القطاع المالي السعودي توسُّع منضبط في إدارة المخاطر
ومساحة أكبر لإستقطاب المستثمرين
شهد القطاع المالي السعودي تحوُّلاً من نشاط مصرفي تقليدي ومعاملات بسيطة إلى منظومة متكاملة تضم الخدمات المصرفية والإستثمارية والتأمينية والتمويلية، مدعومة بإطار تنظيمي تقوده جهات رقابية متخصّصة.
ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، إتسع دور القطاع ليصبح أحد الممكنات الرئيسة لتنمية القطاعات غير النفطية، وتعزيز الإستثمار، ورفع كفاءة التمويل، وترسيخ الإستقرار المالي. وبذلك لم يعد القطاع المالي مجرد قناة للتمويل، بل أصبح ركيزة في بناء إقتصاد أكثر تنوُّعاً ومرونة، وعنصراً داعماً لمكانة السعودية كمركز مالي إقليمي ودولي.
سوق مالية أكثر تطوراً
ما شهدته السوق المالية خلال العام 2025 لا يبدو مجرّد مجموعة متفرقة من الموافقات أو اللوائح أو الطروحات، بل يعكس مساراً أوسع يرتبط بمستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي، نحو سوق أعمق، ومنتجات أكثر تنوعاً، وبيئة تنظيمية أكثر مرونة، وقدرة أكبر على جذب المستثمرين وتوسيع الخيارات التمويلية والإستثمارية.
في هذا السياق، برزت هيئة السوق المالية بوصفها أحد المحرّكات التنفيذية لهذا المسار، من خلال حراك جمع بين التوسُّع السوقي والتطوير التشريعي في آن واحد.
وفي جانب تعميق السوق وتوسيع قاعدتها، بلغ إجمالي عدد الشركات الجديدة المدرجة 40 شركة. ولا تعكس هذه الأرقام دخول شركات جديدة إلى السوق فقط، بل تشير أيضاً إلى إستمرار بناء قنوات تمويل منظمة قادرة على إستيعاب شرائح مختلفة من الشركات، بما يخدم هدف البرنامج في تطوير سوق مالية أكثر تقدماً وإتساعاً.
كما أن نشاط السوق الموازية «نمو» لم يقتصر على الإدراجات، بل إمتد إلى توسيع قاعدة المستثمرين المؤهّلين، ما يمنح هذه السوق مساحة أكبر لإستقطاب فئات جديدة من المستثمرين وتعزيز سيولتها.
على مستوى المنتجات الإستثمارية، عكس العام 2025 إتساعاً في التنوُّع، فقد زاد عدد الصناديق العامة 31 صندوقاً ليصل إلى 356 صندوقاً، بقيمة أصول بلغت 220.8 مليار ريال، موزّعة بين صناديق الأسهم، والسيولة، والصكوك، والصناديق المغذية، وصناديق المؤشرات المتداولة، بما في ذلك صناديق قطاعية متخصّصة.
وتعكس هذه الصورة سوقاً لا تنمو من حيث العدد فقط، بل تتجه أيضاً إلى تنويع الأدوات وتوسيع الخيارات أمام المستثمرين، بما ينسجم مع مستهدفات البرنامج المتعلقة برفع الأصول المدارة وزيادة عمق السوق الإستثمارية في حلول العام 2025.
43 مؤسسة مالية حصلت على ترخيص
أما على صعيد البنية المؤسسية، فقد شهد العام 2025 دخول مزيد من اللاعبين إلى السوق، مع تسجيل 43 مؤسسة مالية حصلت على ترخيص أو إستوفت متطلّبات بدء ممارسة العمل أو بدء ممارسة أعمال السوق.
ويعني ذلك أن التوسع لم يقتصر على المنتجات، بل شمل أيضاً الجهات المقدّمة للخدمات، سواء في إدارة الإستثمارات، أو تشغيل الصناديق، أو الترتيب، أو المشورة، أو الحلول التقنية.
وبهذا المعنى، فإن السوق المالية في العام 2025 لم تكن تتوسّع أفقياً فقط، بل كانت تبني طبقات جديدة من النشاط والخدمات والإبتكار.
وتكتمل الصورة عند النظر إلى المسار التشريعي والتنظيمي لهيئة السوق المالية، إذ شهد العام 2026 تطوراً تنظيمياً وتشريعياً، شملت مشاريع ولوائح وتعديلات وإستطلاعات للرأي العام.
وتناولت موضوعات مثل فتح السوق الرئيسية لفئات أوسع من المستثمرين الأجانب غير المقيمين، وتمكين تأسيس صناديق الإستثمار المبسّطة، وتحسين حوكمة الشركات المدرجة، وتنظيم تملُّك الشركات المدرجة والصناديق والمنشآت ذات الأغراض الخاصة للعقار وغيرها.
وبذلك يتضح أن التحوُّل لم يكن قائماً على زيادة النشاط فقط، بل على تطوير البيئة التي يتحرك فيها هذا النشاط، لتصبح أكثر كفاءة ووضوحاً وجاذبية.
قطاع مصرفي يتطوّر ليموّل
أظهر العام الماضي (2025) سعي البنك المركزي السعودي إلى تحويل أهداف برنامج تطوير القطاع المالي من عناوين إستراتيجية إلى أدوات تشغيلية وقرارات تنظيمية وخدمات تمس السوق والمستهلك والمؤسسات معاً.
