تعزيز إتخاذ قرارات الإستثمار المستدام في المصارف العربية
بإستخدام أداة COMFAR 4
يشهد المشهد المالي العالمي تحوّلاً عميقاً، تتجلّى ملامحه في تصاعد حالة عدم اليقين الإقتصادي، وتفاقم التشرذم الجيوسياسي، وتسارع الإضطرابات التكنولوجية، وتنامي تحدّيات الإستدامة. ووفق تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي، تُعدّ المواجهات الجيو-إقتصادية، وتقلُّبات الأسواق، وتزايد مخاطر إستدامة الديون، وفقاعات الأصول، من أبرز التهديدات التي تُهدّد إستقرار النظام المالي العالمي. ولا تنفصل هذه المخاطر عن القطاع المصرفي، بل تنعكس مباشرة على جودة الإئتمان، وأداء الإستثمارات، وقدرة المؤسسات المالية على تحقيق الصمود والإستدامة على المدى الطويل.
في الوقت ذاته، تواجه الدول النامية فجوة سنوية في تمويل التنمية المستدامة تُقدَّر بنحو 4 تريليونات دولار، ما يُبرز الحاجة الملحّة إلى تحسين كفاءة تخصيص رؤوس الأموال والارتقاء بجودة تقييم المشاريع1.
وفي ظلّ هذا السياق المتحوّل، باتت جودة دراسات الجدوى عنصراً حاسماً في دعم إتخاذ القرارات المصرفية الرشيدة، وتعزيز إدارة المخاطر، وضمان إستدامة الإستثمارات على المدى الطويل.
مواءمة دراسات الجدوى مع التحول الإقتصادي نحو التنمية المستدامة
تؤدي المصارف العربية دوراً متنامي الأهمية في تمويل التحوّل الإقتصادي في مختلف أنحاء المنطقة. ومع تسارع توجُّه الإقتصادات العربية نحو التنويع الإقتصادي، وتوسيع الإعتماد على الطاقة المتجدّدة، وتعزيز التنمية الصناعية، ودفع مسارات التحول الرقمي، تجد المؤسسات المالية نفسها أمام تحدّي تقييم فرص إستثمارية معقّدة، بالتوازي مع إدارة المخاطر المالية وضمان الإستدامة على المدى الطويل.
وفي هذا السياق المتحوّل، أصبحت جودة وكفاءة دراسات الجدوى عنصراً محورياً في دعم إتخاذ القرارات المصرفية السليمة، كما أضحت دراسات الجدوى المتينة أداة أساسية لتعزيز قرارات الإستثمار وإدارة المخاطر المالية بكفاءة وإحترافية.
تزداد الحاجة إلى تطوير قدرات تحليل الإستثمار وتعزيزها في ضوء التقييمات العالمية والإقليمية الحديثة. فوفق تقرير مؤشر أهداف التنمية المستدامة ولوحات المتابعة في المنطقة العربية لعام 2026، سجّلت المنطقة العربية معدلاً إجمالياً بلغ 60.6 على مؤشّر أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يعكس تقدماً محدوداً لا يزال دونه الكثير، في ظل فجوات هيكلية عميقة تعوّق بلوغ الأهداف المنشودة2 .
ويؤكد هذا الواقع أن المنطقة لا تزال بحاجة إلى تدفقات إستثمارية كبيرة وموجّهة بكفاءة نحو قطاعات إستراتيجية أساسية، وفي مقدّمها البنية التحتية، والطاقة المتجدّدة، وإدارة المياه، والتنمية الصناعية. كما يلفت التقرير إلى أن نحو 85 % من مؤشّرات أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية لا تزال تواجه تحدّيات كبيرة أو جوهرية، مما يبرز حجم الضغوط التنموية القائمة، ويعكس في الوقت نفسه الحاجة الملحّة إلى قرارات استثمارية أكثر دقة وفعّالية، تستند إلى دراسات جدوى رصينة وقادرة على توجيه التمويل نحو مشاريع ذات أثر إقتصادي وتنموي مستدام.
وفي هذا السياق، تُبرز المعطيات الدولية بما لا يدع مجالًا للشك الأهمية الحاسمة لتحليل الجدوى في تحسين جودة القرارات الاستثمارية ورفع فرص نجاح المشاريع. فقد أظهرت الدراسات أن نحو 25 % من المشاريع الإستثمارية تتعثّر أو تفشل نتيجة ضعف دراسات الجدوى، فيما تبيّن أن أكثر من 71 % من المشاريع المتوقّفة أو المتعثّرة قد نُفذت من دون تقييم جدوى مهني وسليم. وتؤكد هذه الأرقام أن الإعتماد على أدوات منهجية دقيقة في تحليل الجدوى لم يعد خياراً تقنيًا ثانوياً، بل أصبح ضرورة إستراتيجية للحدّ من المخاطر المالية، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، وتعزيز فعّالية التقييم الإئتماني، ولا سيما لدى المصارف التي تموّل مشاريع كبرى في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، رسّخت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) مكانة برنامج COMFAR أي النموذج الحاسوبي لتحليل الجدوى وإعداد التقارير، كإحدى أكثر الأدوات الدولية موثوقية وإعتماداً في مجال تقييم الجدوى الإستثمارية والمالية.
