لماذا يجب على العالم المسارعة لاتفاق على تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
(العربية)-11/06/2026
تساءلت منذ أيام عما إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد فقاعة أم نعمة أم نقمة.
وكانت إجاباتي، بالترتيب، «إلى حد ما، نعم، ونعم». الآن، أرى من الأهمية بمكان أن أتناول السؤال الأخير، المتعلق بـ«النقم»، بمزيد من التعمق. والقضايا التي يمكن التركيز عليها هنا هي: ما مدى خطورة الذكاء الاصطناعي؟ وماذا يجب على العالم أن يفعله لاحتوائه؟ وهل سينجح أي شكل من أشكال التنظيم؟ واستنتاجاتي المبدئية الرئيسية هي أن الذكاء الاصطناعي خطير بلا شك، ويجب علينا بالتأكيد محاولة تنظيمه، ومع ذلك، فإنه من الأرجح أن المحاولة ستفشل.
ردد البعض أنه ليس من حقي التعليق لأني لست خبيراً. وقال آخرون إنه يجب علينا تبني أي شيء تقدمه لنا التكنولوجيا، لأنها مصدر النمو الاقتصادي. وكلا الرأيين خاطئ، فالديمقراطية مشروع سياسي مشترك، ما يعطينا جميعاً الحق في المشاركة في النقاشات حول كيفية إدارة التقنيات الجديدة الخطيرة.
وقد كان هذا صحيحاً عندما تم اختراع القنبلة الذرية. وينطبق هذا أيضاً على الذكاء الاصطناعي، الذي ستكون له عواقب أكثر تعقيداً، بل وأكثر خطورة. علاوة على ذلك، فإن الحق المزعوم في اتخاذ القرارات، الذي تدعيه بعض شركات التكنولوجيا العملاقة، قد فقد بلا جدال بعد الضرر الهائل الذي ألحقته وسائل التواصل الاجتماعي بالشباب وبالمصلحة العامة المتمثلة في المعلومات الموثوقة.
لكن هل المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية غير منطقية؟ كلا، لأن الأول قد يلحق هو الآخر أضراراً جسيمة بالبشر جميعاً.
وتندرج هذه الأضرار ضمن ثلاث فئات رئيسية: انهيار القيم الإنسانية الأساسية؛ ومخاطر محددة هائلة؛ واضطراب واسع النطاق.
إن البشر يفكرون ويبدعون ويتصرفون، لكن ماذا سيحدث عندما – أو إذا قامت الآلات بالتفكير، بل وحتى الإبداع والتصرف نيابة عنا؟ هل سيظل البشر يكافحون لفهم ما يحدث، أم سيصبحون مجرد ملقنين؟ باختصار، هل سيغير الذكاء الاصطناعي ليس فقط ما نفعله كبشر، بل من نكون؟
إن المساءلة جانب أساسي من جوانب الإنسانية. وتبرز هذه القضية بقوة خاصة بعدما أعلن خافيير ميلي، رئيس الأرجنتين، عن إنشاء «الشركة غير البشرية».
كما رد يوفال هراري: «إن الدول التي تمنح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية تخاطر بأن تقدم نموذجاً لا مثيل له في التاريخ: إنها لن تكون حتى دولة شركات، بل دولة ذكاء اصطناعي». ومن الناحية القانونية، تعتبر الشركات «أشخاصاً»، لكن شركات الذكاء الاصطناعي قد تتخذ قرارات دون وجود بشر.
حينها: كيف وأمام من سيكون برنامج الذكاء الاصطناعي مسؤولاً؟ ويمكن سجن الرؤساء التنفيذيين عندما يرتكبون جرماً ما، لكن ما الذي سيكون بمقدورنا القيام به مع الذكاء الاصطناعي؟ وكما قال البابا: «الذكاء الاصطناعي أداة. إنه ليس شخصاً. هل يعاني؟ هل ينزف؟ هل يمكنه تحمل المسؤولية الأخلاقية؟ هل يمكن مساءلته بأي شكل من الأشكال؟» كلا. علاوة على ذلك، فإن مسألة المسؤولية هذه لا يمكن أن تقتصر على قطاع الأعمال.
