نهاية عام محفوفة بالمخاطر من أسواق المال إلى الاقتصادات الكبرى:
ماذا لو صحّت تحذيرات صندوق النقد والبنوك الأميركية
على بعد أسابيع من نهاية العام، تراوحت تحذيرات البنوك الأميركية الكبرى بين الخوف من فقاعة وشيكة في أسواق المال لتصحيح المسار التصاعدي بعد طفرة شهدتها أسهم التكنولوجيا، وتحذير من تباطؤ النمو في الاقتصاد الأميركي الذي كعادته يُنظر إليه كمنارة تتبعها السفن الضالّة عن البر. وفي الحالتين، فإن الأمور قد لا تبشّر بالخير وستنعكس سلباً على أداء العام القادم قبل حلوله، وتعيدنا بالذاكرة لعشية فقاعة التكنولوجيا عام 2000، والعقارات عام 2008، وكل ذلك تغذّيه حرب الرسوم الجمركية الأميركية – العالمية.
أضف إلى ذلك، لم تخفِ مؤسسات مالية نقدية كبرى، كصندوق النقد الدولي، خشيتها حيال اقتصاد الإتحاد الأوروبي وعلى رأسه الألماني قائد منطقة اليورو والذي يتعرّض للإهتزاز والهزيمة هذه الأيام.
أما الاقتصاد الصيني الثاني عالمياً ورافعة الاقتصادات الناشئة، فقد ينزلق نموُّه نهاية العام بعدما تراجع بين الفصلين الثاني والثالث متأثراً بأكبر أزمة عقارات في البلاد. وبالنسبة لليابان فها هي الحكومة تكافح لتفادي الانزلاق تحت الصفر كما حصل لها عام 2023.
هذا المشهد من عدم اليقين المالي والاقتصادي والتجاري غير المسبوق، يضاف إليه العامل الجيوسياسي المتوتر في الشرق الأوسط، عوامل تدفع بالاقتصاد العالمي للتأرجح بين تباطؤ وخطر التصعيد، كما ساهمت حرب الرسوم الجمركية في العام 2025 في رسم مشهد اقتصادي غير متوقع للفترة 2025 – 2026.
البداية من المشهد الأميركي
مع توقُّع اقتصاديين في كبرى البنوك الأميركية تباطؤاً في النمو لهذا العام والعام 2026، مع تزايد مخاطر الركود في حال استمرار فرض الرسوم الجمركية على الواردات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الهش أصلاً مع توقع بلوغ النمو السنوي معدل 2.1 % نهاية عام 2025 وللعام 2026 بعدما سجل 2.8 % العام 2024.
وحذّرت اللجنة الإستشارية الاقتصادية التابعة لجمعية الأميركيين American Bankers Association – ABA والمؤلفة من 16 اقتصادياً من المؤسسات المالية الأميركية الرائدة، في وقت سابق من هذا العام، من أن الأداء قد لا يرقى إلى مستوى التوقعات لعام 2025. وبحسب هؤلاء الخبراء المصرفيين فإن الزيادات الأخيرة في رسوم الاستيراد، ورغم التوصل لإتفاقيات مع عدد من شركاء أميركا التجاريين، وما تبعها من تعديلات متعددة، أدّت إلى بث حالة من عدم اليقين في الأسواق المالية وبين الشركات. وقد أدّت هذه التوترات التجارية، إلى جانب سياسات تعريفات متقلبة، إلى توقعات نمو متقلبة. حالة عدم اليقين التي يتحدث عنها الخبراء هنا والتراجع المرتقب لمعدلات النمو هي نتيجة عدم اليقين حال الطلب والبيئة الماكرو اقتصادية العامة، بعدما كان الطلب سيّد الموقف عام 2024 والمحرك الرئيسي لمعدل النمو الاقتصادي. فزيادة الرسوم مؤشر إلى زيادة التضخم، وبالتالي تراجع الطلب على السلع المستوردة غالية الثمن.