ويتميّز هذا البرنامج بكونه التطبيق الوحيد المرخّص من قبل الأمم المتحدة في هذا المجال، ما يمنحه مصداقية عالية ومنهجية معيارية متينة أسهمت في دعم قرارات الإستثمار في مختلف أنحاء العالم. وقد مكّن COMFAR العديد من المؤسسات من الإنتقال بالمشاريع من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الصياغة الاحترافية، لتصبح مشاريع قابلة للتمويل وجاهزة لإستقطاب الإستثمار.
ومع إطلاق COMFAR 4، تقدم اليونيدو جيلاً جديداً ومتطوراً من هذه الأداة الرائدة، من خلال منصة إلكترونية حديثة قائمة على الويب، صُمّمت للإستجابة لمتطلّبات البيئات الإستثمارية الجديدة وما تنطوي عليه من تعقيدات وتحديات متزايدة. وتستهدف هذه المنصّة القطاعين العام والخاص، بما في ذلك القطاع المصرفي، بما يتيح للمؤسسات المالية تحسين جودة تحليل المشاريع، وترشيد قراراتها التمويلية، وتعزيز قدرتها على المواءمة بين الجدوى الإقتصادية، ومعايير الإستدامة، وأولويات إدارة المخاطر3.
في هذا السياق، تُبرز منصة خدمات الترويج الرقمي للإستثمار (DIPS) التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) الأهمية الإستراتيجية للأدوات الرقمية والمنهجيات المنظّمة في الإرتقاء بعمليات إعداد المشاريع الإستثمارية، وتقييمها، وتعزيز جاهزيتها للتمويل. كما تؤكد أن المرحلة الراهنة تفرض تجاوز المقاربات التقليدية العامة في الترويج للإستثمار الأجنبي المباشر، إذ لم تعد هذه الأساليب كافية للإستجابة لتعقيدات الأسواق وتباين أولويات المستثمرين. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى إعتماد إستراتيجيات أكثر تخصيصاً وملاءمة لخصوصيات مستثمري دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية، بما يُسهم في تعظيم فرص إستقطاب الإستثمار، ورفع مستوى التفاعل معه، وتحقيق نتائج أكثر فعّالية وإستدامة4.
تهدف هذه المنصّات الرقمية إلى الإرتقاء بجودة المشاريع، وتعزيز الشفافية، وترسيخ ثقة المستثمرين، من خلال تمكين المؤسسات المالية والأطراف المعنية بالإستثمار من إجراء تحليلات جدوى بكفاءة وإحترافية أعلى. ويُعدّ COMFAR 4 إحدى الأدوات المحورية في هذه المنظومة، إذ يتيح للمصارف تقييم الجدوى الإقتصادية والمالية للمشاريع بمختلف العملات الأجنبية، بالإستناد إلى نماذج مالية شاملة، وتوقعات دقيقة للتدفقات النقدية، وتحليلات متقدّمة للحساسية والمخاطر. ومن خلال تحسين موثوقية دراسات الجدوى، يُسهم COMFAR 4 في تعزيز متانة المنظومة الإستثمارية ودعم التخصيص الكفؤ لرؤوس الأموال.
كما أن تصميم التطبيق القائم على الحوسبة السحابية يُوفّر للخبراء والمحللين ومسؤولي الإئتمان وفرق إدارة المخاطر إمكانية الوصول إلى أعمالهم من أي جهاز ومن خلال مختلف أنظمة التشغيل، بما يُواكب الطبيعة المتزايدة المرونة والتوزع في عمل القطاع المالي. ويمتاز COMFAR 4 كذلك بقدرته على دعم إعداد وتقييم ودراسة المشاريع الإستثمارية في مختلف القطاعات، بما فيها الصناعة، والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة، والتعدين، والسياحة، والمشاريع البيئية. كما أن طابعه العابر للقطاعات يمنح المصارف أداة موحّدة ومعترفاً بها دولياً لتقييم طيف واسع من الفرص الإستثمارية ضمن إطار تحليلي متسق وموثوق.
على الصعيد العالمي، أثبت COMFAR إنتشاراً واسعاً ومصداقية عالية، حيث يضمّ أكثر من 11,000 مستخدم في أكثر من 160 دولة، وهو متاح بــ19 لغة. ويعتمد عليه طيف واسع من الجهات، تشمل المصارف، والحكومات، ومنظّمات الأمم المتحدة، والشركات الخاصة، وهيئات ترويج الإستثمار، بهدف تعزيز جودة تحليل الجدوى وتحسين كفاءة إتخاذ القرارات الإستثمارية5.
