محمود الشوا: بنك فلسطين يرفع رأسماله إلى 350 مليون دولار في العام 2025
كخطوة نحو تعزيز القدرات التوسعية وترسيخ موقعنا كمؤسسة مالية قادرة على النمو إقليمياً رغم كافة التحدّيات
قال مدير عام بنك فلسطين محمود الشوا: إن رفع رأس مال مجموعة بنك فلسطين إلى 350 مليون دولار في العام 2025، محطة استراتيجية مفصلية تعكس وضوح الرؤية وثقة الإدارة بقدرة المجموعة على التوسع المستدام وتعزيز تنافسيتها.
وفي هذا السياق، يؤكد السيد الشوا أن هذه الخطوة لا تقتصر على تعزيز القاعدة الرأسمالية فحسب، بل تمثل رافعة حقيقية لدعم خطط النمو الإقليمي وتوسيع نطاق الخدمات المصرفية، بما يُواكب التحوُّلات الاقتصادية ويستجيب لتطلعات العملاء، وترسيخ مكانتها كمؤسسة مالية رائدة قادرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص.
وفي ما يلي نص المقابلة:
* القطاع المصرفي في فلسطين يعمل في بيئة مختلفة وقواعد ثنائية بين متطلّبات الرقابة المصرفية والمعايير المحاسبية، وبين الضغوط السياسية من جهة أخرى، كيف تصف الوضع المصرفي في ظل هذه الضغوط على الاقتصاد الفلسطيني وتقييد حركته؟
– يعمل القطاع المصرفي الفلسطيني في واحدة من أكثر البيئات تعقيداً على مستوى العالم، حيث يُواجه معادلة دقيقة تجمع بين الإلتزام الصارم بالمعايير المصرفية الدولية ومتطلّبات الرقابة، وبين تحدّيات قاهرة تفرضها الظروف السياسية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والتجارة والنمو الاقتصادي.
فعلى الرغم من هذه القيود، نجح القطاع المصرفي في المحافظة على متانته وإستقراره، مدعوماً بإطار رقابي حصيف تقوده سلطة النقد الفلسطينية، التي تضمن الامتثال لأفضل الممارسات الدولية في مجالات الحوكمة وإدارة المخاطر ومكافحة غسل الأموال.
وفي ظل الحرب على غزة، برزت دلالة مهمة تعكس عمق ثقة الجمهور بالقطاع المصرفي، حيث شهدت البنوك زيادة ملحوظة في ودائع العملاء. ويمكن تفسير هذا التوجُّه باعتباره تصويت ثقة واضحاً من المواطنين والشركات على متانة الجهاز المصرفي، وهو نتيجة مباشرة لإلتزام البنوك بمبادئ الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والإفصاح، والإدارة الحكيمة للمخاطر، ما عزّز من مصداقيتها كملاذ آمن للأموال في أوقات الأزمات.
وقد أثبتت المصارف الفلسطينية قدرة لافتة على التكيّف والمرونة، حيث لعبت دوراً محورياً في دعم الاقتصاد، وتمويل القطاعات الحيوية، وتعزيز الشمول المالي، والاستثمار في التحوُّل الرقمي لتجاوز العديد من الظروف القاهرة.
* ما هو دور البنك في دعم وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟ وكيف يساهم في تعزيز قدرتها على الاستمرار والنمو من خلال الخدمات المالية وغير المالية والشراكات المحلية والدولية؟
– يلعب البنك دوراً محورياً في دعم وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة بإعتبارها ركيزة أساسية في تعزيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، حيث لا يقتصر دوره على تقديم التمويل التقليدي، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من الخدمات المالية وغير المالية التي تستهدف تعزيز استدامة المشاريع وقدرتها على التطور.
فعلى الصعيد المالي، يعمل البنك على توفير حلول تمويلية متنوّعة ومصمّمة بما يناسب احتياجات المشاريع في مختلف مراحلها، سواء في مرحلة التأسيس أو التوسع أو التطوير. كما يتم تعزيز هذا الدور من خلال شراكات مع مؤسسات وجهات دولية، تُسهم في توفير قروض مساندة موجهة خصّيصاً لتمويل المشاريع الصغيرة، بما يُوسّع من قدرة البنك على دعم شريحة أكبر من أصحاب المشاريع وتسهيل وصولهم إلى التمويل بشروط ميسّرة.
أما على الصعيد غير المالي، فيقدم البنك خدمات دعم فني واستشاري متخصصة من خلال طواقم عمل مؤهلة ترافق أصحاب المشاريع بشكل مباشر، وتعمل على مساعدتهم في تطوير خططهم الإدارية والمالية وتحسين قدراتهم التشغيلية. كما ينفّذ البنك برامج تدريبية وورش عمل لبناء القدرات في مجالات مثل الإدارة المالية، والتخطيط، والتسويق الرقمي، بما يسهم في رفع كفاءة المشاريع وتعزيز جاهزيتها للنمو والاستمرار.
