من الذهب إلى الفرنك السويسري.. الملاذات الآمنة تجذب المستثمرين وسط الأزمات
(العربية)-29/01/2026
ارتفع الفرنك السويسري إلى أقوى مستوياته مقابل الدولار الأميركي منذ أكثر من 10 سنوات، مع تدفق المستثمرين إلى ما يعتبرونه الملاذ الأخير الموثوق في أسواق العملات، مما يضع البنك الوطني السويسري تحت ضغط متزايد.
وأضاف الفرنك هذا العام مكاسب بأكثر من 3% ليصل إلى مستوى أعلى من 0.77 فرنك مقابل الدولار، بعد ارتفاع بنسبة 14% العام الماضي، مع سعي المستثمرين للابتعاد عن الدولار الأميركي وسط المخاطر السياسية. وبذلك وصل الفرنك إلى أقوى مستوى له مقابل كل من الدولار واليورو منذ صدمة التقدير في عام 2015، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”.
ويهدد هذا الارتفاع بخفض الأسعار في بلد تبلغ فيه معدل التضخم السنوي 0.1%، وقد يستمر الاتجاه الصاعد وفق بعض المحللين.
وقال ديريك هالبني، رئيس أبحاث الأسواق العالمية في “MUFG”: “الفرنك السويسري هو العملة الآمنة الموثوقة الوحيدة التي يختارها المستثمرون العالميون، وهذه الحقيقة وحدها من المرجح أن تجذب مزيداً من الطلب على الملاذات.”
وأثارت الأزمة السياسية الأخيرة حول مستقبل غرينلاند المخاوف بشأن الدولار، وهو محور أسواق العملات، وسط قلق المستثمرين من السياسات المتقلبة لإدارة ترامب واستقلال البنك المركزي الأميركي. أما الين، وهو ملاذ تقليدي آخر، فقد شهد تقلبات مع قلق المستثمرين من البيع المستمر لسندات الحكومة اليابانية.
وكان الفرنك السويسري المستفيد الأكبر، نظراً لاستقراره السياسي والاقتصادي وتدني مستويات الديون في سويسرا، ليصبح ملاذاً آمناً لرأس المال العالمي، في ظل تدفق عالمي نحو الملاذات أدى أيضاً إلى ارتفاع الذهب فوق 5 آلاف دولار للأونصة هذا الأسبوع.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في سويسرا لدى “UBS Global Wealth Management”، دانيال كالت: “يبدو الفرنك السويسري مثل قطعة من الذهب، لا يمنحك عائداً، لكنه مدعوم باقتصاد صلب للغاية.”
وأضاف كالت أن معدل الصرف الرئيسي الذي يجب مراقبته هو الفرنك مقابل اليورو، نظراً لحصة التجارة الكبيرة مع الاتحاد الأوروبي. وإذا انخفض اليورو عن 0.9 فرنك من 0.918 حالياً، فإن ذلك سيضع المصدرين السويسريين تحت الضغط ويؤدي إلى “مناقشات صعبة” للسلطات.
واحد من الخيارات المتاحة للبنك المركزي هو خفض أسعار الفائدة، التي تبلغ حالياً صفر، لتقليل جاذبية العملة. وقد بدأ المتداولون في الأيام الأخيرة تسعير احتمال يقارب 10% بأن يقوم البنك بخفض ربع نقطة قبل اجتماعه في يونيو، وفق مستويات سوق المبادلات.
لكن البنك المركزي سبق أن صرح بأنه لا يرغب في إعادة سياسة الفائدة السلبية التي استمرت ثماني سنوات.
وحذر الاقتصاديون أيضاً من أن خفضاً صغيراً قد لا يقلل من جاذبية الأصول السويسرية مقارنة بالأصول الأوروبية، نظراً للفارق الكبير بالفعل بين عوائد سندات الحكومة السويسرية وسندات منطقة اليورو، بينما يمنح دفعة غير مرغوب فيها للاقتصاد.
وقال كبير الاقتصاديين في بنك “Safra Sarasin” السويسري، كارستن جونياس: “أي خفض أكبر قد يهدد بتحفيز اقتصاد لا يحتاج إلى ذلك.”
أما خيار التدخل المباشر في العملة، فهو أيضاً محفوف بالمخاطر، بحسب المستثمرين، إذ أن تدخلات سابقة متكررة لتخفيف قوة الفرنك أدت إلى إدراج سويسرا على قائمة “مُلاعبي العملات” في عهد الرئيس ترامب، قبل أن تُزال لاحقاً.
وبعد أن قام البنك الوطني السويسري بتدخل محدود في الربع الثاني من العام الماضي وسط تقلبات الحرب التجارية، أصدرت الولايات المتحدة وسويسرا إعلاناً مشتركاً في سبتمبر بأنه لن يكون هناك تدخلات للعملات للحصول على ميزة تنافسية، مع الإشارة إلى أن التدخل أداة صالحة لمعالجة تقلبات العملة.
وقال اقتصادي: “على البنك الوطني السويسري أن يكون أكثر حذراً في طريقة تدخله، ووضع حد أدنى لمعدل اليورو-فرنك سيكون متناقضاً مع البيان المشترك.”
ورفض البنك التعليق.
ومن بين المستفيدين الآخرين من انخفاض الدولار، كان اليورو الذي وصل يوم الثلاثاء إلى أعلى مستوى له منذ أربع سنوات فوق 1.19 دولار. وأبدى بعض صانعي السياسات الأوروبيين اهتمامهم بمنح العملة الموحدة دوراً أكبر في الأسواق العالمية، لكن قوتها الأخيرة أثارت تحذيرات مماثلة بشأن احتمال خفض التضخم.
وقال توماش فيلادك، كبير الاستراتيجيين الأوروبيين لدى “T Rowe Price”: “هذه التحركات تشكل تشديداً كبيراً للظروف المالية في منطقة اليورو، ومن المرجح أن يسعى البنك المركزي الأوروبي للتصدي لها.”
