كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الفجوة الطبقية في اقتصاد الحرف”K”؟
(العربية)-16/02/2026
في إحدى تغريداته التي أثارت نقاشاً واسعاً، حذر المحلل الشهير مايلز دويتشر من دخول العالم في عصر تتحدد فيه مكانتنا الاقتصادية وفق قدرتنا على تسخير الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد استخدامه.
ويرى دويتشر أن العالم يتجه إلى اقتصاد تتباعد فيه المسارات بشكل مطرد فيما يعرف بـ”K-Shaped Economy”… خط يصعد سريعاً مدفوعاً بالإنتاجية والثروة، وآخر يهبط أو يراوح مكانه، يدار بأنظمة لم يتعلم أصحابها التحكم فيها. وبعيداً عن اللغة التحذيرية، تكشف البيانات الرسمية أن طرح دويتشر ليس خيالاً؛ بل مرآة مبكرة لواقع اقتصادي يتشكل أمام أعيننا.
ظهر مفهوم K‑Shaped Economy عقب الجائحة لوصف تعاف غير متكافئ – فئات دخلها يرتفع إلى أعلى الحرف، وأخرى تنزلق إلى الأسفل.
وأظهرت عدة تقارير أن ارتفاع الأجور في الوظائف الرقمية، وصعود الأصول المالية، وإمكانية العمل عن بعد دفعت الطبقات الأعلى إلى الأمام، بينما ظل أصحاب المهارات التقليدية يواجهون ضغوط الأسعار وتقلب الوظائف.
وبينما كان هذا الانقسام واضحاً سابقاً، جاء الذكاء الاصطناعي ليحوله من ظاهرة اجتماعية إلى بنية اقتصادية دائمة.
أكد تقرير لـ”US Bank” أن الفجوة في 2026 ليست جديدة، لكنها تتسع بسرعة غير مسبوقة، خصوصاً مع انتقال الشركات الكبرى إلى نماذج عمل رقمية بالكامل، وترك الشركات الصغيرة تكافح في بيئة متقلبة.
الدور المتصاعد للذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بأتمتة المهام، بل بإعادة تعريف القيمة الاقتصادية نفسها. إذ قدر تقريرا لشركة الاستشارات المحاسبية “PWC” أن العاملين الذين يمتلكون مهارات “AI” يحصلون على علاوة أجور تبلغ 56%، وهي ضعف ما كانت عليه في العام السابق، بحسب التقرير الذي حلل مليار إعلان وظيفي حول العالم.
كما أشار التقرير إلى أن الصناعات الأكثر تبنياً للذكاء الاصطناعي تحقق نمو إيرادات لكل موظف يصل إلى 3 أضعاف مقارنة بالقطاعات الأقل تعرضاً للتقنية.
تشكل هذه الفوارق محركاً جديداً للفجوة الطبقية. فالمهارة لم تعد معيار التفوق فقط، بل صارت شرطاً للنجاة الاقتصادية في سوق سريع التطور.
تذهب بعض التقارير الاقتصادية إلى ما هو أبعد من الحديث عن الأفراد؛ حيث تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يعيد هندسة خريطة الشركات. وفق تحليل “Marketplace”، فإن الشركات الكبرى – خصوصاً التكنولوجية – تقفز في الأرباح وتستحوذ على مزيد من الأسواق بفضل قدرتها على الاستثمار في البنية الحاسوبية وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين تتردد الشركات الصغيرة في الإنفاق وسط ضبابية اقتصادية، ما يعمق الفجوة ويجعل اللحاق بالركب أكثر صعوبة.
هذا يعني أن المسار الصاعد في الحرف K لا يشمل الأفراد فقط، بل يمتد إلى الشركات والدول نفسها، مع ميزة تنافسية هائلة لمن يسبقون في اعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
قد تبدو مكاسب الذكاء الاصطناعي مغرية، لكن المشكلة الأكبر تكمن في عدم تكافؤ فرص التعلم.
تشير بيانات مهنية حديثة إلى أن 90% من العاملين لم يتلقوا أي تدريب على أدوات الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، رغم تسارع الطلب المهني عليها.
هذا يعني أن الأتمتة قد لا تكون الخطر الحقيقي، بل غياب التهيئة البشرية. ومع استمرار هذا الوضع، يصبح الانقسام الاقتصادي أشبه بتسارع قطارين: قطار فائق السرعة يقوده من يمتلكون المهارة، وآخر بطيء تتراكم فوقه التحديات.
وأشار دويتشر إلى توقعات “غولدمان ساكس” بتأثر نحو 300 مليون وظيفة بالتطور الهائل للذكاء الاصطناعي. هذا التغيير لن يحدث دفعة واحدة، ولن يكون الأثر السلبي دائماً.
تتوقع “غولدمان ساكس” تأثيراً تدريجياً مع إعادة توزيع للمهام وولادة وظائف جديدة، لا انهياراً مفاجئاً.
تكشف بيانات “PwC” و”ديلويت” و”ماكينزي” أن الذكاء الاصطناعي يخلق اليوم فوارق تراكمية، فمن يتعلم الآن سيحصد مكاسب مضاعفة في الدخل والإنتاجية، ومن يتأخر قد يجد نفسه خارج السوق خلال سنوات قليلة. كما أن الشركات التي تعتمد AI مبكراً تكتسب حصة سوقية هائلة، والموظفون الذين لا يتدربون على الأدوات الجديدة يصبحون أقل قدرة على المنافسة.
وهكذا، يتحول اقتصاد الحرف K من ظاهرة مؤقتة إلى مستقبل محتمل إذا لم تسد فجوة المهارات على نطاق واسع.
ما الذي يمكن فعله الآن؟
لمنع تحول الانقسام إلى واقع دائم، تقترح تقارير الخبراء 3 مسارات:
- تعليم مهارات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع
برامج إعادة تأهيل وتدريب ميسرة تستهدف الفئات الأكثر عرضة للأتمتة.
- توسيع الوصول للبنية التكنولوجية
دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لاستخدام أدوات AI واتخاذ قرارات قائمة على البيانات.
- حوكمة استخدام AI قبل أن تتسع الفجوة
وضع قواعد تنظيمية تضمن عدالة المنافسة وتشجع الاستخدام المسؤول للتقنية.
هذه المسارات ليست رفاهية، بل ضرورة اقتصادية لصناعة مستقبل متوازن.
