البطالة تلتهم مستقبل الأجيال وتُبطىء عجلة الإقتصاد العالمي

إن تسارع عجلة النمو التكنولوجي والمعرفي/الرقمي بشكل متصاعد، تضع المجتمع الدولي أمام تحدّي هيكلي بات يؤرق الدول والمجتمعات، ألا وهو البطالة التي باتت تُشكل في العصر الراهن أحد أخطر التحدّيات الهيكلية التي تواجه الإقتصاد العالمي، وقنبلة موقوتة تُهدد مستقبل أجيال الشباب. فلم تعد هذه الظاهرة مجرّد مشكلة إقتصادية عابرة تقتصر على فقدان الدخل، بل تحوّلت إلى أزمة تنموية وإجتماعية مُعقّدة تعطل طاقات بشرية هائلة كان يمكن أن تقود قاطرة الإبتكار والنمو قدماً.
وفي ظل المتغيّرات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل العالمي، بدءاً من الثورة الرقمية وتطبيقات الذكاء الإصطناعي، وصولاً إلى الأزمات الإقتصادية والسياسية والأمنية المتلاحقة، يجد ملايين الخرّيجين أنفسهم أمام أبواب مغلقة وفجوة متسعة بين مهاراتهم ومتطلبات السوق الفعلية. إن هذا الهدر في رأس المال البشري لا يتسبّب فقط في إبطاء عجلة الإنتاج وضخامة الأعباء الماليّة على الحكومات، بل يمتد لينهش في النسيج الإجتماعي عبر نشر الإحباط، وهجرة العقول، وتعميق الفجوات الطبقية، مما يجعل من مواجهة البطالة ضرورة قصوى لإنقاذ مستقبل الأجيال وتأمين إستقرار الإقتصاد العالمي. وتبيّن التقارير والإحصاءات الدولية المعدّلات المرتفعة للبطالة التي باتت تهدّد عملية النمو إذا لم يتم إيجاد حلول سريعة لها.
وفي هذا الصدد أصدرت منظمة العمل الدولية تقريراً في11 آب/أغسطس 2026، خلص إلى إرتفاع معدّل البطالة بين الشباب عالمياً، مع تسجيل بعض أكبر الزيادات في الإقتصادات مرتفعة الدخل، وإزدياد أعداد الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب.
ويُبيّن تقرير «الإتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل»، أن المعدّل العالمي لبطالة الشباب إرتفع إلى 12.4 % في العام 2025 ، بما يعادل 67 مليون شخص عاطل عن العمل تُراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. وفي الوقت نفسه، إرتفعت نسبة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب إرتفاعاً طفيفاً إلى 20 % ، لتشمل أكثر من 257 مليون شخص. وقد سُجّلت بعض أكبر الزيادات في بطالة الشباب في الإقتصادات مرتفعة الدخل، مما يحبط تطلّعات ملايين الشباب الباحثين عن فرص عمل لائقة.
كما أورد التقرير أنه بين عامي 2023 و2025، إرتفعت معدّلات البطالة في ثمانية من الأقاليم الفرعية الأحد عشر في العالم، إذ يدفع تباطؤ النمو الإقتصادي وضعف خلق فرص عمل والتوترات الجيوسياسية والتغيّر التكنولوجي السريع البلدان نحو أزمة جديدة في توفير فرص عمل للشباب.
على الصعيد العالمي، سُجّل تراجع كبير في توفير فرص عمل للشباب في الدول ذات الإقتصادات مرتفعة الدخل، ففي أميركا الشمالية، إرتفعت البطالة بشكل حاد، من 8.3 % في العام 2023 إلى 9.8 % في العام 2025. وفي أوروبا (الشمالية والجنوبية والغربية)، ظل معدّل بطالة الشباب مرتفعاً عند حدود 15 % في العام 2025، حيث أفاد 20 بلداً من أصل 29 بلداً بتراجع فرص العمل للشباب. ويعود هذا التراجع حسب التقرير، إلى تراجع في أعداد الوظائف التي كانت توفر مداخل إلى سوق العمل للعمال الشباب، بما في ذلك الوظائف الكتابية والإدارية، ومهن الخدمات والمبيعات المرتبطة بالتصنيع وبعض المهن التقنية.
أما في إقتصادات الدول النامية، لا يزال التحدّي يتمثل في توفير فرص عمل لائقة لإستيعاب أعداد الشباب المتزايدة، مما يدفع الشباب للالتحاق بأعمال أو وظائف غير مستقرة.
على صعيد المنطقة العربية، لا تزال الدول العربية وشمال أفريقيا تسجل أعلى معدّلات بطالة الشباب في العالم. ففي العام 2025، بلغ معدّل البطالة في الدول العربية 26.2 % ، و22.6 % في شمال أفريقيا. وفي كلا الإقليمين الفرعيين، كان شاب واحد من كل ثلاثة شباب غير ملتحق بالعمل أو التعليم أو التدريب. وتبيّن الأرقام الإحصائية تفاوتاً حاداً في نسبة البطالة في الدول العربية، فبينما تسجل دول الخليج معدلات منخفضة جداً (أقل من 3.2 % )، تعاني بقية الدول العربية من معدّلات مرتفعة تتجاوز 21 %.
تتعدّد أبعاد تحدّيات أزمة البطالة على المجتمعات والدول، ويُمكن إيجازها بالتالي:
أسباب أزمة البطالة في العصر الحديث
تتعدّد أسباب البطالة الهيكيلية في عصر التكنولوجيا الحديثة، نذكر أهمها:
– الفجوة التعليمية: أي عدم توافق مناهج التعليم التقليدية مع المتطلّبات المتسارعة لسوق العمل.
