الأصول المتألّقة في الحرب وتغيُّر موازين القوى في العالم
وقف الحروب يعني الحفاظ على أسس الإزدهار
وتأمين سلاسل الإمداد وإستقرار العملات وإمكانية التنبؤ بالأسواق
إن للحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران آثاراً عميقة على الأسواق العالمية، ولا سيما على العملات الرقمية والذهب والنفط، إذ إنخفض سعر البيتكوين مبدئياً إلى حوالي 63 ألف دولار في بداية الحرب، لكنه سرعان ما إنتعش وإرتفع إلى ما يقارب 70 ألف دولار، إذ يعتبره المستثمرون وسيلةً للتحوُّط ضد التضخُّم وعدم الإستقرار الجيوسياسي. وبذلك يتحوّل «البيتكوين» بشكل متزايد إلى «ذهب رقمي» في أوقات الأزمات. أما العملات الرقمية الأخرى مثل «إيثيريوم» و«سولانا» فقد شهدت إنخفاضات، مما يدل على ثقة المستثمرين في «البيتكوين» خلال فترات عدم اليقين.
لقد شهد الذهب إرتفاعاً قوياً، متجاوزاً 5300 دولار للأونصة، مع إقبال المستثمرين على الأصول الآمنة. ويعود هذا الإرتفاع الى المخاوف من تصعيد الحرب، فضلاً عن الدور التقليدي للذهب كمخزن للقيمة في أوقات النزاع.
وإرتفعت أسعار النفط إلى أعلى المستويات منذ أبريل/نيسان 2024. ويحذّر المحلّلون من أنه في حال تعطّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 % من النفط العالمي، فقد تتجاوز الأسعار بسهولة 100 دولار للبرميل. علماً أن هذا الإرتفاع الحاد في تكاليف الطاقة يزيد من الضغوط التضخُّمية في جميع أنحاء العالم، مما يرفع أسعار الوقود والتدفئة والنقل.
وعليه، نسلّط الضوء على الآثار العالمية للحرب وتغيُّر موازين القوى في العالم، إذ إن روسيا هي المستفيد الأول من الحرب، مختتمين بخارطة الطريق للمصارف العربية للتحوّط من مخاطر الحرب والدروس المستفادة من أضرار الحرب.
آثار الحرب على الصعيد العالمي
إن إرتفاع أسعار النفط والذهب يزيد من مخاطر التضخم العالمي، فإرتفاع أسعار النفط يزيد بشكل مباشر من تكلفة الوقود والنقل والتدفئة، مما يؤثر على سلاسل التوريد ويرفع أسعار السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم. ويبرز هذا التأثير التضخُّمي بشكل خاص في الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، حيث تواجه الأسر والشركات زيادات في تكاليف المعيشة والتشغيل. ويعكس إرتفاع أسعار الذهب قلق المستثمرين حيال التضخُّم وعدم الإستقرار الجيوسياسي.
وتشهد الدول المستوردة للنفط ضعفاً في عملاتها نتيجة إضطرارها إلى إنفاق المزيد من إحتياطاتها الأجنبية لتغطية نفقات الطاقة، بينما تشهد الدول المصدرة للنفط قوةً مؤقتة في عملاتها بفضل إرتفاع إيراداتها.
في الوقت نفسه، يشير إرتفاع أسعار الذهب إلى تراجع الثقة في العملات الورقية، لا سيما الدولار، وتتسبّب هذه الديناميكيات في تقلُّبات شديدة في أسواق الصرف الأجنبي.
ويتجه المستثمرون بكثافة نحو الذهب كملاذ آمن، ووسيلة للتحوُّط ضد التضخُّم والمخاطر الجيوسياسية. وقد إستفادت عملة «البيتكوين» «الذهب الرقمي» من تدفقات إستثمارية.
وفي ظل هذه الظروف، تتّجه المحافظ الإستثمارية العالمية نحو السلع والأصول المستقرة، بينما تواجه الأسهم والسندات التقليدية حالة من عدم اليقين.