في الوقت ذاته، أدّت المخاطر المرتبطة بسوق الوظائف إلى تفاقم المشهد، كما تسببت سياسات الفيدرالي بالنسبة للفائدة المصرفية بحالة إرتباك في الأسواق التي باتت تبحث عن استثمار مربح وأكيد في ظل تأرجح معدلات الفائدة وموجة تخفيض تماشياً مع الواقع، وتحديداً مع مستويات التضخم. وهنا اعتبر الخبراء المصرفيون في جمعية (ABA) أن الاحتياطي الفيدرالي سيواجه تحديات كبيرة في إعادة التضخم إلى هدفه عند 2 %، حيث قد تكون قدرة المستهلكين على استيعاب زيادة الأسعار محدودة بسبب انخفاض مستوى المدّخرات بالبنوك مقارنة بفترة ما بعد جائحة الكوفيد. وتشير اللجنة إلى أنه في حين يظل النمو إيجابياً، فإن المخاطر لعام 2025 وما بعده لا تزال كبيرة، لا سيما إذا فشلت الاتفاقيات التجارية المبرمة بين أميركا وشركائها بعد بداية موسم رسوم جمركية مرعبة وعالية جداً بدأ مطلع العام، وكلما زادت مدة بقاء التعريفات سارية، زاد خطر الركود.
في تحذير آخر لافت، ألمحت بنوك وول ستريت الكبرى لإحتمالية تصحيح وشيك في أسواق المال قد يهبط بالقيمة السوقية للأسهم قد تصل إلى نسبة 20 %، ودعت مؤسسات مثل «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» المستثمرين ليستعدوا لهذا التصحيح من الآن وحتى العام المقبل بعد موجة الصعود القوية التي شهدتها البورصات منذ مطلع العام، ولا سيما أسهم سوق التنكولوجيا والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك لم تشر هذه البنوك إلى أزمة بقدر ما يكون الأمر مؤشراً صحياً، علماً أنه سيتسبب بخسائر لصغار حملة الأسهم. وهنا بالذات قال الرئيس التنفيذي لغولدمان ساكس (ديفيد سولومون): إن نصيحة البنك الدائمة لعملائه هي الاستمرار في الإستثمار مع إعادة موازنة المحافظ المالية بدلاً من محاولة توقيف السوق. من جهته قال (تيد بيك) الرئيس التنفيذي لـ«مورغان ستانلي»: «علينا أن نرحّب بإمكانية حدوث تصحيحات حادة في الأسواق قد تصل إلى 20 % طالما أنها لا تنتج عن عوامل اقتصادية كبرى أو انهيارات مفاجئة».
تحذيرات غولدمان ساكس ومورغان ستانلي والتي تقول في الوقت ذاته إنه لا داعي للهلع لكن علينا التنبّه، جاءت بعد تحذيرات أكثر تشاؤماً من قبل رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ومحافظ بنك إنكلترا أندرو بيلي من تضخم تقييمات الأسهم عالمياً.
صندوق النقد الدولي يدخل على الخط ويحذّر
لم تقتصر التحذيرات بشأن تصحيح محتمل في أسواق المال على المصرفين، بل جاءت أيضاً من أكبر مؤسسة نقدية في العالم، حيث حذّر صندوق النقد الدولي في أكتوبر الماضي من خطر تصحيح مفاجىء في البورصات العالمية، لا سيما أن التقدم الحاصل في تقنية الذكاء الاصطناعي وإدراج أسهم الشركات التي تقف وراء هذه التقنية الجديدة والمثيرة للجدل في الأسواق، قد يدفع نحو مستويات فقاعة «دوت كوم» كما حصل مطلع الألفية الثالثة.
مديرة الصندوق «كريستالينا جورجيفا» حذّرت من تحوّل فجائي في إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية قد يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي. وقالت: «تتجه التقييمات اليوم نحو المستويات التي شهدناها خلال التفاؤل بشأن الإنترنت قبل 25 عاماً».
