المصارف العراقية بين إعادة هيكلة جذرية وإمتثال دولي صارم
لا شك في أن المصارف العراقية تسير في ظل الأزمات الإقليمية المتسارعة نحو إعادة هيكلة جذرية وإمتثال دولي صارم، حيث يركّز البنك المركزي العراقي على إستخدام التكنولوجيا، وتطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، وتعزيز الشمول المالي لضمان الإستمرارية. وفي هذا السياق، نؤكد أهمية دور المصارف العربية، وبينها العراقية طبعاً، في التنمية ومواجهة التحدّيات، وتعزيز الخدمات المالية الرقمية لتقليص الفجوة المالية، كما نشدّد على وضع إتحاد المصارف العربية كل إمكاناته لدعم جهود «المركزي العراقي» الإصلاحية، وتقديم الدعم الفني والتقني للمصارف العراقية، وخصوصاً في مجالات التحوّل الرقمي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
أما أبرز ملامح وضع المصارف العراقية حالياً، فنلخّصها في أن ثمّة مصارف أهلية عدة كانت قد واجهت قيوداً من الخزانة الأميركية بسبب إتهامات بتهريب العملة الصعبة، مما فرض ضرورة إصلاح شامل. وفي هذا المجال يُطبّق البنك المركزي العراقي إستراتيجية خطة الإصلاح (2024 – 2026)، لتعزيز القدرة المؤسسية وإستمرار الأعمال، مما قد يُخرج نصف المصارف غير الممتثلة من السوق.
وفي السياق عينه، وفي ظل التحوُّل الرقمي، هناك سعي لزيادة نسبة المدفوعات الرقمية، والتحوُّل نحو الخدمات الإلكترونية لتقليل التعامل النقدي، فيما يشدّد «المركزي العراقي» على تعيين إدارات مؤهلة وتطبيق نظام إستعلام إئتماني متكامل.
وفي هذا الإطار، نشدّد على أن المصارف العربية، ومن ضمنها العراقية، يجب أن تشكل ركيزة أساسية في تنمية الإقتصاد وتتجاوز التحدّيات الجيوسياسية، مما يؤكد ضرورة إعتماد المصارف على التكنولوجيا والإبتكار الرقمي لمواجهة المخاطر والإضطرابات في المنطقة، فضلاً عن التركيز على تعزيز الحوكمة والإدارة الرشيدة لرفع كفاءة القطاع المصرفي.
وبناء عليه، تقوم المصارف العراقية بتنشيط وتفعيل برامج التدريب والتوعية وبناء القدرات في مجالات الإمتثال وإدارة المخاطر والخدمات الرقمية والموارد البشرية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وبحسب القوانين والتشريعات الدولية المرعية في هذا المجال.
وفي هذا السياق، نُشيد بالشراكة الإستراتيجية بين القطاعين المصرفيين العراقي والألماني، والتي أبرمتها رابطة المصارف الخاصة العراقية بغية تعزيز التكامل المالي. علماً أنها تشكل خطوة تعكس إلتزام الجانبين في تعزيز التكامل المهني بينهما، ودعم مسار التطوير المؤسسي وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، بهدف التعاون في مجالات التدريب المصرفي المتخصّص، والإستشارات وتطوير الإستراتيجيات، وبناء القدرات المؤسسية، وتبادل الخبرات الفنية، ودعم التحوُّل الرقمي، والإمتثال وإدارة المخاطر، بما يُسهم في رفع جاهزية المصارف العراقية وتعزيز قدرتها التنافسية.
كما أن هذه الشراكة ستدعم تعزيز وصول القطاع المصرفي العراقي إلى المؤسسات والأسواق الألمانية، وتحفيز إهتمام وإستثمارات المصارف والشركات الألمانية في العراق، من خلال توفير بيئة مهنية داعمة وتعزيز فهم الأطر التنظيمية والفرص الإستثمارية وبناء الثقة المتبادلة بما يمهّد لإطلاق شراكات مالية وإقتصادية مستدامة.
في المحصّلة، يدخل العراق مرحلة جديدة من النمو الديناميكي والفرص الإقتصادية بفضل الإصلاحات المصرفية الشاملة التي يقودها البنك المركزي العراقي بدعم حكومي. وبحسب شركة Oliver Wyman الأميركية للتدقيق والإستشارات المالية، فإن الإصلاحات المصرفية في العراق تدشّن حقبة جديدة من النمو الإقتصادي. علماً أن برنامج إصلاح القطاع المصرفي الذي أُطلق في أبريل/نيسان 2025 يُمثّل تحوُّلاً جوهرياً نحو بناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وإستدامة، قادر على تحفيز الإستثمار وتنمية القطاع الخاص وتعزيز الارتباط المالي الدولي.