الآثار على سلسلة التوريد العالمية
تُسبّب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إضطراباً شديداً في سلاسل الإمداد العالمية، وتؤثر على خطوط النفط والشحن، فقد أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى توقف ما يقرب من 20 % من تدفقات النفط العالمية، كما تعطلت خطوط الشحن الجوي عبر المنطقة. وتؤدي هذه الصدمات إلى إرتفاع التكاليف، وإطالة أوقات التسليم، وإجبار الشركات في جميع أنحاء العالم على إعادة النظر في إستراتيجيات التوريد والخدمات اللوجستية.
وبذلك، يُعدّ قطاع الطاقة الأكثر تضرُّراً، ويؤدي تقلُّب أسعار النفط مباشرةً إلى إرتفاع تكاليف النقل والتصنيع، مما يُؤثر على مختلف الصناعات من السيارات إلى الإلكترونيات الإستهلاكية.
إلى جانب الطاقة، تُعطّل الحرب شبكات الخدمات اللوجستية على نطاق واسع، فقد تم تغيير مسار أو تأخير تدفقات الشحن الجوي عبر الشرق الأوسط، والتي تُمثّل نحو 18 % من حركة النقل العالمية، مما تسبّب في إختناقات في قطاعات مثل الإلكترونيات والأدوية.
إن للحرب آثاراً عميقة على سلاسل التوريد العالمية تتمثل في زعزعة إستقرار ممرّات الطاقة، وتعطيل الشحن البحري والجوي، ورفع التكاليف في مختلف القطاعات.
الآثار على السلع والخدمات الرئيسية
تُسبّب الحرب إضطرابات واسعة النطاق في الأصول والسلع والخدمات في الأسواق العالمية، إذ تتأثر السلع الأساسية، كالأغذية والأدوية، بتأخيرات في خطوط الشحن البحري والجوي عبر الشرق الأوسط. وتشهد الإلكترونيات ومكوّنات التكنولوجيا المتقدمة، التي يعتمد الكثير منها على أنظمة التسليم الفوري، نقصاً وإرتفاعاً في التكاليف نتيجة تغيير مسارات الخدمات اللوجستية وإرتفاع أسعار الشحن. كما تتعرّض الخدمات المرتبطة بالتجارة العالمية كالخدمات اللوجستية والتأمين لضغوط كبيرة، حيث تواجه الشركات إرتفاعاً في أقساط التأمين، وفترات تسليم أطول، ومخاطر تشغيلية متزايدة.
وبذلك، يمتد تأثير الحرب بعمق ليطال مختلف القطاعات الإقتصادية، فالطاقة والمعادن النفيسة والسلع الإستهلاكية والخدمات الحيوية تتأثر جميعها بتداعيات الحرب.
الآثار على الولايات المتحدة
تتأثر الولايات المتحدة بالحرب من جوانب متعددة ومترابطة، فعلى الصعيد الإقتصادي، يتمثل التأثير المباشر الأبرز في إرتفاع أسعار النفط. ورغم أن الولايات المتحدة منتج رئيسي للطاقة، إلاّ أن أسواق النفط العالمية مترابطة، ما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار وتفاقم التضخم المحلي. وهذا بدوره يرفع تكاليف الوقود والتدفئة والنقل على الأسر، وتكاليف التصنيع والخدمات اللوجستية على الشركات. ويدفع الضغط التضخُّمي مجلس الإحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، مما يُبطئ النمو ويزيد من تكاليف الإقتراض في مختلف قطاعات الإقتصاد.
وتُواجه الولايات المتحدة إضطرابات في سلاسل التوريد التي تمر عبر الشرق الأوسط، ويجري تغيير مسارات الشحن الجوي والبحري، مما يؤثر على واردات الإلكترونيات والأدوية والسلع الإستهلاكية. كما يُواجه المصدّرون الأميركيون إرتفاعاً في تكاليف الشحن والتأمين، مما يقلّل من قدرة السلع الأميركية على المنافسة في الأسواق الخارجية. وتواجه الشركات متعدّدة الجنسيات العاملة في المنطقة تأخيرات وإرتفاعاً في التكاليف، مما يؤثر سلباً على الإقتصاد الأميركي.
كما تشهد الأسواق المالية تقلُّباتٍ نتيجة تفاعل المستثمرين مع حالة عدم اليقين، إذ تعرّضت الأسهم لضغوطٍ بسبب التضخُّم ومخاطر سلاسل التوريد، بينما يعكس تدفق الإستثمارات الآمنة إلى الذهب و«البيتكوين» قلق المستثمرين. كما وأن أيّ إرتفاع في الدولار يزيد من تكلفة الصادرات ويُفاقم الإختلالات التجارية. وبذلك، يتأثر الإقتصاد الأميركي بضغوط التضخُّم، وإضطرابات التجارة، وتقلُّبات الأسواق المالية.
