«المركزي العراقي» يُواصل أداء دور إستراتيجي لدعم مسار التنمية الإقتصادية والإستقرار المالي
تطوير البيئة التنظيمية الداعمة للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية
وتشجيع المصارف على تبنّي الحلول الرقمية الحديثة
تتضمّن لائحة البنك المركزي العراقي لعدد المصارف العاملة فعلياً في العراق 79 مصرفاً. وتُقسم تلك المصارف كالتالي: ثمانية مصارف حكومية (سبعة منها تجارية/ تقليدية ومصرف إسلامي واحد)، و24 مصرفاً أهلياً تجارياً، و31 مصرفاً أهلياً إسلامياً، بالإضافة الى 16 فرعاً لمصارف عربية وأجنبية. وتشير آخر البيانات المتوافرة حول الإنتشار المصرفي في العراق، الى أن عدد فروع المصارف العاملة في العراق قد بلغ 899 فرعاً في نهاية العام 2024.
تحوز المصارف الحكومية التجارية على ما نسبته 44.6 % من مجموع المصارف العاملة في العراق، والمصارف الأهلية التجارية نسبة 28.9 % ، والمصارف الاهلية الإسلامية نسبة 22.9 % ، والمصارف الأجنبية التجارية نسبة 2.4 % ، والمصارف الأجنبية الإسلامية نسبة 0.5 % ، والمصرف الحكومي الإسلامي على نحو 0.5 % . كما يوجد تركّز كبير في شبكة الفروع بين المصارف العاملة في العراق، حيث تدير أول عشرة مصارف من حيث عدد الفروع 528 فرعاً، أي ما نسبته 58.7 % من مجموع فروع المصارف العاملة في العراق.
بلغ حجم الموجودات المجمّعة للمصارف العاملة في العراق نحو 177,231 مليار دينار عراقي في نهاية العام 2025، مسجّلة تراجعاً بنسبة 5.6 % عن نهاية العام 2024. ووصل مجمل الإئتمان النقدي الممنوح من قبل المصارف الى نحو 98,014 مليار دينار، مسجّلة نمواً بنسبة نمو 1.9 % عن نهاية العام 2024.
كما تشير بيانات البنك المركزي العراقي إلى أن مجموع ودائع القطاع المصرفي العراقي قد بلغ قرابة 111,065 مليار دينار، بتراجع بنسبة 9.6 % عن نهاية العام 2024. أخيراً، بلغ مجموع رؤوس أموال المصارف العاملة في العراق 20,841 مليار دينار، مسجّلة تراجعاً بنسبة 10.7 % عن نهاية العام 2024.
بيانات أكبر عشرة مصارف عراقية
يتضمّن الجدول رقم 2، موجودات ورأسمال أكبر 10 مصارف عراقية، بحسب آخر البيانات المتوافرة، وقد بلغ مجموع الموجودات لتلك المصارف 169,129 مليار دينار عراقي (نحو 129.6 مليار دولار) في نهاية العام 2024، ما يمثل نحو 90.1 % من مجمل موجودات المصارف العراقية، مما يدّل على التركز الكبير في القطاع المصرفي العراقي. كما بلغت الحصة السوقية لأكبر ثلاثة مصارف، وهي مصرف الرافدين والمصرف العراقي للتجارة ومصرف الرشيد، نحو 74.6 % من إجمالي موجودات القطاع المصرفي العراقي. كما لا تزال المصارف الحكومية تسيطر على الجزء الأكبر من القطاع المصرفي، حيث تدير المصارف الحكومية الستة ما نسبته 83.1 % من الموجودات المجمّعة للقطاع المصرفي، فيما تدير المصارف الأهلية نسبة 22.9 % من موجودات القطاع (13.1 % للمصارف التجارية و9.9 % للمصارف الإسلامية)، والمصارف الأجنبية نسبة 2.2 % (1.4 % للمصارف الأجنبية التجارية و0.8 % للمصارف الأجنبية الإسلامية).
وبالنسبة إلى مجموع رأسمال تلك المصارف العشرة، فقد بلغ 6,477 مليار دينار، ممثلاً نسبة 31.1 % من مجموع رؤوس أموال المصارف العاملة في العراق. من جهة أخرى، تُظهر بيانات البنك المركزي العراقي أن مجموع رؤوس أموال المصارف الحكومية قد وصل الى 4,952 مليار دينار في نهاية العام 2024، مقابل 6,439 مليار للمصارف الأهلية التجارية، و7,864 مليار للمصارف الاهلية الإسلامية، و931 مليار للمصارف الأجنبية التجارية، و208 مليار للمصارف الأجنبية الإسلامية.