وفي إطار إلتزامه بتمكين المرأة الفلسطينية وتعزيز مشاركتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يولي البنك اهتماماً خاصاً بالرياديات من خلال برنامج «فلسطينية»، الذي يوفر حزمة متكاملة من الدورات التدريبية والبرامج التمويلية الموجهة لمشاريع النساء وصاحبات الأعمال. كما يشمل البرنامج مبادرات نوعية مثل مسابقةMini MBA المخصّصة للرياديات، والتي تستهدف تطوير مهاراتهن الإدارية والقيادية، وتمكينهن من تطوير وتوسيع مشاريعهن بما يُسهم في زيادة الإنتاج وتعزيز حضور المرأة في الاقتصاد الوطني.
ويتم تنفيذ هذه الجهود ضمن إطار شراكات إستراتيجية مع عدد من الوزارات الحكومية والشركاء المحليين والدوليين، بما يضمن تكامل الأدوار وتوسيع أثر الدعم المقدم، ويُسهم في توفير بيئة أكثر تمكيناً واستدامة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
* طرح البنك برنامج التمويل «صندوق ابتكار» الذي يستهدف الشركات الناشئة، كيف تقيّم أثر هذا البرنامج على الشباب الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً؟
– يشكّل برنامج «صندوق ابتكار» امتداداً لرؤية بنك فلسطين في تمكين الشباب وتعزيز بيئة ريادة الأعمال، حيث نؤمن بأن الاستثمار في الرياديين ليس مجرد دعم اقتصادي، بل هو استثمار مباشر في مستقبل المجتمع الفلسطيني. وانطلاقًا من هذا التوجُّه، عملنا على تأسيس صندوق استثماري مستدام يركّز على دعم الشركات الناشئة وتمكين الشباب المبدعين، مستندين إلى ثقة راسخة بقدرات المجتمع الفلسطيني، وبالطاقة الكبيرة التي يمتلكها الشباب في تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والابتكار.
نؤمن بأن الشباب هم في طليعة بناء المستقبل، ولذلك نحرص على توجيه استثماراتنا نحو القطاعات الأكثر تأثيرًا واستدامة، وعلى رأسها التكنولوجيا المالية والحلول الرقمية المبتكرة، والذكاء الإصطناعي التي ستسهم في تسهيل حياة المواطنين وتعزيز كفاءة الاقتصاد.
ولا يقتصر دور الصندوق على التمويل فقط، بل يمتد ليشمل فتح آفاق جديدة أمام هذه الشركات الناشئة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية، لأننا نرى أن الابتكار الفلسطيني يستحق أن يُروى للعالم، وأن قصص نجاح شبابنا يجب أن تتحوّل إلى نماذج ملهمة على المستوى العالمي.
وفي إطار هذا التوجُّه المتكامل، بادرنا أيضاً إلى تأسيس حاضنة الأعمال «إنترسيكت»، التي تُعنى باحتضان الأفكار الريادية الخلّاقة لدى الشباب الفلسطيني، والعمل على تطويرها وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، لا سيما في المجال التكنولوجي. وتوفّر الحاضنة بيئة داعمة تشمل الإرشاد والتدريب والتشبيك، بما يتيح للرياديين الوصول إلى مختلف مصادر التمويل على المستويين المحلي والدولي، ويعزز فرص نجاحهم ونمو أعمالهم في أسواق تنافسية.
* ما مدى اهتمام البنك بملف المسؤولية المجتمعية؟ وما هي أبرز مشاريع البنك في هذا المجال؟
– يُولي بنك فلسطين ملف المسؤولية المجتمعية أهمية استراتيجية كجزء أصيل من هويته المؤسسية، وليس كمبادرات موسمية أو نشاطات جانبية، حيث يُخصّص البنك جزءاً من أرباحه السنوية لدعم برامج ومشاريع ذات أثر تنموي مستدام.
وينطلق البنك في هذا التوجُّه من رؤية شمولية ترتكز على تعزيز الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما ينسجم مع دوره الوطني في دعم صمود المجتمع الفلسطيني، خصوصاً في ظل التحدّيات الاستثنائية التي يواجهها.
