الاقتصاد العالمي لا يزال صامدا أمام صدمة الحرب
(الإقتصادية)-01/07/2026
*كريستالينا غورغييفا
بعد مُضي أكثر من 3 أشهر على الحرب في الشرق الأوسط، يبدو الاقتصاد العالمي متماسكا. فقد تأثرت أسعار السلع الأولية والتضخم والتوقعات بشأنه والأوضاع المالية بالحرب، ولكنها لم تتأثر حتى الآن بطرق تشير إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي. وقد شهدنا زخما اقتصاديا قويا في أكبر اقتصادين في العالم، أي الولايات المتحدة والصين.
ولكن المشهد العالمي القادر على الصمود عموما يحجب وراءه تفاوتات كبيرة. وحتى بين الاقتصادات المتقدمة، تعرضت بعض البلدان والمجتمعات لصدمات أشد من سواها. وفي إفريقيا، كانت التأثيرات السلبية أكثر وضوحا. وفي الوقت نفسه، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة وتضرر البنية التحتية في الشرق الأوسط جراء القتال، لا تزال مستويات عدم اليقين والمخاطر مرتفعة.
وسنقدم تحليلا محدثا لهذا المشهد العالمي في 8 يوليو، في الإصدار التالي من تقرير مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي.
محركات القدرة العالمية على الصمود حتى الآن
في بداية الصراع، انصب اهتمامنا الفوري على تأثيره في أسعار الطاقة وتداعياته على التضخم. وقد كانت التأثيرات والتداعيات كبيرة. فأسعار النفط أعلى بنسبة 30% من مستويات ما قبل الحرب. ومع ذلك، فإن هذا المستوى أقل مما كان عليه في بداية الصراع، على الرغم من إغلاق المضيق لفترة طويلة.
وقد تمكنت بعض البلدان، مثل الصين، حتى الآن، من امتصاص تأثير الاضطراب من خلال استخدام احتياطيات النفط العميقة. وساعد ذلك أيضا على تخفيف ضغوط الطلب في بلدان آسيا التي كانت ستضرر بشدة بخلاف ذلك. هذا كما أن زيادة الإنتاج واستخدام المصافي خارج منطقة الخليج أسهما في احتواء ارتفاع أسعار النفط، وإن لم تكن كافية لتعويض تأثير الصدمة. وإضافة إلى ذلك، أسهمت الإجراءات المتخذة لكبح الطلب أو الحد من تمرير ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين في تخفيف التأثير حتى الآن. ولكن، هنا أيضا، هناك حدود لطول الفترة التي تستطيع فيها البلدان تحمل ارتفاع تكاليف الميزانية وزيادة احتياجات التمويل الخارجي.
وفي كثير من الاقتصادات، يسهم ارتفاع أسعار النفط مع ذلك في زيادة التضخم الكلي. وهذا أمر مثير للقلق، ولكنه لا يعكس الصورة الكاملة. فمن المهم أيضا النظر فيما إذا كان الناس والشركات يتوقعون تآكلا مستمرا لقدرتهم الشرائية. وتظل هذه التوقعات للمدى المتوسط راسخة بوجه عام. وتلك علامة مشجعة على الثقة في التزام البنوك المركزية بالمحافظة على استقرار الأسعار.
وأثبتت الأسواق المالية قدرتها على الصمود. فقد ارتفعت عائدات السندات الحكومية بشكل كبير منذ بداية الحرب، في حين انتعشت الأصول الخطرة بفضل الأرباح القوية، ولا نرى دلائل تذكر على السعي إلى الاستثمار الآمن. وبالمعايير التاريخية، لا تزال الأوضاع المالية تيسيرية.
وتمثل التكنولوجيا نقطة مضيئة أخرى. فقد كان الاستثمار القوي في التكنولوجيا، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، قوة دافعة في البلدان التي يحافظ فيها الزخم الاقتصادي على قوته. وتستفيد الولايات المتحدة من هذه الدورة التكنولوجية العالمية، وكذلك اقتصادات آسيا التي شهدت زيادة في صادرات التكنولوجيا. غير أن معظم البلدان لم تشعر حتى الآن بتأثير التكنولوجيا في الإنتاجية والنمو، وهو ما يثير شواغل إزاء مزيد من التباين الاقتصادي.
وإجمالا، أسهم الجمع بين القدرة الاقتصادية على الصمود والتقدم التكنولوجي في تخفيف تأثير صدمة إمدادات الطاقة في النمو على المستوى العالمي، وبرزت نقاط مضيئة داخل المناطق المختلفة. ولكن هناك بلدان تعرضت لصدمات أشد من سواها، ويعتمد ذلك إلى حد كبير على الموقع الجغرافي، ودرجة الاعتماد على الطاقة، وحيز السياسات المتاح.
البلدان الأكثر تضررا
فيما يتعلق بتأثيرات الحرب، يمثل القرب الجغرافي عاملا حاسما. وتواجه البلدان المصدرة للنفط حول منطقة الخليج، والمتأثرة مباشرة بالحرب، تخفيضا حادا لتوقعات النمو هذا العام، حيث شهدت 5 من أصل ثمانية بلدان انكماشا واضحا. وبالنسبة لأوروبا، التي تعتمد اعتمادا كبيرا على استيراد النفط والغاز، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل عبئا على النمو ويضع ضغوطا رافعة للتضخم، مما أدى إلى رفع البنك المركزي الأوروبي مؤخرا لأسعار الفائدة.
وتتحمل اقتصادات الأسواق الصاعدة في آسيا عبئا كبيرا أيضا، نظرا لاعتماد اقتصادات المنطقة الكبير نسبيا على النفط والغاز. وتواجه هذه الاقتصادات ارتفاعا في أسعار بيع البنزين بالتجزئة التي زادت بنسبة 40% منذ بدء الحرب، في حين أن ارتفاع عائدات السندات الحكومية وانخفاض قيمة العملة وضغوط تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج قد أدت إلى تفاقم الخسائر جراء الصدمة. ومع ذلك، فإن البلدان التي يجتمع فيها الاعتماد الكبير على واردات الطاقة وضيق حيز السياسات المتاح هي الأكثر تضررا.
ويتضح هذا الضغط بشكل خاص في إفريقيا، حيث يتداخل عديد من هذه العوامل. وبالنسبة لبلدان المنطقة التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الواردات، يؤدي ارتفاع التكاليف إلى تدهور التوازن الخارجي وزيادة الضغوط على الميزانيات- والاحتياجات التمويلية.
*مدير عام صندوق النقد الدولي
