مؤتمر ميونخ والعولمة الاقتصادية
(العربية)-17/02/2026
*عبدالله بن عبدالمحسن الفرج
على الرغم من أن مؤتمر ميونخ يخصص اجتماعاته السنوية لقضايا الأمن والاستقرار في العالم، فإنه هذه المرة أعطى اهتماما كبيرا للاقتصاد، وكما لو أنه جاء تكملة لمنتدى دافوس الذي عقد في الشهر الماضي في سويسرا.
وقد تميزت الكلمة التي ألقاها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والتي شدد فيها على أن فكرة خلق عالم بلا حدود والتخلي عن المصالح الوطنية لصالح نظام عالمي كانت خطأ، وفكرة غبية تجاهلت الطبيعة البشرية، وهذا كلف الكثير. فهنا روبيو كما لو أنه يواصل أو يكمل الخطاب الذي ألقاه رئيسه في دافوس، منذ ما يقارب شهر، ففي ذلك الخطاب أكد ترامب على أن العديد من الدول الأوروبية حققت ثروات طائلة بدعم من الولايات المتحدة، وأنه لو لا أميركا لما أصبحت اقتصادات الدول الأوروبية على ما هي عليه اليوم، ولتعرضت للدمار، كما أشار إلى أن أوروبا لا تواجه تهديد لأن الجيش الأميركي موجود على أراضيها، وعلى هذا الأساس يفترض أن تدفع هذه الدول مقابل ذلك للولايات المتحدة، لا أن تستمر في الاعتماد عليها، وهذا ما لا ترغب فيه أوروبا، التي من مصلحتها الاتكاء على الولايات المتحدة، وذلك منذ الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بعد الحرب الباردة. فبعد انتهاء الحرب الأخيرة، ركب العالم موجة جديدة، وبدأ التطبيل لنظام عالمي جديد خال من الحدود تتزعمه أميركا، ففي عام 1995، تأسست منظمة التجارة العالمية (WTO)، لتصبح الخلف القانوني لاتفاقية «الغات» (GATT). وهذا ما كانت تحلم به الدول الصناعية، التي كانت تأمل أن يؤدي شبه التصفير للرسوم الجمركية، والحد من سلطان الدول داخل حدودها الإقليمية، إلى استيلائها على أسواق الدول النامية، مرة واحدة وإلى الأبد.
ولكن السحر انقلب على الساحر مع صعود الصين وبقية الدول الصناعية الجديدة، التي صار يطلق عليها النمور الجديدة، فبالرجوع إلى إحصاءات التجارة الخارجية حينها، يتبين إن التبادل التجاري كان يجري بصفة رئيسة بين الفضاءات الاقتصادية المتطورة، وليس بين الدول الصناعية والدول النامية، الأمر الذي يعني، أنه من أجل الاستفادة من أسواق الدول الأخيرة، يلزم في البداية الاستثمار فيها وتطويرها.
وعوضاً عن ذلك، توجهت أوروبا نحو استغلال الولايات المتحدة، مستفيدة من رغبة هذه الأخيرة في تزعم العالم بعد الحرب الباردة، فقد قبلت أوروبا الخضوع، مقابل المميزات الاقتصادية التي تمنحها لها واشنطن، وعلى رأسها خفض الإنفاق على الدفاع، والحصول على حق الأولوية في التجارة معها.
ومثلما رأينا في ميونخ، فإن روبيو أعلن نهاية ذلك العالم الذي عاشت فيه أوروبا مدللة، وأن النظام العالمي القديم «لم يعد قائماً»، وهذا يعني أن مبادئ منظمة التجارة العالمية لم تعد قائمة، وأن على الأوربيون أن يدفعوا رسوم على البضائع التي يصدرونها للولايات المتحدة حتى لا تنافس منتجي البضائع الأميركيين، وأن عليهم أن يرفعوا إنفاقهم على الدفاع إلى 5 ٪ من ناتجهم المحلي الإجمالي.
