جلسات مؤتمر «الحوار المصرفي العربي – الأميركي» في دورته الـ 12 في نيويورك
ناقشت تعزيز الإمتثال المالي في ظل المشهد العالمي سريع التطوّر
تناولت الجلسات الثلاث لمؤتمر «الحوار المصرفي العربي – الأميركي» في دورته الـ 12 تحت شعار «تعزيز الإمتثال المالي في ظل المشهد العالمي سريع التطوّر»، جوانب الإمتثال والتعاون المالي، بمشاركة كبار المسؤولين الأميركيين، والجهات التنظيمية العربية، والخبراء الدوليين، وقادة القطاع الخاص، مما أتاح تبادلاً ثرياً لوجهات النظر.
الجلسة الأولى
«تعزيز وتحديث برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في المؤسسات المالية»
ركّزت الجلسة الأولى، التي أدارها الدكتور شهدان جبيلي، كبير المستشارين في إتحاد المصارف العربية، على كيفية تعزيز البنوك لأطر عملها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في ضوء اللوائح الجديدة والمخاطر الناشئة.
وقد إفتتح السيد شون أومالي، المدير الإداري ورئيس وحدة الإستخبارات المالية والتحقيقات في بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الجلسة بنظرة عامة شيقة وإستشرافية حول كيفية إعادة تشكيل أولويات التنظيم الأميركي المتطوّرة وإتجاهات الإستخبارات المالية العالمية لمشهد الإمتثال.
وقد ضمّت الجلسة الأولى متحدّثين من مؤسسات أميركية ومن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من بينهم خبراء الإمتثال المخضرمين مثل تشيب بونسي (K2 Integrity)، وجاكلين شاير (بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك)، والدكتور مازن سويد (رئيس لجنة الرقابة على المصارف في لبنان)، والسيد سمير بانديت، المدير العام/ رئيس قسم الإمتثال – خدمات الخزانة، وإدارة العملاء العالميين وخدمات الإئتمان، بنك نيويورك، وجمال الهندي، المستشار، شركة كليفورد تشانس يو إس إل إل بي، المدير بالإنابة السابق لشبكة مكافحة الجرائم المالية، وزارة الخزانة الأميركية، والسيد ميتش بيرغر، الشريك الأول، سكوير باتون بوغز.
كان التركيز الرئيسي في الجلسة على «ما هو الجديد» في برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الأمريكية وكيف تؤثر هذه التطورات على البنوك في الخارج. على سبيل المثال، بحثت الجلسة في التقديم الأخير لأولويات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الوطنية الأميركية (كما حدّدتها شبكة مكافحة الجرائم المالية في العام 2024) وإستراتيجيات البنوك لدمج هذه الأولويات في أطر تقييم المخاطر المؤسسية الخاصة بها. ويتضمن ذلك مواءمة نماذج المخاطر الداخلية مع المجالات التي أبرزتها الجهات التنظيمية (مثل مكافحة الجرائم الإلكترونية، وتمويل الإرهاب، والاحتيال، والفساد، وما إلى ذلك) وضمان إنسجام حوكمة مجلس الإدارة مع هذه الأولويات الوطنية.
وبناءً على ذلك، ناقش المشاركون تطوير مناهج الإمتثال القائمة على المخاطر لجعل جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أكثر فعّالية. ويستلزم ذلك تجاوز عقلية وضع علامة صح في المربع وإستخدام أساليب قائمة على البيانات لتخصيص موارد الإمتثال حيث تكون المخاطر أعلى.
وأكدت الجلسة أهمية ترسيخ حوكمة ورقابة قوية على مستوى مجلس الإدارة والإدارة العليا بحيث تُدمج إعتبارات الإمتثال في عملية صنع القرار الاستراتيجي. ومن خلال تعزيز «النهج في القمّة»، يُمكن للمؤسسات المالية أن تُزرع بشكل أفضل ثقافة إمتثال إستباقية بدلاً من رد الفعل.
وكان أحد الموضوعات الرئيسية الأخرى في الجلسة الأولى هو تحدّيات الإمتثال التي تواجه البنوك العربية، وخصوصاً تلك التي تعمل في أو مع ولايات قضائية عالية المخاطر.
