التحوُّلات العالمية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
في عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات المالية

شهد النظام المالي العالمي تحوّلات متسارعة بفعل التوسُّع في الخدمات المصرفية الرقمية والمدفوعات الفورية والأصول الإفتراضية والذكاء الإصطناعي. وقد أسهمت هذه التطورات في زيادة سرعة المعاملات المالية وتوسيع نطاق الشمول المالي، لكنها أوجدت في المقابل أساليب أكثر تعقيداً لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال الهويات الرقمية المزيّفة والتزييف العميق، والمحافظ غير المستضافة والمنصات اللامركزية والتحويلات العابرة للحدود.
وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن الأموال التي يجري غسلها سنوياً تعادل ما بين 2-5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما أظهرت بيانات الإنتربول في العام 2026 أن عمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الإصطناعي أصبحت أكثر ربحية بنحو 4.5 مرات من الأساليب التقليدية، بما يعكس تزايد قدرة الشبكات الإجرامية على توظيف التكنولوجيا في توسيع أنشطتها وإخفاء العائدات غير المشروعة. في المقابل، يتيح الذكاء الإصطناعي للمصارف والجهات الرقابية تطوير أنظمة أكثر كفاءة لتحليل البيانات، والتحقق من هوية العملاء، وإكتشاف العمليات المشبوهة في الوقت الفعلي.
تحوّل أنماط غسل الأموال وتمويل الإرهاب
لم تعد عمليات غسل الأموال تعتمد بصورة رئيسية على النقد والشركات الوهمية والتحويلات المصرفية التقليدية، بل أصبحت تجمع بين الأدوات المالية التقليدية والمنصّات الرقمية. ويستفيد المجرمون من المدفوعات الفورية والحسابات المتعدّدة والتجارة الإلكترونية وشبكات الحسابات الوسيطة لنقل الأموال بسرعة وتجزئتها عبر عدد كبير من العمليات الصغيرة، بما يصعب إكتشافها.
وساهم الذكاء الإصطناعي في زيادة تعقيد هذه الأنشطة، من خلال إنشاء هويات ووثائق مزيّفة، وإنتحال أصوات وصور العملاء والمسؤولين، وأتمتة عمليات الإحتيال والهندسة الإجتماعية. وأشار الإنتربول في العام 2026 إلى أن الشبكات الإجرامية أصبحت تتعاون مع مجموعات متخصّصة في غسل الأموال، وتتبادل التقنيات والخبرات لتوسيع عملياتها عالمياً. كما برزت الأصول الإفتراضية والعملات المستقرة والمحافظ غير المستضافة (Unhosted Wallets) ومنصات التمويل اللامركزي (Decentralized Finance Platforms) بوصفها قنوات جديدة لنقل الأموال عبر الحدود. وقد حذرت مجموعة العمل المالي من تزايد إستغلال هذه الأدوات في غسل عائدات الإحتيال والتهرُّب من العقوبات، مستفيدةً من تفاوت التشريعات وضعف الرقابة على بعض مقدمي الخدمات. في مجال تمويل الإرهاب، تزايد إستخدام التحويلات الصغيرة والمنصّات الرقمية وحملات التمويل الجماعي والأصول الإفتراضية، مما يجعل التمييز بين المعاملات المشروعة وغير المشروعة أكثر صعوبة، ويعزّز الحاجة إلى رقابة قائمة على تحليل السلوك والعلاقات، وليس على قيمة العملية المالية وحدها.
الذكاء الإصطناعي في مكافحة الجرائم المالية
أصبح الذكاء الإصطناعي من أهم الأدوات المستخدمة في تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ يتيح تحليل كميات ضخمة من البيانات وإكتشاف الأنماط والعلاقات التي قد يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. كما يساعد على الإنتقال من الرقابة القائمة على قواعد ثابتة إلى رقابة أكثر مرونة تعتمد على سلوك العميل ومستوى المخاطر المرتبط به. وتُستخدم تقنيات التعلم الآلي في تحليل العمليات المالية وتحديد الأنشطة غير الإعتيادية، فيما تساعد معالجة اللغة الطبيعية على فحص المستندات والأخبار وقواعد بيانات العقوبات والأشخاص المعرّضين سياسياً. كما يتيح تحليل الشبكات تتبع الروابط بين الحسابات والشركات والمستفيدين الحقيقيين، والكشف عن شبكات تحويل الأموال والحسابات الوسيطة. ويُمكن لهذه التقنيات تحسين دقة التنبيهات وتقليل النتائج الإيجابية الكاذبة، بما يسمح بتوجيه جهود فرق الامتثال نحو الحالات الأعلى خطورة. كذلك تدعم أدوات التحقق الرقمي والقياسات الحيوية إجراءات التعرُّف إلى العملاء، وتساعد في كشف الهويات المصطنعة والمستندات والتسجيلات المزيّفة.