فالذكاء الاصطناعي والتفاؤل حياله أثار الأسواق وساهم في دعم الاقتصاد العالمي، لكن أي تصحيح حاد في أسعار الأسهم قد يبطئ الاقتصاد العالمي ويؤثر بالتالي على الاقتصادات النامية.
وتتزايد المخاوف من فقاعة مالية، حيث شهد مؤشر ستاندرد أند بورز 500 القياسي مؤخراً ارتفاعاً صاروخياً، ليصل مراراً إلى مستويات تذكرنا بالعام 2000، وأثَّر مؤشر التكنولوجيا هذا بشكل كبير على بورصة نازداك، حيث عانت أسهم الذكاء الاصطناعي من أشد الإنخفاضات. إلى جانب هذا الواقع أدّى الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة بين أكتوبر ونوفمبر العام 2025 ولمدة ستة أسابيع (أكبر فترة في تاريخ البلاد) إلى إعادة تموضع الاقتصادات الكبرى الأخرى في العالم، بعدما تسبب الإغلاق بالأذى لعدة قطاعات حساسة في أميركا وتوقف التمويل عن قطاع الصحة وعن مساعدات غذائية للفقراء وإعانات أخرى، كما تسبب بتسريح لموظفين حكوميين. فنتيجة لخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين على الموازنة الجديدة فشل التصويت لصالح الموازنة ودخلت البلاد في ما يسمى بالإغلاق الحكومي قبل التوصل إلى إتفاق مؤقت يمدد العمل حتى نهاية 2025. ويأخذ الديمقراطيون المعارضون على السلطات أنها تريد أن تمرّر موازنة لا تأخذ بعين الاعتبار عجز الموازنة في الولايات المتحدة وحجم ديون يفوق الـ37 ألف مليار دولار.
هذا الإغلاق الحكومي بحسب مفوض الخزانة الأميركية، كلّف الولايات المتحدة أسبوعياً 15 مليار دولار ما يعادل 0.2 % من الناتج المحلي الأميركي. وعلى الرغم من التوصل لإتفاق مبدئي ومؤقت سيترك هذا الإغلاق أثراً على المواطنين الأميركيين وكذلك على الشركات والأسواق التي أصبحت قلقة من وضع اقتصادي غير مستقر ينعكس على الثقة بالدولة.
أمام حالة عدم اليقين وتحذير المؤسسات، البنوك الأميركية في أفضل أحوالها لمواجهة ركود محتمل
أظهرت نتائج اختبارات الضغط السنوية الصيف الماضي والتي أجراها الاحتياطي الفيدرالي، قدرة البنوك الأميركية على الصمود في وجه ركود حاد في الولايات المتحدة يحذّر منه خبراء مال ومصارف. وأفاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي في بيان أن نتائج اختبارات الضغط (Stress Test) السنوية للبنوك، «أظهرت أن البنوك الكبرى في وضع جيّد لتحمّل ركود اقتصادي حاد والبقاء فوق الحدّ الأدنى لمتطلبات رأس المال».
بنوك مثل سيتي غروب، جي. بي. مورغان وبنك أوف أميركا وأكثر من عشرين من البنوك الأميركية الأخرى «تمتلك، بحسب بيان الفيدرالي، رأس مال كافٍ لامتصاص خسائر في الاقتصاد الوطني يزيد حجمها عن 550 مليار دولار، وبإمكانها بالتالي مواصلة إقراض الأُسر والشركات في ظل ظروف ضغط افتراضية».
وتم الاختبار للبنوك الأميركية على أساس السيناريو التالي: ركود اقتصادي عالمي، مع انخفاض أسعار العقارات التجارية بنسبة 30 %، وانخفاض في أسعار العقارات السكنية بنسبة 33 %، وارتفاع لمعدلات البطالة إلى ما يقرب من 10 %. وقد طبقت اختبارات الضغط بموجب قانون «دود – فرانك» الذي اعتُمد بعد الأزمة المالية عام 2008.