تغيُّر موازين القوى في العالم
إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تُغيّر موازين القوى في العالم، إذ يتوسّع نفوذ روسيا والصين، ويضعُف النظام المتعدّد الأطراف.
وتتقدم روسيا والصين كشريكين بديلين لدول الشرق الأوسط. أما الهند، العضو الرئيسي في مجموعة البريكس، فتسعى إلى تحقيق التوازن بين إحتياجاتها من الطاقة وحذرها الجيوسياسي. يُبرز هذا الإنقسام تحوُّلاً أوسع نطاقاً، إذ تُسرّع الحرب من تفتت النظام العالمي إلى كتل متنافسة.
وتؤثر أسواق الطاقة على ميزان القوى في العالم، فمع إرتفاع أسعار النفط، تستفيد الدول المصدّرة للطاقة، مثل روسيا، مالياً، بينما تُعاني الدول المُعتمدة على الاستيراد من صدمات تضخُّمية. علماً أن هذه الديناميكيات تعزّز نفوذ روسيا في آسيا وتُضعف المرونة الإقتصادية لدول أوروبا والشرق الأوسط.
تُغيّر الحرب موازين القوى في العالم كما وتُعمّق الإنقسامات العالمية بين الحلفاء الغربيين والقوى المنافسة مثل روسيا والصين. ويشهد النظام العالمي تحوُّلاً نحو المنافسة المتعدّدة الأقطاب.
الفائزون والخاسرون في الحرب
تُعدّ روسيا الدولة الأكثر إستفادةً على المدى القصير من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فبصفتها مُصدِّراً رئيسياً للطاقة، تستفيد روسيا من إرتفاع أسعار النفط والغاز، مما يُدرّ عليها إيراداتٍ أعلى رغم العقوبات المُستمرة والعزلة الجيوسياسية. كما يُعزّز إرتفاع أسعار السلع الأساسية موقعها في آسيا، ولا سيما في الصين والهند، اللتين تُواصلان إستيراد النفط الروسي بأسعار مُخفّضة. ويُفيد إرتفاع أسعار الذهب روسيا أيضاً، نظراً إلى إحتياطاتها الكبيرة من الذهب، مما يُتيح لها دعم إستقرارها المالي في الوقت الذي يبحث فيه المُستثمرون العالميون عن ملاذات آمنة.
من جهة أخرى، يُعدّ الشرق الأوسط المنطقة الأكثر تضرُّراً، وتواجه الدول التي تعتمد بشكل كبير على إستيراد الوقود والغذاء، مثل لبنان والأردن ومصر، ضغوطاً تضخُّمية حادة مع إرتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل التوريد.
ويتأثر الإتحاد الأوروبي بشدّة أيضاً بشكل غير مباشر، فإرتفاع تكاليف الطاقة وتعطّل خطوط الشحن عبر الشرق الأوسط يزيدان من التضخُّم في جميع أنحاء الإتحاد الأوروبي. كما أن تقلبات عملة اليورو مقابل الدولار تزيد من الضغوط، في حين أن إضطرابات سلاسل التوريد تؤثر على قطاعات الأدوية والإلكترونيات.
وعليه فإن روسيا هي المستفيد الأول بفضل صادراتها من الطاقة، بينما يتحمّل الشرق الأوسط العبء الأكبر، إقتصادياً وإجتماعياً، من العواقب المباشرة للحرب.
المخاطر حسب المنطقة
تتّسم المخاطر الناجمة عن الحرب بتعدُّد جوانبها وترابطها، إذ تؤثر على قطاعات الطاقة والأسواق المالية وسلاسل التوريد والعملات. ويتمثل الخطر الأبرز في التضخُّم الناجم عن ارتفاع أسعار النفط. فعندما ترتفع تكاليف الطاقة، تنعكس هذه الإرتفاعات على أسعار النقل والتصنيع والغذاء، مما يُسبّب ضغوطاً تضخُّمية عالمية. وهذا بدوره يُضعف القدرة الشرائية للأسر ويُجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترات أطول، مما يُبطئ النمو الإقتصادي.