وفي إنجاز يعكس التزامه العميق بدوره المجتمعي، تصدّر بنك فلسطين قائمة البنوك الأكثر إنفاقًا على المسؤولية المجتمعية خلال العام 2025، بإجمالي مساهمات بلغ 4,175,032 دولاراً أميركياً من أصل 7,342,071 دولاراً، هو إجمالي مساهمات البنوك العاملة في فلسطين، أي ما يعادل 57% من إجمالي ما تقدمه البنوك في فلسطين، وفق تقرير جمعية البنوك حول صناعة الأثر المجتمعي، ليرسّخ بذلك مكانته كشريك تنموي فاعل في دعم المجتمع الفلسطيني. كما يؤكد هذا الرقم حجم التزام البنك وتأثيره المحوري في تعزيز الأثر التنموي على المستوى الوطني.
وقد تنوّعت تدخلات البنك لتشمل مجموعة من القطاعات الحيوية، ومن أهمها: الإغاثة والمساعي الإنسانية، التعليم، الصحة والبيئة، تمكين المرأة والشباب، ودعم الريادة والابتكار، والثقافة والرياضة، وذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الأكثر هشاشة.
وفي هذا الإطار، يُعد برنامج «نور» لرعاية الأيتام من أبرز وأهم المبادرات التي أطلقها البنك في العام الماضي، بالشراكة مع مؤسسة التعاون، حيث يستهدف رعاية عشرات آلاف الأطفال الأيتام في قطاع غزة، ضمن برنامج طويل الأمد يمتد على مدار 18 عاماً.
وإلى جانب ذلك، حصل بنك فلسطين على جائزتين كأفضل بنك على مستوى الخدمات المصرفية للشركات والمسؤولية الاجتماعية، وذلك ضمن التصنيف السنوي لمجلة المال العالمية البارزة Euromoney لعام 2025، وهي متعلّقة بتكامل الخدمات التي يقدمها البنك لعملائه، ونسبة النمو، وتطبيق معايير الحوكمة والشفافية، والانتشار الجغرافي، والمحافظة على البيئة والمسؤولية الاجتماعية، مما يعكس تكامل رؤيته في تحقيق أثر اقتصادي وتنموي مستدام.
* عندما تم رفع رأسمال البنك إلى 350 مليون دولار في العام 2025، كان الهدف تعزيز النمو والتوسُّع الإقليمي، هل اقترب البنك من تحقيق هذه الأهداف الطموحة، في ظل التطوُّرات السياسية والأمنية في فلسطين والمنطقة؟
– في إطار الرؤية الاستراتيجية لمجموعة بنك فلسطين، جاء رفع رأس المال إلى 350 مليون دولار في العام 2025 كخطوة محورية لتعزيز القدرات التوسعية للمجموعة، وترسيخ موقعها كمؤسسة مالية قادرة على النمو إقليمياً رغم التحدّيات السياسية والاقتصادية المعقدة في البيئة المحلية والإقليمية.
وعلى الرغم من الظروف الاستثنائية التي تشهدها فلسطين والمنطقة، تمكّن بنك فلسطين من تحقيق تقدم ملموس على صعيد تنفيذ أجندة التوسع الإقليمي، حيث تمّت الموافقة المبدئية للحصول على رخصة من الفئة الأولى في سوق أبوظبي العالمي (ADGM) لتأسيس بنك مصرفي متكامل، بما يتيح بناء منصة مصرفية واستثمارية عابرة للحدود. وسيتركز التوجه الاستراتيجي في أبوظبي على تطوير ذراع مصرفية متخصّصة في إدارة الثروات والخدمات المصرفية التي تستهدف بشكل أساسي المغتربين والمستثمرين الإقليميين والدوليين، بما يعزّز قدرة البنك والمجموعة على استقطاب وإدارة رؤوس الأموال وربطها بفرص استثمارية نوعية في فلسطين والمنطقة.
وتمضي هذه الخطوة ضمن خطّة توسع مدروسة تتجاوز الجغرافيا التقليدية نحو بناء شبكة حضور في مراكز مالية رئيسية، مع خطط للتوسُّع إلى أسواق استراتيجية أخرى، في مقدّمها المملكة العربية السعودية تماشياً مع الرؤية السعودية 2030، والمملكة الأردنية الهاشمية كجزء من تعزيز العلاقات الأخوية والتبادل التجاري بين البلدين، بما يعزّز موقع المجموعة كلاعب مصرفي إقليمي قادر على المنافسة في بيئات مالية عالية التعقيد والتطور. ويأتي هذا التوسُّع ليُسهم في تعزيز تنويع مصادر الدخل ورفع مستويات الاستدامة المالية للمجموعة على المدى الطويل، بما يقلّل من أثر التقلبات السياسية، الأمر الذي يعكس مساراً تنموياً متوازناً يجمع بين التوسُّع الخارجي وتعزيز قوة المركز المالي في السوق المحلية.