دور الرئاسة الأميركية في دعم المصارف في الولايات المتحدة
بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً إعداد خطّة شاملة لتخفيف القيود التنظيمية على القطاع المصرفي الأميركي تتمثل بتحرير ما يعادل 16 % من أصول البنوك العاملة في البلاد من القدرة على الإقراض، وذلك يدخل في إطار إصلاحات اقترحتها الإدارة الأميركية مطلع الصيف الماضي في وقت تهيمن البنوك الأميركية إلى حدٍ كبير على التمويل العالمي. وبحسب خطة ترامب المصرفية، من المتوقع أن تستفيد البنوك الأميركية من قواعد أكثر مرونة فيما يتعلق بمتطلبات رأس المال التي تضعها «لجنة بازل 3». وحتى الآن، كان مطلوباً من أكبر ثمانية بنوك أميركية الاحتفاظ برأس مال أسهم يعادل 5 % على الأقل من إجمالي ديونها، وهو ما يسمّى «نسبة الرفع المالي التكميلي أو SLR- Supplementary Leverage Ratio، وهي احتياطي رأس مال يهدف إلى امتصاص الخسائر المحتملة. وصُمّمت القواعد الأميركية، بحسب قانون «دود – فرانك» التي وضعت بعد أزمة 2008، التي هزّت قواعد أميركا المصرفية، لضمان قدرة البنوك على تحمّل الصدمات المالية المستقبلية من دون الحاجة إلى الاعتماد على دافعي الضرائب. أما بالنسبة لبقية أنحاء العالم، فتشترط المعايير رأس مال لا يتجاوز بين 3.5 % و4.25 % من حقوق الملكية، فيما تتطلب المعايير الجديدة المعروفة بـ«بازل 3» رأس مال أكبر بكثير من اللوائح الأميركية القادمة. ومن المرتقب بحسب خطة ترامب المصرفية أن يتم تحرير القيود بحجم 2600 مليار دولار من سعة الإقراض الإضافية، حسب تقديرات شركة «الفاريز ومارسال» الاستشارية. وهذا الحجم يعادل تماماً الـ16 % التي يسعى الرئيس الأميركي لتحريرها من إجمالي أصول البنوك الأميركية مما يسمح لها بالإستثمار بكثافة في الذكاء الاصطناعي أو مراكز البيانات أو البنية التحتية للطاقة. ومن شأن هذه الخطة الرئاسية الأميركية أن تحمي القيمة السوقية لشركات الذكاء الاصطناعي في سوق المال والمهدّدة بفقاعة، كما تحذر المؤسسات المالية والنقدية العالمية.
ماذا عن الإتحاد الأوروبي في سيناريو 2025 – 2026؟
الإتحاد الأوروبي ما زال يحصد تداعيات النزاع الروسي الأوكراني، الذي انعكس سلباً على حركة تجارة الطاقة لا سيما إمدادات الغاز لأوروبا ومساعدات مالية كبيرة جداً من الاتحاد لهذا البلد، كما أنه لا زال يعاني من مشاكل هيكلية داخلية وأيضاً من تداعيات رسوم التجارة الأميركية باستثناء بعض الاقتصادات في منطقة اليورو التي شهدت معجزة كالاقتصاد الفرنسي الذي يعبر مطبات ديون وعجز موازنة واعتماد موازنة للعام 2026. وهذه الأخيرة تسببت مؤخراً بالإطاحة بحكومتين. ومع ذلك سجل الاقتصاد الفرنسي نمواً في الفصل الثالث من هذا العام قارب 0.5 % بعد أزمة نمو متقلب. النمو الفرنسي في الفصل الثالث كان منارة للنمو في منطقة اليورو وبنسبة 0.2 % في الفترة ذاتها. وتوقع البنك المركزي الفرنسي أن يسجل الاقتصاد الوطني نسبة 0.7 % للعام 2025 ونسبة 0.9 % للعام 2026. فالاقتصاد الفرنسي أظهر تماسكاً صلباً في الآونة الأخيرة مدعوماً بحركة الاستهلاك رغم عجزي الموازنة والمديونية كالعديد من دول منطقة اليورو، ولا سيما ايطاليا وإسبانيا في المرتبتين الثالثة والرابعة على التوالي.
