الشمول المالي ركيزة أساسية لتحقيق النمو المستدام وتعزيز الإستقرار
د. وســام حســن فـتــوح
الأميـــــن العــــام
لا شك في أن الإنتقال من الشمول المالي إلى النمو الشامل يتطلّب سياسات متكاملة وتكاملاً مؤسسياً عربياً، إذ إن المرحلة الحالية التي تمر في المنطقة العربية تفرض على المؤسسات المالية وصنّاع القرار تبنّي رؤى أكثر تكاملًا ومرونة، من أجل تحقيق إنتقال حقيقي من الشمول المالي إلى النمو الشامل، بما يعزّز الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي ويدعم مسارات التنمية المستدامة.
في هذا الوقت، تتشابك التحدّيات الإقتصادية مع التحوُّلات الإقليمية والدولية المتسارعة، مما يتطلّب تبنّي مقاربات أكثر تكاملًا وفاعلية قادرة على التعامل مع هذه المتغيّرات، لذلك فإن هذه المرحلة تفرض على الجميع إعادة تقييم الأدوات والسياسات الإقتصادية بما يتماشى مع طبيعة التحدّيات الراهنة.
والجهود التي تبذلها البلدان العربية عموماً في إدارة التحدّيات الإقتصادية وتعزيز الإستقرار، رغم ما تشهده المنطقة من توترات جيوسياسية وإقتصادية، يعكس كفاءة مؤسسية ورؤية إستراتيجية رصينة، رغم الضغوط السياسية والأمنية التي يشهدها العديد من هذه البلدان.
والحق أن الشمول المالي أصبح اليوم ركيزة أساسية لتحقيق النمو المستدام وتعزيز الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، وخصوصاً وبحسب تقارير للبنك وصندوق النقد الدوليين، أن العديد من الدول العربية قد حقّقت تقدُّماً ملحوظاً في توسيع نطاق الخدمات المالية، إلاّ أن التحدّي الحقيقي لم يعد يقتصر على إتاحة هذه الخدمات، بل يمتد إلى ضمان الإستخدام الفعلي والمستدام لها، بما يُعزّز جودة الخدمات المالية ويحافظ على متانة النظام المصرفي.
لذا، إن الإنتقال من الشمول المالي إلى النمو الشامل يتطلّب العمل على مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدّمها تطوير سياسات نوعية تستهدف الفئات الأكثر إحتياجاً، وتعزيز توظيف التكنولوجيا والبيانات في توسيع فرص التمويل، وتسريع التحوُّل الرقمي داخل القطاع المالي، إلى جانب الإستثمار في نشر الثقافة المالية بإعتبارها عنصراً محورياً في تحقيق الإستدامة. علماً أن تحقيق هذه الأهداف يتطلّب تكاملاً وثيقاً بين السياسات الإقتصادية، إلى جانب تعزيز التعاون بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية والقطاع الخاص، في إطار أطر تنظيمية مرنة تواكب الإبتكار وتحافظ على الإستقرار المالي، خصوصاً أن هذا التكامل يمثل حجر الأساس لتحقيق نمو إقتصادي شامل ومستدام.
إن العالم يشهد راهناً مرحلة جديدة في ملف الشمول المالي، لم يعد فيها الهدف مجرّد إتاحة الخدمات المصرفية، بل تحقيق تمكين إقتصادي فعلي ينعكس على حياة الأفراد ويدعم بناء إقتصادات أكثر إستدامة، فمفهوم الشمول المالي تطوّر ليشمل خلق فرص إقتصادية حقيقية وتمكين الفئات الأقل حظاً.
في المحصّلة، إن المرحلة المقبلة تتطلّب الإنتقال من التركيز على الكمية إلى قياس التأثير الحقيقي على جودة حياة الأفراد، مع ضرورة تعزيز التعاون بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية والجهات التنموية، ومواصلة تطوير منظومة شمول مالي أكثر كفاءة وإبتكاراً، تعتمد على التحوُّل الرقمي وتدعم تحقيق التنمية المستدامة والنمو الشامل في المنطقة، ولا سيما أن هناك نحو 70 % من المواطنين العرب لا يزالون خارج النظام المالي الرسمي، وهو ما يعوّق قدرة الحكومات والمصارف على تحقيق معدّلات نمو مستدامة وإستقرار إقتصادي وإجتماعي كامل في المنطقة. علماً أن المرحلة الحالية تمثل نقطة مفصلية؛ حيث لم يعد التحدّي مجرد إتاحة الخدمات المالية وتوفير حسابات بنكية، بل يكمن في كيفية تحويل هذا الوصول إلى تمكين إقتصادي حقيقي ينعكس إيجاباً على المجتمعات العربية.