وضع البرنامج لإلتزامات العام 2025، ملامح واضحة لقطاع مالي أكثر تنوعاً، وحضوراً أوسع للتقنية المالية، وتمويلاً أكبر للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومجتمعاً أقل إعتماداً على النقد، وإستقراراً مالياً تحكمه المعايير الدولية.
وتحرّكت «ساما» خلال العام 2025 داخل هذه المسارات بوتيرة تعكس جهداً منظماً لتقريب القطاع من الصورة التي رسمها البرنامج لعام 2025.
في ملف المدفوعات، كان المشهد أكثر وضوحاً، فمن الإطلاق التجريبي لبوابة eSAMA في خدماتها الإلكترونية المتعددة، وصولاً إلى إضافة خدمة المقاصة الإلكترونية للشيكات مع إستهداف تحصيلها خلال يوم عمل، بدا أن الأتمتة لم تعد مجرّد توجّه عام، بل أصبحت جزءاً من لغة العمل نفسها.
في الإتجاه ذاته، جاء إطلاق Google Pay عبر «مدى»، والإتفاق على إتاحة Alipay+، وطرح الواجهة الجديدة لمدفوعات التجارة الإلكترونية، والترخيص لشركات جديدة في المدفوعات والمحافظ الإلكترونية.
رفع حصة المعاملات غير النقدية إلى 85 %
ولا تنفصل هذه الخطوات عن برنامج تطوير القطاع المالي، إذ ترتبط مباشرة بمستهدف رفع حصة المعاملات غير النقدية إلى 70 % في حلول العام 2025، وهو المستهدف الذي جرى تجاوزه في نهاية العام المذكور لتصل النسبة إلى 85 %، بعد أن كانت 36 % في العام 2019، بما يعكس التقدم نحو قطاع أكثر كفاءة وسلاسة وأقل إعتماداً على النقد.
أما في التمويل والرقابة، فقد تحرّكت «ساما» عبر مسارين متوازيين: فتح المجال من جهة، وإحكام الإطار التنظيمي من جهة أخرى، إذ دعمت توسع القطاع عبر تحديث اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التمويل، بما شمل متطلّبات مزاولة الأنشطة التمويلية، ومجموع التمويل الذي يمكن للشركة تقديمه، ومتطلّبات الضمان البنكي.
في المقابل، عززت بنية الاستقرار بإصدار لائحة المقاصة النهائية وترتيبات الضمان، وطرح تحديث الإطار الإشرافي على نظم المدفوعات ومشغليها، وإصدار قواعد بطاقات الائتمان المحدثة ودليل تعرفة خدمات المؤسسات المالية.
يظهر من ذلك أن البرنامج لم يستهدف توسُّعاً سريعاً فقط، بل توسُّعاً منضبطاً بالشفافية، وحماية العميل، وإدارة المخاطر، والإتساق مع المعايير الدولية، وهو ما عكسته قرارات 2025.
وعلى مستوى الشمول المالي واتساع الوصول، حمل العام إشارات واضحة، من اعتماد هوية زائر لفتح الحساب البنكي، إلى الترخيص لبنوك رقمية جديدة وبدء مزاولة بنوك رقمية قائمة، بما يوسع الوصول، ويزيد المنافسة، ويقرّب الخدمات من شرائح أوسع.
التقنية المالية توسع الأثر
في جانب التقنية المالية، جاءت تطورات العام 2025 إمتداداً لمسار أوسع يستهدف توسيع أثر القطاع المالي إقتصادياً وإجتماعياً وتجارياً، عبر حلول ذكية وسهلة تعزز نمو الأعمال، وتمكن الأفراد، وتدفع نحو مزيد من الابتكار في تقديم الخدمات المالية.
وفتح إهتمام رؤية السعودية 2030 في هذا القطاع آفاقاً محفّزة للمنشآت الناشئة ورواد الأعمال والمبتكرين، قبل أن تأتي استراتيجية التقنية المالية ومبادرة «فنتك السعودية» لتسريع إستثمار هذه الفرص، من خلال تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وبناء منظومة مالية رقمية أكثر نضجاً، وتوطين التقنية المالية، وتعزيز التعاون بين الجهات الفاعلة في السوق.
وقد كانت المحصّلة تجاوز مستهدف 2025 البالغ 230 شركة، لتصل في نهاية العام الماضي إلى 301 شركة.
وخلال العام 2026، بدا قطاع التقنية المالية مساحة أوسع لتعدُّد اللاعبين، إذ واصل البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية إصدار التراخيص والتصاريح لشركات تعمل في مجالات متنوعة، تشمل المستشار الآلي، وتوزيع صناديق الاستثمار وصناديق الإستثمار العقاري، والمشورة، والتمويل الجماعي، والدفع الآجل، والوساطة الرقمية لجهات التمويل، وخدمات المدفوعات.
كما شملت التصاريح شركات جديدة ضمن البيئة التجريبية التشريعية في أنشطة مثل المصرفية المفتوحة، وتمويل سلاسل الإمداد، والتمويل من نظير إلى نظير.