الشمول المالي في العراق
يُواصل البنك المركزي العراقي جهوده لتعزيز الشمول المالي بوصفه أحد المحاور الأساسية لإصلاح القطاع المالي وتوسيع قاعدة التعامل مع النظام المصرفي الرسمي. وقد إتخذ البنك خلال السنوات الماضية سلسلة من الإجراءات والمبادرات التي إستهدفت رفع إستخدام الحسابات المصرفية، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، وتحفيز التمويل الموجه للمشاريع، وربط شرائح أوسع من السكان بالقنوات المالية الرسمية.
وفي هذا السياق، شكّلت مبادرات دعم المشاريع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة منذ العام 2015، وتوطين الرواتب منذ العام 2016، ركيزتين أساسيتين في إدماج الأفراد والمؤسسات داخل المنظومة المصرفية. كما توسّعت الجهود لاحقاً لتشمل دعم المصارف التخصصية، وتمويل مشاريع الطاقة المتجدّدة، بما يعكس توجهاً لربط الشمول المالي بأهداف التنمية والإستدامة.
ضمن هذا الإطار، دفع البنك المركزي بقوة نحو التحوُّل الرقمي، عبر تطوير أنظمة المدفوعات والسماح بفتح الحسابات والمحافظ الإلكترونية وربط مزودي خدمات الدفع بالبنية المصرفية الرسمية، إلى جانب تحديث أنظمة المقاصة والتسوية وتعزيز أمن البنية التحتية الرقمية.
وقد أسهمت هذه الإجراءات في تسريع نمو المدفوعات غير النقدية بشكل واضح خلال العام 2024، إذ إرتفع عدد التحويلات المالية المنفّذة عبر البطاقات المحلية إلى 58.4 مليون تحويلة مقابل 18.6 مليون في 2023 (أي نمو بنسبة 213.6 % )، كما إرتفع عدد التحويلات المنفذة عبر الهاتف النقال والمحافظ الإلكترونية إلى 25.4 مليون تحويلة مقابل 13.2 مليوناً في العام السابق (نمو بنسبة 92.9 % ). كذلك سجّلت أوامر الدفع الدائنة الإلكترونية ضمن نظام المقاصة الإلكترونية 20.5 مليون تحويلة في 2024 مقابل 17.35 مليوناً في 2023، في حين بلغ عدد أوامر الدفع الدائنة ضمن نظام المقاصة الداخلية 43.7 مليوناً تحويلة مقابل 39.9 مليوناً في العام السابق. وتعكس هذه المؤشّرات تسارع الإنتقال نحو إقتصاد أقل إعتماداً على النقد وأكثر إعتماداً على القنوات الرقمية الرسمية.
وتعزّز هذا المسار بإطلاق الإستراتيجية الوطنية للشمول المالي في العراق 2025–2029، التي تمثل إطاراً مؤسسياً متوسط الأجل لتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية وتحسين إستخدامها، ولا سيما للفئات الأقل إستفادة مثل النساء والشباب والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتستهدف الإستراتيجية رفع ملكية الحسابات المصرفية أو حسابات النقود الإلكترونية إلى 50 % في حلول العام 2030، مقارنة بمستوى حالي يقارب 11 % وفق التشخيص الوطني المعتمد للإستراتيجية، إلى جانب تقليص الفجوة بين الجنسين في ملكية الحسابات، ورفع نسبة إستخدام المدفوعات الرقمية إلى 85 % .
كما تشير الإستراتيجية إلى أن العراق لا يزال دون المتوسط الإقليمي في كثافة نقاط الوصول المالية، إذ لا يتجاوز عدد الفروع المصرفية 4 فروع لكل 100 ألف بالغ مقابل 13 في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعدد أجهزة الصراف الآلي 10 أجهزة لكل 100 ألف بالغ مقابل 32 إقليمياً، وهو ما يُبرز أهمية إستمرار الإستثمار في البنية التحتية المالية والرقمية.
