دافوس «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الإقتصاد العالمي الجديد
وزير المالية السعودي محمد الجدعان: الإستقرار «مرساة» لمواجهة الغموض
جاء إجتماع قادة من الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية في العالم، في إطار المنتدى الإقتصادي العالمي، الذي إنعقد على مدار 5 أيام (ما بين 19 و23 يناير/كانون الثاني 2026)، في منتجع دافوس في جبال الألب السويسرية، مؤشراً غير مسبوق لمناقشة التحدّيات العالمية والأولويات المستقبلية، في ظل إضطرابات جيوسياسية متفاقمة، تشمل إستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، وتزايد المخاوف من إندلاع مواجهات عسكرية مباشرة بين الدول.
وفي وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة، وسط «ضبابية» المشهد الإقتصادي، قدّمت السعودية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الإقتصادي، حيث رسم وزراء ومسؤولون في منتدى دافوس الإقتصادي، خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرّد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقّب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن إنتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محوّلة الإستقرار من مجرّد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزُّؤ.
وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الإقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الإقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.
الجدعان و«ضريبة الغموض»
وقد أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يُواجه المستثمرين عالمياً، مؤكداً أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى إستئصال آفة هذا الغموض، ومشدّداً على أن «المالية العامة هي مرساة الإقتصاد»، ومعلناً بوضوح: «لا نساوم على إستدامة المالية من أجل الإقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.
وأوضح الجدعان أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الإقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات، مؤكداً «أن المشهد الإقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى»، شارحاً فلسفة المملكة في إدارة البيئة الإستثمارية، ومشيراً إلى «أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلاّ أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلُّبات غير المتوقعة»، مشدّداً على «أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في إستئصال هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرّة تتيح للأعمال النمو من دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية».
العجز والدين
بدوره، قال وزير الإقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم: إن الإقتصاد السعودي إنتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الإقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع، مشيراً إلى أن إرتفاع العجز أو الدين، ولم يعد مجرّد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً إستراتيجياً» موجّهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.
وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الإقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، موضحاً أن هذا التحوُّل لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 % .
سوق العمل
من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلُّبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الإستقرار العالمي.
وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حقّقت معدّلات نمو تجاوزت التوقعات، عازياً هذا التفوّق إلى الإستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الإصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الإقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجّلت الصين نمواً بنحو 5 %، فيما لامست الهند حاجز الـ8 %.
التكنولوجيا والتعدين
وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الإصطناعي الطلب على المعادن، توفّر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.
ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع إستكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.
في المقابل، لفت الخريف إلى أن التوسُّع الهائل في تقنيات الذكاء الإصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرّك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.
الذكاء الإصطناعي
من ناحية أخرى، أكد وزير الإتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحة، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».
