد البريطاني سنوات ما بعد الاستفتاء ببعض المرونة لكنها تراجعت منذ ذلك الحين.
لكن لماذا أصابت التوقعات الاقتصادية السائدة؟ الإجابة ببساطة هي أنه على الرغم من شيوع الاعتقاد بأن الاقتصاد ينظر إلى السلوك البشري بنظرة ضيقة للغاية، فإن هذا الاعتقاد خاطئ، حيث يسعى الاقتصاد التجريبي جاهداً لفهم سلوك الأفراد والشركات، ويستخدم تقنيات متطورة لإنتاج تقديرات دقيقة للعلاقات بين السياسات والنتائج.
وقد توصلت هذه الدراسات إلى أن التقارب والتجارة والتكامل عوامل مهمة في الديناميكية الاقتصادية.
وقد لا تكون التوقعات دقيقة تماماً، لكن علم الاقتصاد أدرك أن إقامة حواجز أمام ممارسة الأعمال التجارية قد يكون مكلفاً.
وهكذا، فإنه بعد مرور عشر سنوات، ومع تأكد أوروبا من أن المملكة المتحدة ارتكبت خطأً فادحاً، وعدم سعي أي دولة أخرى لتقليد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن ذلك لم يوقف انتشار المفاهيم الاقتصادية الخاطئة والتفكير بالتمني، لكن مرونة الاقتصاد العالمي وصموده في وجه تعريفات الرئيس دونالد ترامب وتداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط يمكن النظر إليها باعتبارها انتصاراً للرأسمالية الحديثة، وليس للحواجز التجارية.
وبذلك، يمكن التأكيد على أن نظام التجارة العالمي يمكنه الصمود أمام الكثير، لكن الجهود المبذولة لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد تقوض هذه القوة، وتضيف طبقات إضافية من الهشاشة.
وبينما يمثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحذيراً قوياً من تجاهل مبادئ الاقتصاد السائدة، فإن هذا التحذير لا يزال يتم تجاهله، للأسف الشديد.