وتطرّق النقاش إلى الوضع الحالي للإمتثال التنظيمي في دول مثل العراق وسوريا، مع الإعتراف بالتقدم والصعوبات المستمرة، وقدم تحديثًا حول أنظمة العقوبات العالمية التي تؤثر على المنطقة.
وأشار المشاركون إلى أن البنوك في الأسواق المتأثرة بالصراعات أو ما بعد الصراعات غالباً ما تواجه عقبات فريدة، منها فجوات في البنية التحتية، وضعف في بيئات الرقابة، وإرث العقوبات أو العزلة السابقة.
وناقش المتحدثون، من منظورين أميركي وإقليمي، الحاجة إلى بناء قدرات مصممة خصّيصاً في مثل هذه السياقات، مؤكدين أن تحديث برامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ليس مسعى واحداً يناسب الجميع؛ بل يتطلّب مراعاة الظروف المحلية حتى في ظل سعي البنوك جاهدةً لتلبية المعايير الدولية.
وفي ختام الجلسة الأولى، كان هناك إجماع عام على أن التحسين والتحديث المستمر لبرامج الإمتثال، من خلال الإبتكار وتدريب الموظفين والمشاركة التنظيمية، أمر لا غنى عنه للبنوك للحفاظ على مرونتها وإندماجها بثقة في النظام المالي العالمي.
الجلسة الثانية
«حماية الوصول إلى الخدمات المصرفية المراسلة تزايد توقعات الامتثال والتحديات الناشئة»
تناولت الجلسة الثانية التوازن الدقيق بين متطلّبات الإمتثال الصارمة وضرورة الحفاظ على علاقات مصرفية مراسلة سليمة. أدار الجلسة السيد شهدان جبيلي، المستشار الدولي الأول للشؤون القانونية والإمتثال في إتحاد المصارف العربية وجمعية مصارف لبنان، وقد جمعت خبراء بارزين يتعاملون بشكل مباشر مع مخاطر الخدمات المصرفية المراسلة والجرائم المالية.
وضمّت الجلسة الثانية قائمة المتحدّثين البارزين السيد رشيد نسيم، مدير إدارة المخاطر ورئيس إدارة المخاطر المتخصصة في مجموعة الأسواق، بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك؛ والسيدة ميريام خيرالله، الخبيرة في فريق الرصد 1267/1988، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ والسيدة سارة ك. رونجي، المديرة التنفيذية لشركة K2 Integrity والرئيسة السابقة لمجموعة العمل المالي التابعة لوزارة الخزانة الأميركية؛ والسيد ديفيد ويلدنر، الرئيس العالمي لمكافحة غسل الأموال ونائب الرئيس العالمي لبنك نيويورك ميلون، السيد أرز المر، خبير أول في القطاع المالي، صندوق النقد الدولي، الولايات المتحدة؛ والسيد مايكل ماتوسيان، الرئيس العالمي للإمتثال التنظيمي للمجموعة، مجموعة البنك العربي.
وكان من المواضيع الرئيسية تلبية متطلّبات البنوك المراسلة المتطوّرة من خلال الشفافية والحوار. وقد خضعت الخدمات المصرفية المراسلة، شريان الحياة للمدفوعات عبر الحدود، لتدقيق مكثّف في السنوات الأخيرة، حيث يتوقع المراسلون (غالباً بنوك أميركية أو أوروبية كبيرة) معايير أعلى للعناية الواجبة، وشفافية العملاء، وإدارة المخاطر من شركائهم من البنوك المراسلة.
وشددت الجلسة الثانية على ضرورة تفاعل البنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنشاط مع مراسليها الأجانب، وإظهار تحديثات إمتثالها بوضوح، وتبادل المعلومات لبناء الثقة المتبادلة. ويُمكن لخطوط التواصل المفتوحة أن تساعد في منع سوء الفهم وإستباق مخاوف المخاطر التي تؤدي إلى قرارات «تخفيف المخاطر». والأهم من ذلك، أن للجهات التنظيمية دوراً في تسهيل هذا الحوار المستمر وتشجيع النهج المتناسب بحيث لا تُعزل ولايات قضائية أو قطاعات بأكملها بشكل غير عادل عن النظام الدولي.
