حرب إيران تغير المسار.. الجنيه المصري يفقد “مكاسب العام” في يومين
(العربية)-04/03/2026
بينما استعدت مصر مطلع العام الجديد لاستكمال المسار الصعودي للجنيه مقابل الدولار، وجّهت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران ضربة مبكرة جداً للعملة المصرية غيّرت مسارها بشكل مفاجئ صوب مستويات لم تصلها منذ 8 أشهر، في يومين فقط.
ومنذ اندلاع الحرب ارتفعت العملة الخضراء بنحو 1.8% لتسجل 49.7 جنيهاً بنهاية تداولات الاثنين، مدفوعة بموجة تخارجات قوية لرؤوس الأموال غير المقيمة من أدوات الدين الحكومية، وسط مخاوف المستثمرين من اتساع نطاق الصراع الإقليمي وتأثيره على الأسواق الناشئة.
واتفق محللو اقتصاد كلي تحدثوا مع “العربية Business”، على أن الجنيه المصري يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل التوترات الجيوسياسية والحروب الدائرة في المنطقة، متوقعين استمرار تراجعه أمام الدولار ليكسر حاجز الـ50 جنيهاً خلال فترة وجيزة.
سيناريوهان لمسار الجنيه
قال المحللون إن هناك سيناريوهان لمسار سعر صرف الجنيه المصري خلال الفترة المقبلة، الأول يفترض انتهاء الحرب خلال فترة وجيزة، وانحسار التأثير فقط في خروج مؤقت للأموال الساخنة، مع إمكانية استعادتها سريعاً مع هدوء الأوضاع، وهو ما قد يساهم في تراجع الدولار مجدداً لمساره السابق.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر تشاؤماً، يفترض استمرار الحرب لفترات أطول، بما يضاعف التداعيات السلبية على مختلف قنوات التدفقات الأجنبية لمصر، وهو ما قد يدفع الدولار إلى مستويات قياسية تتجاوز 52 جنيهاً.
ويرى المحللون أن تصاعد الحرب وتعدد أطرافها يزيد من حدة المخاطر وقد يدفع المستثمرين الأجانب إلى زيادة وتيرة التخارج من السوق المصرية، وهو ما يعيد رسم مسار الجنيه بعيداً عن التوقعات السابقة بتحقيق تعاف تدريجي، ليواجه تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة.
تصاعد الحرب يفاقم الخسائر
قال محلل أسواق المال، هيثم فهمي، إن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران لفترات أطول ستكون لها انعكاسات سلبية واسعة على الاقتصاد المصري، أبرزها تراجع حصيلة النقد الأجنبي نتيجة انخفاض موارد رئيسية مثل السياحة وقناة السويس.
أوضح فهمي لـ”العربية Business” أن عائدات السياحة التي بلغت نحو 18.3 مليار دولار في عام 2025 مرشحة للتراجع بشكل ملحوظ، كما أن إيرادات قناة السويس التي أظهرت تحسناً منذ بداية 2026 قد تتأثر مباشرة بالتوترات العسكرية.
“أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام لمستويات تتراوح بين 85 و100 دولاراً للبرميل، وهو ما يضيف عبئاً إضافياً على الموازنة المصرية يتراوح بين مليار وملياري دولار سنوياً”، بحسب فهمي.
وأشار إلى أن هذه التطورات ستنعكس على معدلات التضخم وتكلفة الواردات، مما يضع ضغوطاً مباشرة على سعر الصرف، قد تدفع به لتجاوز مستوى 52 جنيهاً للدولار.
واتفق معه رئيس قطاع البحوث بشركة أكيومن لتداول الأوراق المالية، مصطفى شفيع، والذي قال إن استمرار الأوضاع الراهنة لفترة أطول سيؤدي إلى تغيرات جوهرية في اتجاهات الجنيه المصري، مشيراً إلى أن حالة القلق والتوتر الجيوسياسي تدفع المستثمرين الأجانب إلى التخارج من السوق، ما يزيد الضغوط على سوق الصرف.
وأوضح شفيع لـ”العربية Business” أن المخاوف الحالية قد تدفع الدولار إلى تجاوز مستوى ال50 بسهولة، لافتاً إلى أن وتيرة الصعود السريعة للعملة الأميركية خلال الأيام العشرة الماضية من 46.5 إلى نحو 49.7 جنيه، تعكس مدى حساسية السوق تجاه التطورات السياسية والاقتصادية.
اختبار صعب للجنيه
من جانبه، قال محلل الاقتصاد الكلي والعضو المنتدب لشركة إنسايت القابضة للاستثمارات المالية، محمد عبد الحكيم، إن الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها مصر، تواجه حالة ارتباك غير مسبوقة عقب اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في المنطقة، الأمر الذي يضع السياسة النقدية أمام أصعب اختبار منذ سنوات، خاصة فيما يتعلق بملف “الأموال الساخنة” واستقرار العملة المحلية.