ومن المخاطر الرئيسية الأخرى عدم إستقرار العملة، إذ تواجه الدول المستوردة للنفط ضعفاً في عملاتها نتيجة زيادة إنفاقها على الإحتياطات الأجنبية، بينما قد يحقّق المصدّرون مكاسب قصيرة الأجل. علماً أن هذا الإضطراب يجعل التسويات التجارية أكثر تكلفة ويعقّد السياسة النقدية.
ويُعدّ إضطراب سلاسل التوريد خطراً جسيماً أيضاً، فمضيق هرمز، وهو ممرّ حيوي للنفط والسلع، يُواجه إختناقات مرورية تُؤخّر الشحنات وترفع تكاليف النقل. كما يجري تغيير مسارات الشحن الجوي عبر الشرق الأوسط، مما يؤثر على قطاعات مثل الإلكترونيات والأدوية. وتؤدي هذه الإضطرابات إلى زيادة التكاليف على الشركات وتقليل توافر السلع عالمياً.
يُعدّ تقلُّب الأسواق المالية من مخاطر الحرب، حيث يتجه المستثمرون إلى الذهب و«البيتكوين» كأدوات تحوّط، بينما تواجه الأسهم والسندات ضغوطاً من التضخُّم وعدم اليقين. هذا التحوُّل في سلوك الإستثمار يزيد من المخاطر على صناديق التقاعد والمستثمرين المؤسسيين والأسر التي ترتبط مدخراتها بالأسواق التقليدية.
ويشكل التصعيد الجيوسياسي في حد ذاته خطراً، فالصراع المطوّل قد يُفاقم نقص الطاقة، ويُزعزع إستقرار الإقتصادات الإقليمية، ويُشعل حروباً أوسع نطاقاً، مما يُضاعف جميع المخاطر. ويتطلّب التصدّي لهذه التحدّيات تنويع مصادر الطاقة، والتحوُّط من مخاطر تقلبات العملة، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، وموازنة المحافظ الإستثمارية بأصول الملاذ الآمن.
في الإتحاد الأوروبي، يتجلّى أثر الحرب بشكلٍ حادٍّ في زيادة التضخُّم وانعدام أمن الطاقة، إذ أدى إرتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف النقل والتصنيع، بينما أدت الإضطرابات في خطوط الشحن في الشرق الأوسط إلى إجهاد سلاسل إمداد الغذاء والأدوية. كما شهد اليورو تقلّباتٍ حادة. ولمعالجة هذه المخاطر، تُسرّع دول الإتحاد الأوروبي من تنويع مصادر الطاقة، وتستثمر في مصادر الطاقة المتجدّدة، وتعزز مرونة سلاسل الإمداد من خلال توطين الإنتاج في مناطق قريبة وتكوين إحتياطات إستراتيجية.
في الشرق الأوسط، تتفاقم المخاطر بشكل مباشر وحاد، حيث يتصاعد التضخُّم نتيجة إرتفاع أسعار الوقود والغذاء، بينما تتعرّض عملات الدول التي تعتمد على الإستيراد، مثل لبنان، لضغوط متزايدة.
وتتعطّل سلاسل التوريد بسبب إغلاق خطوط الشحن وتحويل مسار الشحن الجوي، مما يؤثر على السلع الأساسية كالأدوية والإلكترونيات. ويتفاقم التقلُّب المالي نتيجة هروب رؤوس الأموال إلى الذهب والدولار، مما يزيد من زعزعة إستقرار الأسواق المحلية. ويتطلّب التصدّي لهذه المخاطر توفير إحتياطات وقود طارئة، وتعزيز التعاون التجاري الإقليمي، وتبنّي سياسات نقدية أكثر صرامة لتحقيق إستقرار العملات.
في الولايات المتحدة، تُثير الحرب مخاوف تضخُّمية نتيجة ارتفاع أسعار النفط، على الرغم من أن إنتاج الطاقة المحلي يوفر بعض الحماية، وتشهد الأسواق المالية تقلّبات حادة، مع تعرض الأسهم لضغوط واتجاه المستثمرين نحو الذهب و«البيتكوين». وتبرز مخاطر سلاسل التوريد في القطاعات التي تعتمد على طرق التجارة في الشرق الأوسط، مثل الإلكترونيات والأدوية.