إقتصاد ألمانيا يبحث عن سترة نجاة
إذا كانت فرنسا الثانية في منطقة اليورو، حيث سجلت حالة إستثنائية في الفصل الثالث من العام 2025، إلا أن الاقتصاد الألماني الأول والذي اعتاد أن يكون قاطرة اقتصادات اليورو، يعاني من ضعف الرؤية في العام 2025 بعد فترة ركود ضربت الاقتصاد عامي 2023 و 2024.
وتشير التوقعات إلى نمو ضعيف في العام 2025 بسبب ضعف الأداء الصناعي وتضخيم موازنة الدفاع أمام التهديد الروسي لأوروبا بعد غزو أوكرانيا.
أضف إلى ذلك، تخطّت البطالة حاجز الثلاثة ملايين عاطل عن العمل وبلغت نسبة 6.4 % من اليد العاملة في أعلى نسبة لم تشهدها ألمانيا منذ العام 2015، لا سيما أن هذا الاقتصاد لم يعرف مطبات ومصاعب منذ نحو ثلاثة عقود. فالقطاعات الحيوية في ألمانيا أمام تحديات كبيرة مثل قطاع الطيران وشطب آلاف الوظائف من اليوم ولغاية عام 2030 في شركة لوفتهانزا، وشطب أكثر من 13 ألف وظيفة في شركة بوش وكذلك الأمر في شركة فورد. أضف إلى ذلك، كلفة مواد المحروقات المرتفعة للاستهلاك نتيجة تداعيات الحرب في أوكرانيا والتي تضغط على الصناعة الألمانية الأولى في المنطقة، كما تعاني السلع الألمانية من منافسة حادة تمثلها السلع الصينية ولا سيما في مجال التكنولوجيا ومؤخراً تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية.. واللائحة تطول.
إنطلاقاً من هذا الواقع، بدأت الحكومة الألمانية العمل على خطط إنفاق منقّحة للعام 2026 تتضمن ديوناً أعلى مما كان متوقعاً في الأصل، والقيام بإستثمارات ضخمة ليستعيد الاقتصاد الألماني ثقة الداخل والخارج بقوته وصلابته، لا سيما أنه أزاح الاقتصاد الياباني من المرتبة الثالثة عالمياً ليحلّ مكانه بعد أميركا والصين. فالاقتصاد الألماني الأقرب بالمنطقة لمعايير ماستريخت الأوروبية، فهو يسجل نسبة ديون تساوي حوالي 63 % من الناتج المحلي، ونسبة عجز موازنة بـ2.5 % من الناتج (ماستريخت تنص على عدم تخطي الديون نسبة 60 % من الناتج ونسبة 3 % من عجز الموازنة) مقارنة مع فرنسا التي سجلت حجم ديون يفوق 110 % من الناتج ونسبة عجز موازنة يفوق 5 % من الناتج الفرنسي.
فخطة الإنفاق المنقحة للعام القادم التي تعمل عليها الحكومة الألمانية تجعل من إنعاش الاقتصاد الوطني أولوية بعد عامين من الركود وتركّز على الجانب الصناعي، حيث تجعل من دعم أسعار الطاقة للاستخدام الصناعي أولوية وتهدف لتخفيض الأسعار لصناعات مثل إنتاج المواد الكيميائية والصلب. كما تهدف الخطة الحكومية الألمانية طمأنة الجهات المالية العالمية القلقة حيال اقتصاد أوروبا الذي يقوده الاقتصاد الألماني.
صندوق النقد الدولي قلق حيال الاقتصاد الأوروبي
المشهد الاقتصادي الأوروبي الذي عرف ركوداً في العامين الماضيين دفع بصندوق النقد الدولي لدعوة الإتحاد الأوروبي للقيام بإصلاحات تهدف إلى تحسين قوة عاملة أكثر قدرة على التنقّل، وتجارة أكثر سلاسة داخل الإتحاد لتعزيز الإنتاجية والنمو في أوروبا، لا سيما أنهما يشهدان تراجعاً مقارنة بما تشهده أميركا.