وأوضح عبد الحكيم لـ”العربية Business” أن السوق المصرية تشهد حالياً موجة تخارج سريعة لرؤوس الأموال غير المقيمة من أدوات الدين الحكومية، مثل أذون وسندات الخزانة، حيث يسعى المستثمر الأجنبي عادة إلى تحقيق “عائد مرتفع مقابل مخاطرة محسوبة”، لكن مع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح تصبح المخاطرة “غير قابلة للقياس”، وهو ما يدفع الصناديق الاستثمارية الكبرى إلى تسييل مراكزها المالية وبيع ما في حوزتها من أدوات الدين بالجنيه المصري.
“التحول نحو الملاذات الآمنة، مثل الدولار والذهب والسندات الأميركية، في إطار ما يعرف بظاهرة “الهروب إلى الجودة”، يمثل أحد أبرز السلوكيات التي ينتهجها المستثمرون في أوقات المخاطر المرتفعة”، بحسب عبد الحكيم.
وأكد أن توقف التدفقات الجديدة من الأموال الساخنة يحرم السوق المصرية من مورد دولاري كان يغذي الاحتياطي النقدي بشكل مؤقت، ما يزيد الضغوط على العملة المحلية ويضاعف التحديات أمام صانع القرار النقدي.
أشار عبد الحكيم إلى أن تأثير التطورات الراهنة على سعر صرف الجنيه أمام الدولار سيكون مباشراً ومضاعفاً، نتيجة تداخل عدة عوامل أبرزها خروج مليارات الدولارات في وقت وجيز، وهو ما يخلق فجوة حادة في السوق ترفع من قيمة العملة الأميركية.
“تراجع الموارد الدولارية الجانبية، مثل إيرادات قناة السويس وحركة السياحة، المتأثرة بالتوترات العسكرية في البحر الأحمر والمتوسط، يضيف ضغوطاً إضافية على التدفقات النقدية الأجنبية”، بحسب عبد الحكيم.
وأضاف أن العامل النفسي والمضاربات سيلعبان دوراً محورياً في زيادة الطلب من الأفراد والشركات على الدولار كوسيلة للتحوط، وهو ما قد يدفع الجنيه إلى مستويات تتجاوز حاجز الـ50 جنيهاً في المدى القصير، تماشياً مع سياسة “سعر الصرف المرن”.
بينما يرى رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، هاني جنينة، أن مصر تدخل هذه المرحلة من التوترات بقدر أكبر من الصلابة مقارنة بفترات سابقة، في ظل ارتفاع الاحتياطي النقدي الرسمي إلى ما يقارب 50–52 مليار دولار، إلى جانب نحو 18 مليار دولار أصولا أجنبية أخرى لدى الجهاز المصرفي، وهو ما يوفر هامش أمان لامتصاص الصدمات الخارجية.
وأكد أن مرونة سعر الصرف تمثل عنصراً حاسماً في التعامل مع أي تقلبات، محذراً من تكرار أخطاء الماضي عبر استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن مستوى محدد للعملة، مع ضرورة الاحتفاظ بالمرونة النقدية لتكون الخيار الأكثر أماناً في ظل بيئة عالمية مضطربة
وأضاف أن التوترات شرقاً عززت في المقابل من أهمية الشراكة الاقتصادية مع أوروبا، حيث باتت مصر ودول شمال أفريقيا من الموردين الرئيسيين لعدد من السلع، وعلى رأسها الأسمدة، في ظل تراجع إمدادات الطاقة الروسية إلى القارة الأوروبية. واعتبر أن هذا التحول يمثل “شرياناً شمالياً” مستقراً لتدفقات النقد الأجنبي عبر الصادرات والسياحة والتجارة.
عودة السوق السوداء سيناريو مستبعد
قال عبد الحكيم إن المشهد الحالي رغم قتامته لكنه يختلف عن الأزمات السابقة التي تأثرت بها مصر، خاصة مع امتلاك البنك المركزي احتياطيات نقدية تتجاوز 50 مليار دولار، تمثل “وسادة أمان” لتلبية طلبات تخارج الأجانب.
وأشار إلى أن تدفقات الاستثمار المباشر من مشروعات كبرى مثل مشروع رأس الحكمة وفرت سيولة دولارية قللت من الاعتماد على الأموال الساخنة.
ويرى عبد الحكيم أن تباع سياسة سعر صرف مرن، تسمح للجنيه بالانخفاض ثم الارتفاع وفق آليات العرض والطلب، يسهم في منع ظهور سوق سوداء بشكل فج كما كان يحدث في السابق.