تتفاوت المخاطر حيال دول البريكس، حيث تُواجه الصين والهند ضغوطاً تضخمية نتيجة إرتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، لا سيما في قطاعي الإلكترونيات والمواد الخام. أما روسيا، بصفتها مُصدِّرة للطاقة، فتستفيد من إرتفاع عائدات النفط، لكنها تواجه عزلة جيوسياسية. وتعاني البرازيل وجنوب أفريقيا تقلّبات العملة والتضخُّم بسبب إعتمادهما على الواردات. وعلى مستوى دول البريكس، تتجلّى التقلُّبات المالية بوضوح مع تحويل المستثمرين رؤوس أموالهم إلى الذهب والأصول البديلة. ويتطلّب التصدّي لهذه المخاطر تنويع طرق التجارة، وتعزيز سلاسل التوريد الإقليمية، وإستخدام التحوُّط من تقلّبات العملة للحماية من هذه التقلّبات.
خارطة الطريق للمصارف العربية والدروس والعبر من الحرب
يتوجّب على المصارف العربية وضع الإستراتيجيات للتحوُّط ضد الصدمات الإقتصادية الناجمة عن الحروب. وعلى المصارف العربية تعزيز قدرتها على الصمود من خلال تنويع إستثماراتها في أصول بديلة مثل «البيتكوين»، التي تكتسب شعبية واسعة بإعتبارها «الذهب الرقمي». كما يتوجّب على المصارف العربية التركيز على القطاعات الأقل تأثراً من تكاليف الطاقة والتحوُّط من المخاطر التشغيلية والإستثمار في تعزيز مرونة الخدمات اللوجستية لمواجهة أي اضطرابات.
وعلى المصارف العربية وضع إستراتيجيات للتحوُّط ضد الاضطرابات الحالية تعتمد على موازنة المحافظ الإستثمارية بسلع أساسية كالنفط والذهب، وإدارة مخاطر العملة من خلال التنويع، وإعادة توجيه الإستثمارات نحو القطاعات القادرة على الصمود أمام التضخُّم وصدمات سلاسل التوريد.
إن أوضح درس مستفاد من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران هو أن تكاليف الصراع تفوق بكثير أي مكاسب متوقعة. فالحروب تُزعزع إستقرار الإقتصادات، وتعطّل التجارة، وتزعزع إستقرار الأسواق المالية، مما يُحدث آثاراً متسلسلة تتجاوز حدود ساحة المعركة. وتؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى تفاقم التضخُّم العالمي، وترتفع أسعار الذهب مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، وتتقلّب العملات بشكل حاد، مما يُثقل كاهل الأسر والشركات بتكاليف باهظة. وتنهار سلاسل التوريد، مما يؤخر وصول السلع الأساسية كالغذاء والدواء، بينما يتحوّل سلوك الإستثمار نحو الأصول الدفاعية بدلاً من النمو الإنتاجي.
وتُظهر الحرب مدى ترابط الإقتصاد العالمي، إذ لا توجد منطقة في العالم بمنأى عن تداعيات الحرب، فحتى الدول المصدّرة للطاقة تُواجه عدم إستقرار طويل الأمد، بينما تعاني الدول المعتمدة على الإستيراد من صدمات تضخُّمية فورية. والدرس المستفاد هو أن تعزيز ودعم مساعي السلام والإستقرار من ضروريات تحقيق المرونة الإقتصادية، فبدونهما يتعثّر التبادل التجاري، وتضعف العملات، وتفقد الأسواق ثقتها.
في المحصّلة، إن وقف الحروب يعني الحفاظ على أسس الإزدهار، وتأمين سلاسل الإمداد، وإستقرار العملات، وإمكانية التنبؤ بالأسواق، كما يعني حماية عامة الناس من التضخُّم والنقص وعدم اليقين الذي يجلبه الصراع. ويزدهر الإقتصاد العالمي بالتعاون لا بالمواجهة، وتُظهر الأزمة الراهنة أن السعي إلى السلام ودور المصارف العربية في دعم السلام ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة إقتصادية أيضاً.
د. سهى معاد
كاتبة ومحلّلة إستراتيجية