ضمن السياق عينه، واصل البنك المركزي العراقي تعزيز الثقة بالنظام المالي من خلال تطوير أطر الحماية والأمن السيبراني، وإنشاء قدرات رقابية وتحليلية متخصّصة لمواجهة المخاطر الرقمية، بما يدعم سلامة المدفوعات الإلكترونية وإستقرار القطاع المصرفي. وعليه، فإن مسار الشمول المالي في العراق لم يعد يقتصر على زيادة عدد الحسابات أو أدوات الدفع، بل أصبح جزءاً من مشروع أوسع لتحديث القطاع المالي وتحسين كفاءته ورفع قدرته على دعم النمو الإقتصادي والإستقرار النقدي في بيئة تتجه تدريجياً نحو الرقمنة والتكامل المالي.
مؤشرات السلامة المالية
تُعد نسبة كفاية رأس المال من أبرز المؤشرات المستخدمة لتقييم متانة النظام المصرفي، وهي تعكس مدى قدرة المصارف على امتصاص الصدمات المالية المحتملة. وقد سجّلت هذه النسبة في العراق مستوى مرتفعاً بلغ نحو 34.2 % في الربع الثالث من العام 2025، ما يشير إلى وجود هامش أمان جيد يفوق الحد الأدنى الموصى به من قبل بازل 3، والبالغ 8 % . هذه النسبة العالية توحي بأن المصارف العراقية تتمتع برأسمال كاف لمواجهة المخاطر المحتملة. كما أن متوسط نسبة كفاية رأس المال الأساسي (Tier 1 Capital) بلغ 28.9 % ، وهو ما يُظهر أن الجزء الأكبر من رأس المال يتمتع بجودة عالية ويأتي من مصادر مستقرة، مثل رأس المال المدفوع والأرباح المحتجزة. تُعزز هذه النسبة الثقة في متانة النظام، لكنها تستوجب مقاربة توازن بين الحيطة والتوظيف الفعّال لرأس المال.
أما بالنسبة إلى القروض المتعثّرة، فقد إرتفعت إلى 18.1 % من إجمالي القروض في الربع الثالث من العام 2025، مقارنة بـ 16.9 % في نهاية العام 2024. ويعكس هذا الإرتفاع إستمرار الضغوط الإئتمانية وضعف جودة الأصول، مما يشير إلى تحدّيات في إدارة المحفظة الإئتمانية وضرورة تعزيز إجراءات التحصيل والمراجعة الإئتمانية.
من جهة أخرى، بلغ العائد على الأصول نحو 2.1 % في الربع الثالث من العام 2025، وهو معدّل جيد جداً مقارنة بعدد من الأنظمة المصرفية في الأسواق الناشئة. أما بالنسبة إلى مؤشر السيولة، فقد بلغ متوسط نسبة الأصول السائلة إلى إجمالي الأصول حوالي 49.6 % ، وهو مستوى مرتفع يدل على قدرة المصارف على الوفاء بإلتزاماتها قصيرة الأجل. إلاّ أن هذا المستوى العالي من السيولة قد يشير أيضاً إلى ضعف في التوظيف الإستثماري أو الإئتماني، مما قد يقلّل من فرص النمو والربحية إذا استمرت السيولة في البقاء غير موظفة بشكل فعّال.
وبشكل عام، تُظهر المؤشرات المالية أن القطاع المصرفي العراقي يتمتع بقدر عال من رأس المال والسيولة، ما يُوفر له قدرة جيدة على مواجهة الأزمات المحتملة. ومع ذلك، فإن بقاء نسب القروض المتعثّرة عند مستويات مرتفعة نسبياً، إلى جانب الحاجة لتحسين كفاءة إستخدام الموارد، يشير إلى أن الإستقرار المالي لا يزال يتطلّب مزيداً من الجهود في مجالات إدارة المخاطر وتنويع الإئتمان.
دور البنك المركزي العراقي في دعم التنمية المستدامة وتطوير القطاع المصرفي
يُواصل البنك المركزي العراقي أداء دور إستراتيجي في دعم مسار التنمية الإقتصادية وتعزيز الإستقرار المالي، من خلال تبنّي سياسات وإصلاحات هيكلية تهدف إلى تطوير القطاع المصرفي وتحسين كفاءته بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة 2030. ضمن هذا الإطار، يعمل البنك المركزي على تنفيذ مجموعة من المبادرات التي تركز على تعزيز الشمول المالي، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، وتحفيز الإبتكار المالي، إضافة إلى دعم تمويل القطاعات الإنتاجية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي مجال الشمول المالي، شهد العراق تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث إرتفعت نسبة الشمول المالي إلى نحو 48.5 % في العام 2024، مع إستمرار الجهود للوصول إلى مستويات أعلى خلال السنوات المقبلة. وقد تحقّق هذا التقدم نتيجة توسع الخدمات المصرفية الرقمية وإنتشار وسائل الدفع الإلكتروني، فضلاً عن برامج التثقيف المالي التي تستهدف النساء والشباب ورواد الأعمال. كما إرتفع عدد الحسابات المصرفية بشكل ملحوظ، حيث تضاعف من نحو 6 ملايين حساب في العام 2020 إلى أكثر من 13 مليون حساب في حلول العام 2023، ما يعكس توسّع قاعدة المتعاملين مع النظام المصرفي الرسمي.
