لبنان والحرب وخطر إنفلات التضخّم
تآكل قيمة الأجور وإرتفاع معدّلات الفقر
لم يكن مؤشّر التضخّم السنوي، في لبنان، بأفضل حالاته خلال الربع الأوّل من السنة الراهنة (2026)، فحتّى أواخر كانون الثاني/يناير، كان مؤشّر أسعار المستهلك قد سجّل زيادة سنويّة قاربت حدود 11 % ، ما يمكن إعتباره نسبة مرتفعة ومؤلمة معيشياً، إذا ما أخذنا في الإعتبار ثبات سعر الصرف منذ نحو ثلاث سنوات. فإرتفاع الأسعار بالليرة اللبنانيّة بهذا القدر، رغم الإستقرار النقديّ، أشّر إلى زيادة كلفة الإستهلاك بالعملة المحليّة والدولار على حدٍ سواء، وهذا ما أدّى إلى تآكل القدرة الشرائيّة لجميع الأجور، بما فيها تلك المقوّمة بالعملة الأجنبيّة، أو تلك التي تمّ تصحيحها بالليرة بعد حصول الأزمة.
إلاّ أنّ الحرب الراهنة ستزيد من ثقل هذا العبء المعيشي، نظراً إلى تأثيرها على الضغوط التضخّمية من نواح عدّة، فالبُعد الأوّل التضخُّمي يرتبط بإرتفاع كلفة المحروقات، ربطاً بزيادة سعر برميل النفط في الأسواق العالميّة، وهو ما سيؤثّر على أسعار مختلف أبواب الإنفاق محليًّا. كما ثمّة أبعاد تضخُّميّة أخرى ترتبط بأسعار الإيجارات والسكن، جرّاء أزمة النزوح، وأسعار المواد الغذائيّة، بفعل إرتفاع كلفة الشحن وتراجع الإنتاج المحلّي في المناطق المنكوبة. وتأثير كل بُعد تضخّمي، يرتبط بنسبته من سلّة إستهلاك الأسر اللبنانيّة، كما يظهر في أرقام مؤشّر أسعار المستهلك الذي تُعده إدارة الإحصاء المركزي.
أسعار النفط وكلفة المحروقات
وفق الكاتب علي نور الدين – «المدن»، كان سعر برميل النفط الخام (برنت) قد إرتفع ليتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل، أي ما يشكّل زيادة بنسبة 40 % ، مقارنة بأسعار ما قبل الحرب. ورغم كل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي حاولت تهدئة مخاوف الأسواق العالميّة، ما زالت أسعار النفط تشهد إضطرابات يوميّة على وقع أخبار وقف إنتاج وشحن النفط في منطقة الخليج العربي. علماً أنّ جميع المحاولات الأميركيّة لم تفلح حتّى اللحظة في ضبط منطقة مضيق هرمز، وتأمين شحن النفط في تلك المنطقة، ولا في تحييد منشآت إستخراج وإنتاج وتكرير النفط في الدول العربيّة عن الضربات الإيرانيّة. وبهذا المعنى، ستظل مسألة أسعار النفط عاملاً ضاغطاً على جميع اقتصادات العالم، حتّى نهاية الحرب.
قبل حصول التصعيد الأخير، كانت كلفة التنقّل في لبنان، التي تعكس تحوّلات أسعار النفط، قد سجّلت إنخفاضًا سنوياً لغاية كانون الثاني/يناير بنسبة 0.71 % ، ويُتوقّع حتماً أن تشهد هذه النسبة زيادة كبيرة، بالتناسب مع الزيادة في أسعار النفط العالميّة. أمّا تأثير هذه الزيادة تحديداً على نسبة التضخّم الإجماليّة، فترتبط بحصّة كلفة التنقّل من سلّة الاستهلاك الإجماليّة لكل أسرة، وهي تقارب حاليّا مستوى 13.1 % . وبهذا الشكل، من البديهي أن ترتفع نسبة التضخّم الإجماليّة بنسبة تراوح بين 4 و5 % ، إذا واظبت أسعار النفط على تسجيل إرتفاعات تتجاوز 40 % مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
في المحصّلة، يقع المواطن اللبناني ضحية الضغوط التضخّمية نتيجة المزيد من الإرتفاعات في معدّلات الفقر، جرّاء عجز الأسر عن تأمين المستلزمات الأساسيّة (السكن، المواد الغذائية الضرورية، النقل، الطبابة، التأمين وسائر مستلزمات العيش). كما ستُضاف هذه الضغوط إلى النتائج الأخرى التي ستتركها الحرب، مثل إرتفاع معدّلات البطالة وتراجع النشاط الإقتصادي وإنخفاض مستوى الإنتاج. وجميع هذه التطوّرات، ستؤدّي في النهاية إلى تعميق الفجوات الإجتماعيّة القائمة أصلاً، وهذا ما يفرض البحث عن السياسات العامّة المطلوبة للإستجابة لهذه الأزمة.
