المصارف العربية في العام 2026 بين تمويل التنمية والإستثمار في الإعمار
لا شك في أن فجوة التمويل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية هي أكثر من 100 مليار دولار سنوياً، وتمثل هذه الفجوة التمويلية الكبيرة حاجزاً صعباً أمام تحقيق التنمية المستدامة، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحّة إلى وضع حلول تمويل مبتكرة وإلتزامات مالية أقوى. كما أن معالجة هذا العجز المالي أمر بالغ الأهمية، لأنه يؤثّر على قطاعات مختلفة بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والبنية الأساسية وحماية البيئة.
وعليه، فإن أحد السبل الحاسمة لتسريع التقدم نحو التنمية المستدامة هو حشد الموارد المالية، وضمان تخصيصها بشكل فعّال في المجالات التي تحتاج إليها أكثر من غيرها. علماً أن إتحاد المصارف العربية، كان قد قدم بالشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، إلتزاماً خلال قمّة الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة التي عقدت في نيويورك في سبتمبر/ أيلول 2023، لتشجيع المصارف والمؤسسات المالية العربية على تسريع ودعم تمويل أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية الـ 22 الأعضاء لدى الإتحاد في حلول العام 2030.
في هذا الوقت، ذكّرنا إنعقاد المؤتمر المصرفي العربي السنوي للعام 2025 في العاصمة اللبنانية بيروت مؤخراً، تحت عنوان: «الإستثمار في الإعمار ودور المصارف»، بأهمية الإستثمار في الإعمار ومشاركة رجال الأعمال والمستثمرين والرياديين في تنمية البلدان العربية ولا سيما تلك التي شهدت أعمال عنف وتدمير، مما يدعو إلى الإسراع في إعمارها وإستعادة دورها الإقتصادي والمصرفي الرائد في المنطقة. علماً أن المؤتمر المصرفي العربي كان قد وجّه رسائل ثقة عربية في هذا الإتجاه، من خلال ما جمعه من قيادات مالية ومصرفية رفيعة المستوى.
وقد شكّل إنعقاد المؤتمر المصرفي العربي السنوي في بيروت، بعد غياب عنها لأربع سنوات، بارقة أمل فعلية، وتأكيداً على محبة الأشقاء العرب للبنان، وعلى رغبتهم في رؤية هذا البلد يعود مركزاً مالياً نابضاً بالحياة، ورسالة أمل للعرب والعالم، ودليلاً على تجدُّد الثقة العربية بدور لبنان.
في السياق عينه، يشكل دور القطاع الخاص في قيادة التنمية الإقتصادية، وفي آفاق الإستثمار في الإعمار في المنطقة، إنسجاماً كلياً مع توجُّهات البنك وصندوق النقد الدوليين، إلى جانب الدور الإستراتيجي للمصارف في تمويل القطاعات الإنتاجية والسياحية والصناعية والزراعية، في ظل التحوّلات الواضحة التي تشهدها المنطقة، ومن بينها تراجع موارد تمويل الإرهاب في دول مثل سوريا ولبنان والعراق، مع إستمرار تحدّيات الإقتصاد النقدي وإستخدام أصول عالية القيمة في غسل الأموال.
علماً أنه لن يكتمل تجفيف منابع تمويل الإرهاب إلاّ بإصلاح مصرفي شامل يتجاوز الإمتثال التقليدي إلى بناء هياكل حوكمة قادرة على قيادة التكامل والنمو. وقد سبقت الإشارة إلى أن إتحاد المصارف العربية كان قد لعب دوراً محورياً في تعزيز الإصلاحات المصرفية والشمول المالي، مع توضيح واقع القطاع المصرفي في دول عربية عدة، منها العراق، سوريا، لبنان، واليمن، رغم تفاوت مستويات الإصلاح ومدى الإلتزام بمعايير الإمتثال الدولية.
في المحصّلة، نحن أمام مرحلة حاسمة تتطلّب عزيمة مشتركة وتعاوناً عربياً متكاملاً، لضمان بيئة مالية شفّافة وقادرة على المنافسة العالمية، وقد باتت الحاجة ملحة لتنمية الإقتصادات العربية بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، في ظل ظهور تقنيات حديثة مثل «البلوكتشين» وخدمات التحوّل الرقمي، مع التأكيد على ضرورة إخضاعها لإطار تنظيمي منسّق.