كما أطلق البنك المركزي العراقي مجموعة من المبادرات لتعزيز التحوُّل الرقمي في النظام المالي، من أبرزها تطوير منظومة المدفوعات الوطنية وتوسيع إستخدام نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي، إضافة إلى دعم أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول والتطبيقات المصرفية الرقمية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليل الاعتماد على النقد وتعزيز الشفافية في المعاملات المالية وتحسين كفاءة النظام المالي.
ومن بين المبادرات المهمة أيضاً مشروع توطين رواتب موظفي القطاع العام، الذي يهدف إلى تحويل رواتب الموظفين إلى حسابات مصرفية بدلاً من الدفع النقدي، مما أدى إلى إدخال ملايين الأفراد إلى النظام المصرفي الرسمي وتعزيز إستخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية. وقد ساهم هذا المشروع بشكل كبير في توسيع قاعدة العملاء لدى المصارف وزيادة الاعتماد على وسائل الدفع الرقمية.
وفي إطار دعم الإبتكار المالي والتكنولوجيا المالية، يعمل البنك المركزي على تطوير البيئة التنظيمية الداعمة للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية، وتشجيع المصارف على تبنّي الحلول الرقمية الحديثة، بما يُسهم في تحسين كفاءة الخدمات المصرفية وتقليل التكاليف التشغيلية وتعزيز سرعة تنفيذ المعاملات المالية.
كما أطلق البنك المركزي العراقي مبادرات تمويلية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، شملت برامج إقراض ميسّرة عبر المصارف المحلية لتمويل المشاريع الإنتاجية في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات. وتُعد هذه المبادرات جزءاً من سياسة إقتصادية أوسع تهدف إلى تنويع الإقتصاد العراقي وتقليل الإعتماد على القطاع النفطي، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتحفيز النشاط الإقتصادي.
وفي سياق تطوير البنية التحتية المالية، عمل البنك المركزي على تحديث نظام المدفوعات الوطني ونظام المقاصة والتسويات الإلكترونية، بما يُعزّز سرعة وكفاءة تنفيذ التحويلات المالية ويزيد من موثوقية النظام المصرفي. كما يسعى البنك إلى توسيع إستخدام التحويلات الرقمية الفورية وربط المؤسسات المالية ضمن شبكة دفع وطنية متطوّرة.
أما على صعيد السياسة النقدية والإستقرار المالي، فقد واصل البنك المركزي إعتماد سياسات تستهدف الحفاظ على إستقرار الأسعار وتعزيز إستقرار سعر الصرف ودعم القوة الشرائية للدينار العراقي، إلى جانب تعزيز الإحتياطات الأجنبية لتوفير هامش أمان إقتصادي في مواجهة التقلبات الإقتصادية العالمية. كما يعمل البنك المركزي على تعزيز متانة القطاع المصرفي من خلال تطوير الأطر الرقابية وتطبيق المعايير الدولية في إدارة المخاطر والحوكمة المصرفية.
وفي إطار التوجه العالمي نحو التمويل المستدام، بدأ البنك المركزي العراقي أيضاً بتشجيع المصارف على تمويل المشاريع التي تراعي الأبعاد البيئية والإجتماعية، بما يتماشى مع التحوُّلات الدولية نحو الإقتصاد الأخضر، مع العمل على تطوير أطر تنظيمية تدعم التمويل الأخضر والإستثمارات المستدامة.
وبشكل عام، تعكس هذه المبادرات توجه البنك المركزي العراقي نحو بناء نظام مالي أكثر شمولاً وكفاءة وإستدامة، قادر على دعم التحوُّل الإقتصادي وتعزيز الإستقرار المالي في العراق، بما يُسهم في تحقيق التنمية الإقتصادية طويلة الأجل.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية

