الذكاء الاصطناعي يقسم العالم
(العربية)-30/07/2026
*عبدالله بن عبدالمحسن الفرج
أعلنت الصين الأسبوع الماضي عن تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وهي منظمة تشبه وكالة التنمية الصناعية الشاملة والمستدامة اليونيدو UNIDO، فهاتان المنظمتان لن تلغي الفوارق لا في الذكاء الاصطناعي ولا التنمية الصناعية بين بلدان العالم. وأنا أشرت في العديد من مقالاتي، إلى أن الثورة الصناعية الرابعة ربما لا تصب في مصلحة الصين، فالنموذج الصيني يعتمد على اليد العاملة الرخيصة والكثافة السكانية والصادرات منخفضة التكلفة. ولذلك، فإن الثورة الصناعية الرابعة، عندما ينتج الكمبيوتر كمبيوتر آخر والذكاء الاصطناعي يولد ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً منه، وهلم جراً، فإن الميزة التنافسية للصين تصبح مهددة. لأن تكاليف ما ينتج في أي مكان في العالم سوف تكون متساوية تقريباًً.
وعلى هذا الأساس، فلا غرابة أن تسير الصين، في نفس الاتجاه الذي سارت فيه الولايات المتحدة. فالسلطات الصينية تدرس الآن فرض قيود صارمة على وصول الجهات الخارجية إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي المطورة محليًا، وذلك في إطار سعيها لمعاملة الذكاء الاصطناعي المتقدم كأصول استراتيجية للأمن القومي. وهذا ربما يؤدي إلى فرض شركات الذكاء الصناعي الصينية، مثل «علي بابا» و»بايت دانس» و»Z.ai» قيود على وصول المستخدمين الأجانب إلى أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة لديها، سواء كانت نماذج مغلقة أو نماذج مفتوحة الأوزان (Open-weight).
ورغم ذلك، فإنه من غير الممكن أن لا نلاحظ الاختلاف بين التوجه الصيني والأميركي، رغم التشابه في الشكل. فالولايات المتحدة تفرض رقابة صارمة على نماذج الذكاء الاصطناعي للحيلولة دون تسربها لمعظم المستخدمين، مثل نموذج شركة «أوبن إيه آي» الجديد «جي بي تي 5.6» (GPT 5.6) ، ونموذجي «فابل» (Fable) و»ميثوس» (Mythos) التابعين لشركة أنثروبيك. الأمر الذي يمكن اعتباره، امتدادا للقيود السابقة، التي فرضها بايدن على أشباه الموصلات المتقدمة، بهدف حرمان الصين من الوصول إليها حتى لا تتمكن من ربح السباق والتقدم على الولايات المتحدة في مجال الفضاء والاتصالات والدفاع والتحول من خلال الذكاء الاصطناعي إلى أكبر اقتصاد في العالم.
إن الصين تخطط الآن للسير في نفس الاتجاه، وفرض حظر مشابه على صادرات نماذج الذكاء الاصطناعي، ولكن من أجل هدف آخر. وكما يقول المثل: فإن أول الغيث قطر. فكلنا يعرف أن نموذج DeepSeek R1 ، كان هو الشرارة التي جذبت الاهتمام العالمي للنماذج الصينية، قبل أن تقدم شركات مثل «علي بابا» سلسلة نماذج كوين (Qwen) للذكاء الاصطناعي، والتي صارت تستخدم على نطاق واسع داخل الصين وخارجها. وكذلك نموذج GLM-5.2 الذي تنتجه شركة «Z.ai»، والذي يعتبر منافس لبعض النماذج الأميركية المتقدمة مع تكلفة أقل بكثير.
أن الصين، تضع على رأس أولوياتها استمرارية تطورها، والحفاظ على المزايا النسبية التي تتمتع بها. فإذا كانت الولايات المتحدة والغرب، يهدف أن يحصل عبر نماذج الذكاء الاصطناعي، وغيره من أدوات الثورة الصناعية الرابعة على مزايا نسبية، تلغي، أو على الأقل تحيد المزايا النسبية التي تتمتع بها الصين، فإن الصين لن تسمح بذلك. فهي سوف تبذل قصارى جهدها لكي لا تؤدي الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي إلى تساوي المزايا النسبية في كافة بلدان العالم.
ولهذا، فمثلما العالم مقسم إلى دول متقدمة صناعية ودول تسعى لذلك، فإنه سيبقى مقسم إلى دول متقدمة في الذكاء الاصطناعي، ودول تعيش على فتات هذا الذكاء.