ألفرد كامر مدير المنطقة الأوروبية في صندوق النقد، اعتبر أن «أوروبا تتجه نحو مسار نمو بطيء وضعيف على المدى المتوسط، ومع ذلك هذا ليس أمراً حتمياً» مؤكداً أن «أوروبا لديها المواهب والتكنولوجيا والمدّخرات اللازمة لتحقيق نمو أسرع» مشيراً إلى أن «هذه الموارد لا يتم استخدامها بكامل إمكاناتها».
وفي حين يتوقع الصندوق نمواً لأوروبا بنسبة 1.2 % هذا العام وبنسبة 1.1 % للعام 2026، اعتبر صندوق النقد أن خفض الحواجز الحدودية داخل الاتحاد وأمام تنقل اليد العاملة إلى مستوى مماثل لما تشهده أميركا، من شأنه أن يزيد الإنتاجية الأوروبية بنسبة تفوق 20 %.
الديون الأوروبية في مرمى المخاطر
صندوق النقد الدولي وفي مذكرته الصادرة في 4 نوفمبر عام 2025، أوضح أن مستوى الديون في أوروبا معرّض لخطر «الإنفجار» إذا لم تطبق إصلاحات في قطاعي العمالة والأعمال، وإذا لم يُخفض العجز من خلال زيادة الإيرادات الضريبية، والحد من الإنفاق الإجتماعي، وتحسين كفاءة الحكومات.
صندوق النقد لم يخفِ قلقه العميق ليحذّر أيضاً من أن مستوى ديون أوروبا قد يتضاعف العام 2040 ليصل إلى 130 % من الناتج المحلي مقارنة مع نسبة أوروبية بـ60 % مسموح بها وحددتها بروكسل. وقال الصندوق إن حجم ديون أوروبا أصبح الآن مرتفعاً لدرجة أنه حتى مع الإصلاحات السريعة، «قد يكون من الحتمي إعادة تقييم دور الحكومات في بعض البلدان».
الإصلاحات التي يراها صندوق النقد ضرورية في أوروبا ولا مفر منها، يجب على الحكومات أن تناقشها من أجل أن يدوم النموذج الأوروبي. وبحسب صندوق النقد، فقد تسعى حكومات الإتحاد الأوروبي للتمييز بين ما هو إصلاح لخدمات أساسية وفي مجالات رئيسية مثل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والتعليم مع بقاء الخدمات الأساسية فقط مموّلة من القطاع العام ومجانية. وفي الوقت ذاته يتوقع صندوق النقد أن تواجه هذه الإصلاحات حساسية شعبية.
ويقر مدير القسم الأوروبي لصندوق النقد الدولي بأن بعض شرائح السكان الأوروبيين قد ترى الإصلاحات المقترحة «مؤلمة» لكن من الضروري «مواجهة هذا الألم».
في الختام،لا شك أن التطورات الاقتصادية والتجارية التي شهدها العام 2025 أعادت خلط الأوراق ورسمت واقعاً اقتصادياُ بتوازنات جديدة عزّزت من بعض الاقتصادات، ونالت من بعضها الآخر مع واقع تجاري جديد وواقع تكنولوجي جديد الهدف منه توفير التبسيط والسهولة في الإنتاج وبسرعة تتعدى الفترة التي يحتاجها المستثمر للتفكير بمشروعه وبمدى نجاحه. أمام هذا المشهد تحاول البنوك العمل على رصّ الصفوف وتركيز نشاطها على سياسات التمويل والإقراض.
وكل ذلك يضعنا في صورة مترابطة، إذا تداعى أحدُ عناصرها جرّ معه الآخرين إلى حيث حذّرت البنوك والمؤسسات المالية الكبرى.
مازن حمود – محلل اقتصادي ومالي/ باريس