إذ من سيكون المسؤول عن جرائم الحرب إذا قام الذكاء الاصطناعي بتوجيه جيوش من الروبوتات؟
تبرز أهمية مسألة المساءلة أيضاً بالنسبة للمؤسسات الأخرى التي يمكنها استخدام الموارد والإمكانات الهائلة المحتملة من دمج الذكاء الاصطناعي مع التقنيات الأخرى.
ولأن صناعة الأكاذيب والتزييف العميق وعمليات الاحتيال تطورت بالفعل بشكل كبير، فإنه يمكن استخدام هذه التطورات من قِبل الدول أو الجهات الفاعلة الخاصة أو كليهما.
حينها، كيف سيعمل القانون والمساءلة السياسية في عالم كهذا؟ لذلك، فقد ذهب الخبير الاقتصادي نوح سميث في مقال مثير للجدل على منصة «صب ستاك»، إلى حد القول إن الذكاء الاصطناعي سيسيطر على العالم.
إن ثمة مخاطر أخرى أكثر تحديداً، من أبرزها القدرة على زعزعة استقرار حضارتنا التي باتت قائمة على الفضاء الإلكتروني.
وقد لمسنا لمحة من هذا الخطر عندما حذرت شركة «أنثروبيك» من التهديد الكبير الذي يشكله برنامج «ميثوس» الأمن السيبراني، فكل ما نعتمد عليه تقريباً يعتمد الآن على هذه الأنظمة.
وإذا استطاع الذكاء الاصطناعي تعطيلها، ستصبح الحياة غير آمنة بشكل جذري، وستصبح إمكانيات الابتزاز لا حدود لها. كما أن إمكانية تصميم مسببات أمراض فتاكة أمر مرعب للغاية.
ويحذر نيال فيرغسون من معهد هوفر من أن جزءاً مما يجعل الذكاء الاصطناعي خارجاً عن السيطرة هو أنه مدفوع الآن بسباقي تسلح متزامنين، أحدهما بين حفنة من الشركات، والآخر بين الولايات المتحدة والصين.
وقد قررت الولايات المتحدة حتى الآن عدم تنظيم السباق بين شركاتها، بينما لا تسعى هي والصين إلى السيطرة على السباق بينهما. ويرى فيرغسون بأن الأول يمكن تفسيره إلى حد كبير بالثاني.
لذلك، يشدد على أن اتفاقية أمريكية صينية بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي شرط ضروري للسيطرة على المنافسة الحادة بين كبرى الشركات الأمريكية.
وهكذا، وكما ذكرت منذ أيام، فإننا عالقون في فخ كبير: يدفعنا التقنيون، بسرعة فائقة، إلى عالم جديد لا نفهم تبعاته ولا نتحكم بها. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الذكاء الاصطناعي هو أكثر التقنيات «عمومية» بين التقنيات متعددة الأغراض. بل قد يعني، في بعض الأحيان، استبدال الذكاء البشري بالذكاء الآلي.
وكما أشرت، فإن التداعيات تتجاوز بكثير مجرد مخاوف من مخاطر محددة، فالذكاء الاصطناعي سيؤثر في النهاية على إحساسنا بهويتنا كبشر، وعلى طريقة تنظيمنا وفهمنا للمجتمع..على أية حال، لابد من المسارعة للعمل على احتواء أكبر المخاطر، لا سيما تلك التي أشرنا إليها هنا.
وفي النهاية، فإن الخوف من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة يثير قلق الناس. والجميع يعتقد، عن حق، أن المستقبل أهم من أن يترك لقلة من «خبراء التكنولوجيا»، تماماً كما أن الحرب أهم من أن تترك للجنرالات وحدهم. لذلك، لابد من إفساح المجال أمام التنظيم اللازم.
