الإقتصاد السوري في مرحلة التحوّل:
من التعافي إلى النمو المستدام وبروز دور الشراكات والإستثمارات العربية

يدخل الإقتصاد السوري مرحلة تحوّل دقيقة تفرض الإنتقال من معالجة الآثار المتراكمة للأزمات إلى تأسيس مسار إقتصادي جديد يقوم على التعافي والإنتاج والإستثمار، إذ أدّت سنوات الصراع والعقوبات والإضطرابات الإقتصادية إلى تراجع القدرات الإنتاجية وتضرّر البنية التحتية وإنخفاض مستويات الإستثمار وإتساع الإختلالات المالية والنقدية، إلى جانب إرتفاع معدّلات التضخم والبطالة والفقر. وقد أصبحت إستعادة الإستقرار الإقتصادي وتحسين الظروف المعيشية مرتبطتين بقدرة الدولة على إعادة تحريك عجلة الإنتاج وتأهيل القطاعات الأساسية وبناء بيئة مؤسساتية وتشريعية أكثر كفاءة وجاذبية لرأس المال. ولا يقتصر التعافي الإقتصادي على إعادة بناء ما تضرّر، بل يتطلّب صياغة نموذج تنموي أكثر تنوُّعاً وإستدامة، يستند إلى إمكانات سوريا البشرية والطبيعية وموقعها الجغرافي، ويمنح دوراً أكبر للقطاع الخاص والإستثمارات الإنتاجية. كما يشمل هذا التحوّل تطوير القطاع المالي والمصرفي، وتحسين البنية التحتية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الصادرات، وتوجيه الموارد نحو القطاعات القادرة على خلق فرص العمل وتحقيق قيمة مضافة حقيقية.
واقع الإقتصاد السوري
بحسب صندوق النقد الدولي، تُعد محدودية البيانات الاقتصادية الحديثة والمنتظمة من أبرز التحديات التي تواجه عملية تقييم الإقتصاد السوري، نتيجة تراجع القدرات الإحصائية وتعدُّد أسعار الصرف واتساع النشاط الاقتصادي غير الرسمي خلال السنوات الماضية.
وأكد الصندوق أن البيانات الموثوقة عن الإقتصاد السوري لا تزال محدودة، وأن تطوير إحصاءات الحسابات القومية والأسعار والمالية العامة وميزان المدفوعات يمثل شرطاً أساسياً لصوغ السياسات الاقتصادية وقياس نتائجها بصورة دقيقة. وفي ظل ذلك، تشير أحدث تقديرات البنك الدولي إلى ظهور مؤشّرات أولية على تحسن النشاط الإقتصادي، إذ تراوح معدّل النمو الحقيقي المقدّر خلال العام 2025 بين 2 % و4 % ، مدفوعاً بتحسن الإنفتاح الخارجي، وعودة أعداد ملحوظة من السوريين، وإرتفاع حركة التجارة وتسجيل الأعمال. كما تراجع معدّل التضخُّم المقدّر من 72.1 % في العام 2024 إلى 11.5 % في العام 2025، بما يعكس تحسُّناً نسبياً في الظروف النقدية وسعر الصرف، مع إستمرار الضغوط على القوة الشرائية ومستويات المعيشة.
كما شهد قطاع الطاقة تطوراً مهماً خلال العام 2026، حيث إرتفعت حصة الحكومة من إنتاج النفط والغاز المحلي من نحو 20 % إلى 88 % في شباط/فبراير 2026، بعد إستعادة السيطرة على مناطق إنتاج رئيسية. ومن شأن زيادة الإنتاج المحلي وتحسين إمدادات الطاقة أن يساهما في تخفيض تكاليف التشغيل وإعادة تنشيط القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، إلاّ أن تحقيق هذا الأثر يتطلّب إعادة تأهيل واسعة للمنشآت والشبكات المتضرّرة.
وتظهر ضخامة التحدّي الإستثماري في تقدير البنك الدولي لتكلفة إعادة إعمار الأصول والبنية التحتية المتضرّرة، والتي بلغ نحو 216 مليار دولار، وهو ما يُعادل أضعاف حجم الإقتصاد السوري. وفي خطوة أولية لدعم التعافي، وافق البنك الدولي في يونيو/حزيران 2025 على منحة بقيمة 146 مليون دولار لتمويل مشروع طارئ لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء وتحسين موثوقية الإمدادات.
للمزيد متابعة الرابط المرفق:
https://uabonline.org/wp-content/uploads/2026/11/الاقتصاد-السوري-في-مرحلة-التحول.pdf