ولمعالجة ضغوط تخفيف المخاطر بشكل أكبر، إستكشف النقاش الخطوات العملية التي تتخذها البنوك والسلطات. ومن التطورات الإيجابية التي لوحظت موجة الإصلاحات التنظيمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تهدف إلى تعزيز حوكمة الشركات وإنفاذها داخل البنوك المحلية.
على سبيل المثال، وكما ذُكر في الكلمات الإفتتاحية، نفّذت دول مثل الإمارات العربية المتحدة والأردن تحسينات جذرية على أطرها القانونية وأنظمتها الرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي خطوات حظيت بإعتراف دولي (على سبيل المثال، من خلال رفعها من قوائم مراقبة مجموعة العمل المالي).
ورأى المشاركون بأن هذا التقدم يُسهم في طمأنة الشركاء العالميين بإلتزام بنوك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعايير الدولية. ومع ذلك، أقرّوا بأن تصوّرات المخاطر قد لا ترقى إلى مستوى الواقع، وبالتالي، فإن المشاركة المستمرة ووجود أدلّة على التحسُّن أمران ضروريان لتخفيف مخاوف المراسلين بشكل حقيقي.
كما إستكشفت الجلسة الثانية التمويل غير الرسمي والقنوات المالية غير المصرفية كتحدّيات ناشئة متشابكة مع مشكلة المراسلين. غالبًا ما تواجه البنوك تدقيقاً مشدّداً، ويرجع ذلك جزئياً إلى المخاطر في النظام المالي المحيط بها، وخصوصاً في الإقتصادات التي تعتمد في الغالب على النقد.
وأشارت الجلسة الثانية إلى إنتشار المعاملات النقدية وشبكات تحويل الأموال غير الرسمية في العديد من أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باعتبارها «مضاعفًا لمخاطر الإمتثال»، فعندما تعمل قطاعات كبيرة من الإقتصاد خارج نطاق رؤية القطاع المصرفي، فإن ذلك يزيد من المخاطر الإجمالية وقد يردع المراسلين.
وبالمثل، فإن صعود مقدّمي الخدمات المالية (MSPs) وأنظمة الصيرفة الموازية يمثل سلاحاً ذي حدّين. فمن ناحية، يُمكن لهذه البدائل (بما في ذلك مقدّمي خدمات التحويلات المالية عبر التكنولوجيا المالية، ومكاتب الصرافة، وغيرها من الكيانات غير المصرفية) أن تساعد في تلبية إحتياجات الدفع، لا سيما في الحالات التي قلصت فيها البنوك أنشطتها. ومن ناحية أخرى، إذا لم تُنظَّم بشكل صحيح، فقد تصبح قنوات للتمويل غير المشروع أو التهرب من العقوبات، مما يزيد من قلق البنوك المراسلة. وقد ردّد الخبراء ملاحظات الدكتور فتوح السابقة: فبينما تنمو هذه القنوات البديلة، من الضروري إشراكها في المجال التنظيمي. وستساعد الأطر التنظيمية الواضحة والإشراف على مقدمي الخدمات المالية وشركات التكنولوجيا المالية وأنظمة تحويل القيمة غير الرسمية على ضمان ألاّ يأتي الإبتكار على حساب النزاهة المالية.
وفي الواقع، لاحظت الجلسة الثانية أن الفشل في السيطرة على المخاطر في هذه المجالات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بالبنوك من خلال دفع المراسلين إلى الإنسحاب بشكل أكبر.
في الخلاصة، أكدت الجلسة الثانية على أن حماية وصول المراسلين تتطلّب جهداً متعدّد الجوانب. فالشفافية، وتحسين ضوابط الإمتثال، والتواصل المستمر هي الأدوات الفورية التي تُمكّن البنوك من الحفاظ على علاقات المراسلة وإستعادتها. وفي الوقت نفسه، يجب على الجهات التنظيمية تعزيز البيئة المصرفية المحلية، من خلال حوكمة أقوى، وتطبيق، ورقابة على جميع الوسطاء الماليين، حتى يكتسب الشركاء الدوليون ثقة في النظام ككل. ومن خلال معالجة كل من الإمتثال الداخلي للبنوك ومخاطر النظام البيئي الخارجي، يتمثل الهدف في الحد من عمليات تخفيف المخاطر العشوائية والحفاظ على الروابط المالية الحيوية التي تدعم التجارة والتحويلات المالية والإستثمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
للمزيد متابعة الرابط الإلكترني:
