فاتورة الحرّ: كيف بات المناخ في صلب المعادلة الاقتصادية الأوروبية؟
(النهار)-30/06/2026
لم تعد موجات الحر التي تضرب أوروبا في كل صيف حدثاً عابراً تتصدر نشرات الطقس لبضعة أيام قبل أن تنسحب من الاهتمام العام. في السنوات الأخيرة، باتت درجات الحرارة القياسية تُقرَأ هناك بلغة مختلفة: لغة الاقتصاد. ما كان يُعتبَر سابقاً أزمة صحية أو بيئية أصبح اليوم بنداً ثابتاً في تقارير المصارف المركزية، وحسابات الشركات، وخطط الحكومات، وتقديرات المستثمرين.
لا تواجه أوروبا مجرد فصول صيف أكثر حرارة فحسب، بل واقع مناخي جديد يعيد رسم حدود النشاط الاقتصادي نفسه. القارة التي اعتادت لعقود طويلة من الزمن مناخاً معتدلاً نسبياً، تجد نفسها اليوم أمام ظاهرة تتكرر بوتيرة أعلى، وتفرض على اقتصاداتها التكيف مع ظروف لم تكن البنية التحتية، ولا أسواق العمل، ولا نماذج الإنتاج، مصممة أساساً لاستيعابها.
لا يتعلق الأمر بانطباعات أو توقعات بعيدة الأجل. تؤكد المفوضية الأوروبية أن أوروبا أصبحت أسرع قارات العالم احتراراً، إذ ترتفع درجات الحرارة فيها بأكثر من ضعفي المتوسط العالمي. هذه الحقيقة التي لطالما عنت علماء المناخ وحدهم، أصبحت تشغل بال الاقتصاديين أيضاً، لأن الحرارة تحولت من عامل طبيعي يصعب إدراجه في المعادلات الاقتصادية إلى متغير يؤثر مباشرة في النمو والإنتاجية والاستثمار والتضخم.
قبل سنوات قليلة، كانت الاقتصادات الأوروبية تواجه أزماتها التقليدية: تباطؤ النمو، وتقلب أسعار الطاقة، والشيخوخة السكانية، ثم جاءت جائحة “كوفيد-19” لتضيف اختباراً غير مسبوق، أعقبتها الحرب الروسية- الأوكرانية وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. واليوم، يبدو أن تغير المناخ يفرض نفسه بوصفه التحدي الهيكلي التالي، تحدٍّ لا يرتبط بدورة اقتصادية عابرة، بل بواقع مرشح لأن يرافق القارة لعقود مقبلة.
لا يتوقف الاقتصاد الأوروبي عن العمل عندما ترتفع الحرارة، بل يواصل العمل بكفاءة أقل. هذا هو ما يجعل الخسائر صعبة الرصد أحياناً وأكثر خطورة في الوقت نفسه. العامل في موقع البناء، أو سائق الشاحنة، أو موظف المستودع، أو الفني الذي يقضي يومه في صيانة شبكة كهرباء أو خط من خطوط السكك الحديد، لا يستطيع الحفاظ على المستوى نفسه من الأداء عندما يصبح الحر عاملاً إضافياً يستنزف الجسد والتركيز معاً.
لكن الصورة لا تقتصر على هذه المهن. حتى داخل المكاتب والمصانع والمحال التجارية، ترتفع تكلفة الحفاظ على بيئة عمل مناسبة، ويزداد الاعتماد على أنظمة التبريد، وتتغير ساعات التشغيل، فيما تتراجع الإنتاجية تدريجاً من دون أن يلحظها أحد في يوم واحد، لكنها تظهر بوضوح عندما تُجمَع نتائج أشهر كاملة.
ولذلك، لم يعد الاقتصاديون يتحدثون عن الحرارة بوصفها عاملاً يؤثر في راحة العاملين فحسب، بل كذلك باعتبارها عاملاً إنتاجياً بامتياز. تشير دراسة حديثة شملت 2.7 مليون شركة في 23 اقتصاداً متقدماً إلى أن زيادة 10 أيام سنوياً تتجاوز فيها درجات الحرارة 35 درجة مئوية تخفض إنتاجية العمل بنحو 0.3 في المئة، فيما تؤدي موجة حر تستمر خمسة أيام أو أكثر إلى انخفاض إضافي يقارب 0.2 في المئة، مع أثر أكبر في الشركات الصغيرة والمتوسطة الأقل قدرة على الاستثمار في وسائل التكيّف.
