في عام 2026.. هل تحتاج حكومات العالم لمراجعة قراراتها المتفائلة؟
(البيان)-05/01/2026
قبل عقد من الزمان، اتخذت الحكومة السويسرية قراراً متفائلاً للغاية: قررت الحكومة تفكيك آخر ما تبقى من متفجرات الحرب الباردة التي كانت قد زرعتها سابقاً لحماية طرقها وجسورها وأنفاقها وردع أي غزو. فلماذا قامت بذلك؟
في مطلع القرن الحادي والعشرين، افترضت النخب الغربية عموماً أن العولمة والديمقراطية والسوق الحرة أمور جيدة تماماً، ولذلك فهي ستستمر بديهياً في الانتشار، مرسية بذلك السلام حول العالم. ولذلك، بدا التخطيط لغزو محتمل أمراً لا طائل منه.
لكن من الواضح أن الأوضاع مغايرة لذلك الآن. فمع حلول عام 2026، «يتدهور الوضع الأمني حول سويسرا عاماً بعد عام، وتلوح في الأفق مواجهة عالمية»، حسبما يشير تقرير حديث صادر عن جهاز المخابرات الفيدرالي السويسري. لذا، تسعى الحكومة السويسرية جاهدة – شأنها شأن الحكومات الأخرى – الآن لإعادة بناء دفاعاتها، بعد أن أدركت أنها أخطأت تماماً في قراءة المستقبل.
والمثير للدهشة، أن جهاز المخابرات الفيدرالي السويسري قد نشر في هذا السياق دليلاً حول نقاط المعرفة العمياء. ويشير الدليل إلى أن «الكثير من الناس يفتقرون إلى المعرفة الكافية، بكيفية عمل التفكير البشري»، ويحث جهاز الاستخبارات الفيدرالي على التفكير ملياً في تحيّزاتهم الذهنية لفهم الحاضر والمستقبل بشكل أفضل.
وبشكل أكثر تحديداً، يحدد الدليل 18 تحيزاً معرفياً مختلفاً تعيق تفكيرنا، مثل «التفكير الجماعي» (التمسك بالافتراضات المريحة التي تنتشر بين جماعة ما)، و«الترسخ» (الاعتماد كلياً على المعلومات التي نراها أولاً، على سبيل المثال، على وسائل التواصل الاجتماعي)، و«التحيز للمؤكد» (رؤية البيانات التي تعزز وجهات النظر المسبقة فقط)، و«الانعكاس» (افتراض أن الآخرين يفكرون مثلنا)، و«تحيز غياب الأدلة» (عدم التفكير في البيانات التي نفتقر إليها)، و«تحيز البقاء» (تقييم البيانات بناءً على قصص النجاح فقط، وليس على قصص الفشل). إنها نصائح قيمة، ويجب ألا تبقى حكراً على أجهزة الاستخبارات.
لقد شكل عام 2025 تجربة صادمة لكل من نشأ في ظل روح العصر الغربي في أواخر القرن العشرين: فقد تقوضت العولمة بفعل النزعة القومية، وتآكلت مبادئ السوق الحرة بفعل تدخل الحكومات، وخسرت الديمقراطية مكانتها لصالح الأوليغارشية. وهذه الأخيرة بالذات تخالف تماماً ما كان متوقعاً، كما تشير آن أبلباوم في كتابها «الاستبداد شركة».
ومع انطلاق عام 2026، يبرز التساؤل حول كيفية فهم هذه الصدمات المربكة. ويقدم التاريخ إطاراً مفيداً. فما يحدث اليوم يردد، من بعض النواحي، صدى روح العصر قبل قرنٍ من الزمان، حين تنافست القوى العظمى على الهيمنة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبشكل أكثر تحديداً، فإن ما نشهده اليوم هو في جوهره صراع جيواقتصادي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، حيث تستخدم أدوات السياسة الاقتصادية لأغراضٍ سياسية.
وتحظى أمريكا بنفوذ مهيمن في هذا الصراع المالي، لأنها تسيطر على عملة الاحتياطي العالمية. في المقابل، تتمتع الصين بنفوذ مهيمن في قطاع التصنيع بفضل سيطرتها على مراكز سلاسل التوريد. أما الهيمنة التكنولوجية فلا تزال محل نزاع. وبينما يسعى كل طرف إلى كسر هيمنة الآخر، لا يبدو أن أياً منهما قادر على تحقيق ذلك قريباً.
لذا، من المتوقع استمرار هذه الصراعات للحصول على منظور آخر للأحداث، للنظر إلى ما يطلق عليه علماء الأنثروبولوجيا «الصمت الاجتماعي» أي ميلنا إلى تجاهل جوانب من عالمنا بسبب أطرنا الثقافية، وهذا التجاهل منتشر بكثرة اليوم.
ومن الأمثلة على ذلك، قلة انتباهنا إلى اعتمادنا المفرط على أنظمة البنية التحتية الإلكترونية الهشة. ومثال آخر، قلة اكتراث الخطاب الغربي بحقيقة أننا نعيش في عصر ذهبي للعلم (وهو نمط يعكس الخلفية التعليمية غير العلمية لمعظم السياسيين والصحفيين الغربيين).
ويمكن للأنثروبولوجيا أيضاً أن تلقي الضوء على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد حطمت الإدارة الأمريكية الحالية العديد من المعايير الغربية الحديثة للأنظمة الديمقراطية القائمة على القواعد، إذ إنها تتشكل وفقاً لأهواء ترامب وحيث يمارس المسؤولون سلطتهم بناءً على قربهم من الرئيس، لا على الهيكل التنظيمي.
علاوة على ذلك، يتصرف المقربون من ترامب وكأن مصالحهم المالية مرتبطة بمصالح الدولة، دون أدنى شعور بالخجل. وهذا الأمر يصدم الليبراليين الغربيين. لذلك، فإن إحدى الطرق لتحليل البيت الأبيض هي التعامل معه كبلاط ملكي من عهد ملوك تيودور، وهي فكرة تبناها قادة الأعمال السويسريون أخيراً عندما زاروا ترامب حاملين معهم هدايا رمزية من ساعات رولكس وسبائك ذهبية.
ومع ذلك، فإن المجال الذي تفضل المخابرات السويسرية التركيز عليه الآن هو علم النفس. فهو يساعدنا على فهم سلوك الحكام. ولكن ربما لا يقل أهمية عن ذلك ما يخبرنا به علم النفس عن قصورنا الفكري، بما في ذلك فشل العديد من النخب الليبرالية الغربية في توقع صعود ترامب.
لكن هل من حلٍ لكل هذه التحيزات؟ تقدم مؤسسة الاستخبارات السويسرية بعض الحلول: «اختبر معتقداتك»، «فكر إحصائياً»، «اسأل نفسك ما تعرفه وما لا تعرفه»، «أظهر تواضعاً فكرياً»، «استخدم التفكير الإبداعي»، و«فكر بشكل دوري عكس افتراضاتك» للخروج من فقاعاتنا الفكرية المريحة.
يمكنك أن تسمي هذا، إن شئت، «الكفاح ضد ضيق الأفق». إنه أمر في غاية الصعوبة. لكننا نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى في عام 2026.