– الثورة التكنولوجية: أثر الأتمتة (إستخدام التكنولوجيا والبرمجات من دون تدخل بشري)، والربوتات، والذكاء الإصطناعي في إزاحة الوظائف التقليدية.
– الأزمات الجيوسياسية والإقتصادية: دور التضخم العالمي، والنزاعات والحروب والأزمات الصحية والتغيُّر المناخي.
تداعيات البطالة على مستقبل الشباب والأجيال القادمة
إن إرتفاع معدل البطالة على مستوى العالم سيؤدي دون شك إلى حرمان جيل كامل من بناء مستقبله بثقة وأمان، مما ينعكس سلباً على الإنتاجية العامة والتماسك الاجتماعي خصوصاً في الدول التي تُسجل إرتفاعاً حاداً في معدّل البطالة التي بدورها توصل الشباب إلى الشعور بالإحباط والقلق وأزمات نفسية، كما تساهم في زيادة إحتمالات تورط الشباب في شبكات الإجرام والوقوع في أوضاع هشّة.
أما تداعيات البطالة على المستوى الإقتصادي والإجتماعي، يتمثل في خسارة البلدان للطاقات الإنتاجية لدى الفئات الشابة، وإستنزاف العقول عبر هجرة الأدمغة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة، وإتساع فجوة عدم المساواة في الأجور، والضغط على شبكات الأمن الإجتماعي الذي يضع الحكومات أمام أعباء مالية ضخمة لتوفير إعانات البطالة وبرامج الدعم في ظل تراجع العائدات الضريبية، كما تسبّب في إنكماش القوة الشرائية، أي تراجع الإستهلاك مما يؤدي إلى ركود في الأسواق.
خارطة طريق وحلول عملية لمواجهة أزمة البطالة
تعتمد معالجة أزمة البطالة على تكامل السياسات التعليمية والإقتصادية لتوليد فرص عمل مستدامة وتأهيل جيل الشباب لمتغيّرات السوق المعاصر، وآليات الحلول عديدة أهمها:
1 – إصلاح المنظومة التعليمية والتدريبية عبر:
– تعزيز التعليم المهني، عبر توجيه الطلاب نحو التخصُّصات التقنية التي تطلبها الأسواق.
– تعزيز المهارات الرقمية، عبر دمج مهارات الذكاء الإصطناعي والبرمجة وتحليل البيانات الدراسية لرفع جاهزية الخرّيجين.
– التدريب المتواصل، عبر تصميم برامج إعادة تأهيل (Reskilling) سريعة ومكثفة لربط الخريجين بالوظائف المُتاحة.
2 – دعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة التي تقوم على:
– التمويل المُيسّر، عبر توفير قروض بفوائد منخفضة، أو مُنح للمشاريع الناشئة التي يديرها الشباب.
– مراكز استشارات (حاضنات الأعمال)، عبر إنشاء مراكز تقدم الدعم الإستشاري والقانوني واللوجستي للمبتدئين في سوق العمل.
– تسهيلات الإجراءات، عبر تقليص النمط البيروقراطي وتسريع إستخراج التراخيص التجارية للشركات الصغيرة.
3 – تحفيز الإستثمار والقطاع الخاص:
– الإعفاءات الضريبية، أي تقديم حوافز مالية وضريبية للشركات التي تلتزم نسب محدّدة من العمالة الشابة.
– الشراكة بين القطاعين، أي إشراك القطاع الخاص في تصميم المناهج التعليمية لضمان تطابق المخرجات مع الإحتياجات الفعلية.
– جذب الإستثمار الاجنبي، عبر تحفيز جذب الاستثمارات الدولية نحو القطاعات الكثيفة العمالة مثل التصنيع، الزراعة، الطاقة المتجددة والسياحة.
4. تطوير سوق العمل والتشريعات
– منصّات التوظيف الرقمية، التي تتيح بناء قواعد بيانات وطنية متطورة تربط الباحثين عن عمل بأصحاب الشركات.
– العمل عن بُعد، الذي يتطلّب صوغ قوانين تدعم أنماط العمل الحديثة لتمكين الشباب من العمل مع شركات عالمية أونلاين Online.
– العمل على حلّ النزاعات وبناء بيئات تشريعية مستقرّة تحمي الإقتصاد المحرك للوظائف.
– القيام بتعديلات على المناهج الدراسية، أي الإنتقال من «التعليم بالتلقين» إلى «التعليم بالمهارات»، على سبيل المثال لا الحصر، الهندسة البرمجية، تحليل البيانات، الأمن السيبراني وغيرها….
في المحصّلة، يُمكن القول إن البطالة باتت آفة تلتهم مستقبل الأجيال وتُبطىء عجلة الإقتصاد العالمي، وتُشكل تحدّياً يُهدد إستقرار المجتمعات. وإن مواجهة هذا التحدّي لم تعد رفاهية ولا خياراً مؤجلاً، بل ضرورة قصوى تتطلّب ثورة في نظم التعليم، وتوسيعاً لآفاق الإستثمار، وشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، والأهم أن تتحرّك القوى الدولية لإطفاء نيران الحروب التي تلتهم العقول والطاقات الإنتاجية أكثر مما تلتهم من الحجر، وتوجيه طفرة الذكاء الإصطناعي لخدمة البشرية وتوليد وظائف جديدة، وإلاّ سنشهد عصراً تُصبح فيه البطالة هي القاعدة، والإستقرار هو الإستثناء!!
نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الدول الإسكندنافية
