بعد صمت طويل.. هل فوّت عمالقة التكنولوجيا فرصة تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
(العربية)-06/07/2026
ماريتجه شاكه*
على مدار العام الماضي، أسهمت شركات التكنولوجيا الأمريكية في مشكلة تقاعس جماعي، بعد أن أحجمت عن الدفاع عن المبادئ الأساسية لسيادة القانون عندما تعرضت للهجوم. والآن، حان وقت مواجهة العواقب.
فقد اعتقد عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين بأنهم قادرون على جني مكاسب من خلال تبادل المنافع وإقامة علاقة وثيقة مع الرئيس دونالد ترامب، وأيدوا سياساته الواسعة لإزالة القيود التنظيمية، والتزموا الصمت إلى حد كبير عندما ألحقت سياساته المتقلبة الضرر بآخرين.
لكن مع اقتراب آثار السلطة التي تمارسها إدارة ترامب من مصالحهم المباشرة، بدأوا يستعيدون اهتمامهم بوجود قواعد عادلة وشفافة تنطبق على الجميع.
وفي الشهر الجاري، أصدرت «أوبن إيه آي» وثيقة دعت فيها إلى «المساءلة العامة والشفافية والرقابة» في سياسات الذكاء الاصطناعي عبر «حكومة تمثيلية».
وكان ديميس هاسابيس من «جوجل ديب مايند» بين الداعين، خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة، إلى تشكيل تحالف تقوده أمريكا لصياغة القواعد الدولية للذكاء الاصطناعي.
ورغم أن هذه المواقف صيغت بلغة دبلوماسية، إﻻ أنها تمثل تحولاً واضحاً مقارنة بالحماس الذي أبداه القطاع مع بداية ولاية ترامب الثانية، حين وقف قادة التكنولوجيا في الصفوف الأمامية خلال حفل تنصيبه، وساهموا بعشرات الملايين من الدولارات في تجديد قاعة الاحتفالات التي خطط لها بالبيت الأبيض.
وتوقعوا أن يحقق هذا الاستثمار عائداً في صورة شروط أكثر ملاءمة في مجالات التجارة والضرائب والبنية التحتية. وخلال كل ذلك، التزموا صمتاً لافتاً عندما استهدفت تدخلات تنفيذية ارتجالية منافسين لهم، أو أضعفت الحماية الممنوحة للعمال والجمهور.
بل إن السياسات التي أضرت مباشرة بالشركات الأمريكية لم تواجه بمعارضة صريحة. فقد سعت الشركات إلى إيجاد حلول بديلة للرسوم الجديدة البالغة 100 ألف دولار على تأشيرات H-1B، بدلاً من الاعتراض على فرضها من الأساس.
وذهب سام ألتمان وجينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، إلى حد الإشادة بالسياسة نفسها التي تضيق الخناق على قنوات استقطاب المواهب في شركاتهم.
وفي أماكن أخرى، وجدت الشركات نفسها مضطرة للتعامل مع رسوم جمركية فرضها البيت الأبيض قبل أن تلغيها المحاكم، ومع قيود على الصادرات فرضت بين ليلة وضحاها.
كما منحت أحدث نسخة من مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية الولايات المتحدة 64 نقطة من أصل 100، وهو أدنى تقييم حصلت عليه على الإطلاق. رغم ذلك، لم تثر هذه التطورات اعتراضات علنية مستمرة من المسؤولين التنفيذيين الذين تأثرت شركاتهم.
لكن في الأوساط الخاصة، كانت المخاوف يتم التعبير عنها بوضوح. ففي العام الماضي، أجرى معهد ييل لقيادة الرؤساء التنفيذيين استطلاعاً شمل أكثر من 100 رئيس تنفيذي، معظمهم جمهوريون، وكشف الاستطلاع عن قلق عميق من تكلفة سياسات ترامب، حيث قال ثلثا المشاركين إن الرسوم الجمركية أضرت بأعمالهم.
لم يكن هذا الصمت مبرراً في أي وقت. وإذا كانت الشركات حريصة على مصالحها الذاتية، فإن الاستمرار فيه ليس خياراً قابلاً للاستدامة.
ويعد الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فعلى مدار سنوات، جادلت الشركات بأنه ينبغي تركها تعمل بحرية، وأن أي قواعد ملزمة لن تؤدي إلا إلى منح الصين الأفضلية.
وقد وافقت الإدارة الأمريكية إلى حد كبير على هذا الطرح، بل حاولت حتى منع الولايات من سن تشريعاتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وهكذا حصل القطاع على البيئة غير المقيدة تنظيمياً التي طالب بها، لكن الأمور لا تسير كما كان يأمل.
فغياب إطار تنظيمي مشروع لا يعني غياب النفوذ، بل يعني أن التدخلات تصبح ارتجالية ومسيسة وغير مقيدة بضوابط واضحة.
ويتضح ذلك في قرار وزارة التجارة الأمريكية بإلزام شركة «أنثروبيك» بقطع الوصول إلى أحدث نماذجها أمام جميع الأجانب، استناداً إلى اعتبارات الأمن القومي.
ويرى خبير الأمن السيبراني أليكس ستاموس أن هذا النوع من «التنظيم القائم على الانطباعات» قد يؤدي إلى فقدان الثقة العامة في شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية. فالرسالة التي يتلقاها العالم هي أن الخدمات يمكن قطعها في أي لحظة بقرار من البيت الأبيض.
وفي أحدث استطلاع لتوقعات كبار التنفيذيين، قال المشاركون إن حالة عدم اليقين تمثل أكبر مصدر قلق اقتصادي لهم هذا العام. وإذا أرادت الشركات معالجة هذه المشكلة، فعليها أن تبذل جهداً أكبر للدفاع جماعياً عن القيم والمؤسسات التي ترغب في حمايتها، وأن تتخلى عن السعي وراء امتيازات خاصة أو استثناءات مؤقتة من الرئيس.
وسيكون من الإيجابي أن يدرك القطاع الخاص بصورة أوضح قيمة الأساس الذي تقوم عليه سيادة القانون، وأن يتحلى بالشجاعة للتعبير عن مواقفه علناً.
وتبقى توقعاتي متواضعة. لكن حتى لو تحرك قادة الشركات بدافع المصلحة الذاتية البحتة والسعي إلى الأرباح فقط، فإن بإمكانهم أن يصبحوا مناصرين بصراحة أكبر لإدارة تحترم الإجراءات الشفافة وتعززها، وتطبق القواعد على الجميع بالتساوي، وتخدم المصلحة العامة، وتعيد القدرة على التنبؤ الذي تحتاج إليه الأسواق والحلفاء والمواطنون على حد سواء.
*زميلة في معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان بجامعة ستانفورد ومؤلفة كتاب «الانقلاب التكنولوجي»