ويتميز COMFAR 4 كذلك بتوافقه مع معايير المحاسبة الدولية (IFRS) المعترف بها عالميًا، بما في ذلك مراعاته لمبادئ التمويل الإسلامي، وهو ما يمنحه أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات المصرفية في الدول العربية، ويعزز قدرته على تلبية متطلبات الأطر التنظيمية والمالية في المنطقة.
يشير تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي، والمستند إلى إستبيان تصوّرات المخاطر العالمية (GRPS) للفترة2025 – 2026 6، إلى أن ديون الحكومات والشركات تمثّل أحد أبرز المخاطر العالمية، والتي يُمكن التخفيف من حدّتها من خلال إعتماد أدوات مالية مناسبة وإدارة مالية رشيدة. ويُبرز هذا الإستنتاج المسؤولية المتزايدة للمؤسسات المالية في تعزيز قدراتها التحليلية وتطوير أطر تقييم الإستثمار لديها.
وفي هذا الإطار، تمكّن أداة COMFAR 4 المصارف من الإرتقاء بقدرتها على تقييم إستدامة الإستثمارات على المدى الطويل، وتحليل القدرة على السداد، وقياس مستويات التعرض للمخاطر، بما يضمن بقاء المشاريع المموّلة قابلة للتمويل مصرفياً وقادرة على الصمود في ظلّ بيئة إقتصادية متغيّرة ومتقلّبة.
أبرز المخاطر التي تعالجها الأدوات المالية (مثل التأمين، وسندات الكوارث، وآليات تجمّع المخاطر العامة) خلال الفترة 2026–2036 الشكل 41:« ما هي المقاربات التي تتوقع أن يكون لها أكبر أثر في تعزيز الحدّ من المخاطر وتعزيز الجاهزية خلال السنوات العشر المقبلة؟».
يُمكّن COMFAR 4 المصارف من إجراء نمذجة مالية متقدمة ودقيقة، تشمل تحليل التدفقات النقدية على المدى الطويل، وتقييم الربحية، وإجراء إختبارات الحساسية ضمن سيناريوهات اقتصادية متعدّدة، بما يعزّز قدرتها على تقييم المخاطر الإئتمانية وضمان الإستدامة المالية للمشاريع.
ولا تقتصر قيمة COMFAR 4 على الجانب التكنولوجي فحسب، بل يدعمه أيضاً برنامج متكامل من التدريب وبناء القدرات تقدّمه منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، والذي مكّن آلاف المتخصّصين حول العالم من تطوير خبراتهم في مجالات التحليل المالي وتقييم المشاريع. وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة بالنسبة إلى المصارف والجهات الرقابية المالية الساعية إلى تعزيز قدراتها التحليلية الداخلية، وتوحيد منهجيات التقييم المالي، والإرتقاء باتساق وجودة عمليات تقييم الاستثمارات.
في المحصّلة، تتمتع المصارف العربية بموقع فريد يؤهلها للإضطلاع بدور تحويلي في تمويل التنمية الإقتصادية ودعم النمو المستدام في المنطقة. غير أن تحقيق هذا الدور يتطلب إعتماد أدوات متقدمة لتحليل الجدوى، قادرة على دعم اتخاذ القرارات المالية الرشيدة وتعزيز فعّالية إدارة المخاطر. وفي هذا الإطار، يوفّر COMFAR 4، بصفته تطبيقاً رقمياً متطوراً قائماً على الويب ومطوّراً من قبل الأمم المتحدة، أداة موثوقة عالمياً تُسهم في تحسين تقييم الإستثمارات، والحد من المخاطر المالية، وتعزيز مصداقية المشاريع الإستثمارية.
ومن خلال دمج COMFAR 4 ضمن أطر الإستثمار والائتمان، يُمكن للمصارف العربية تعزيز إستقرارها المالي، ودعم مسارات التنمية المستدامة، وترسيخ موقعها كمحرّك رئيسي للتحوُّل الإقتصادي في المنطقة العربية وخارجها.
للمزيد من المعلومات حول التدريب وإمكانية الوصول إلى تطبيق COMFAR 4، يُرجى التواصل مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) عبر البريد الإلكتروني:
أبرز المخاطر التي تعالجها الأدوات المالية (مثل التأمين، وسندات الكوارث، وآليات تجمّع المخاطر العامة) خلال الفترة 2026–2036 الشكل 41: «ما هي المقاربات التي تتوقع أن يكون لها أكبر أثر في تعزيز الحدّ من المخاطر وتعزيز الجاهزية خلال السنوات العشر المقبلة؟»7.
- https://docs.un.org/en/A/CONF.227/2025/L.1.
- ArabSDGIndex_2026.pdf
- Error! Hyperlink reference not valid.
- Error! Hyperlink reference not valid.
- Computer Model for Feasibility Analysis and Reporting (COMFAR) – 4th Generation | UNIDO
- WEF_Global_Risks_Report_2026.pdf
- WEF_Global_Risks_Report_2026.pdf
بقلم أربانا غجوني
منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)