وبحسب مجموعة العمل المالي، فإن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا يمكن أن يحسّن سرعة إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وجودتها وكفاءتها. إلا أن فعالية هذه الأدوات تظل مرتبطة بجودة البيانات وقابلية تفسير قرارات النماذج ووجود رقابة بشرية وحوكمة واضحة تضمن عدم الاعتماد الكامل على القرارات الآلية.
تطور الأطر التنظيمية والرقابية الدولية وتحديات إستخدام أنظمة مكافحة الجرائم المالية
دفعت المخاطر المرتبطة بالذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا المالية الجهات الدولية إلى تحديث قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بحيث تشمل الأنشطة الرقمية والأصول الإفتراضية ومقدّمي خدمات الدفع والتكنولوجيا المالية، إلى جانب المؤسسات المصرفية التقليدية. وأصبح التركيز يتجه نحو الرقابة القائمة على المخاطر والنتائج الفعلية، بدلاً من الإكتفاء بالإمتثال الشكلي للقواعد. وفي العام 2025، عدّلت مجموعة العمل المالي التوصية رقم 16 المتعلقة بالتحويلات المالية، بهدف زيادة شفافية المدفوعات العابرة للحدود وتوحيد المعلومات المرافقة لها. كما تضمّنت التعديلات إستخدام تقنيات للتحقُّق من بيانات المستفيد والحدّ من الإحتيال والأخطاء، على أن تدخل المتطلّبات المعدلة حيّز التطبيق في حلول نهاية العام 2030. وفي مجال الأصول الإفتراضية، إرتفعت نسبة الدول المشمولة بمسح مجموعة العمل المالي التي أقرّت تشريعات لتطبيق قاعدة السفر (Travel rule) من 73 % في العام 2025 إلى 83 % في العام 2026. ومع ذلك، لا تزال فجوات قائمة في الإشراف الفعلي على مقدّمي الخدمات، ولا سيما المنصّات العاملة من الخارج والمحافظ غير المستضافة والعملات المستقرّة والتمويل اللامركزي. كما بدأت الجهات الرقابية في إستخدام التكنولوجيا الرقابية الإشرافية لتحليل بيانات المؤسسات المالية وتحديد المخاطر بصورة مبكرة. ويعكس ذلك تحوُّل الرقابة من الفحص الدوري اللاحق إلى المتابعة المستمرة، مع تزايد أهمية تبادل المعلومات والتعاون بين المصارف والسلطات الرقابية ووحدات المعلومات المالية وشركات التكنولوجيا.
ورغم المزايا التي يوفرها الذكاء الإصطناعي في تحليل العمليات وإكتشاف الأنماط المشبوهة، فإن إستخدامه في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يواجه تحديات تقنية وتنظيمية وتشغيلية. ويأتي في مقدّمها ضعف جودة البيانات وتجزئتها بين أنظمة مصرفية متعدّدة، إذ تعتمد كفاءة النماذج على دقة البيانات واكتمالها وتحديثها المستمر. وقد تؤدي الأخطاء في أسماء العملاء أو بيانات المستفيد الحقيقي أو تصنيف المعاملات إلى إصدار تنبيهات غير دقيقة أو إغفال مخاطر فعلية. كما تُواجه المصارف تحدّياً يتعلق بقابلية تفسير قرارات النماذج، خصوصاً عند إستخدام تقنيات معقّدة يصعب تحديد الأساس الذي إعتمدته في تصنيف عميل أو معاملة بأنها مرتفعة المخاطر. وقد يحد غياب التفسير الواضح من قدرة المصرف على تبرير قراراته أمام الجهات الرقابية، أو الإستناد إليها عند تقديم تقارير العمليات المشبوهة. وقد تتأثر النماذج بالتحيّزات الموجودة في البيانات المستخدمة لتدريبها، فتؤدي إلى تصنيف غير عادل لبعض العملاء أو المناطق أو الأنشطة. كما يُمكن أن تتراجع دقة النموذج بمرور الوقت نتيجة تغيُّر سلوك العملاء وظهور أساليب إجرامية جديدة، مما يستدعي إعادة إختباره وتحديثه بصورة دورية. وتزداد هذه المخاطر مع قدرة المجرمين على دراسة آليات أنظمة الكشف ومحاولة التحايل عليها، من خلال تجزئة التحويلات أو تغيير أنماطها بصورة مستمرة أو استخدام هويات مصطنعة وبيانات مزيّفة. لذلك، لا يمكن التعامل مع نماذج الذكاء الإصطناعي بإعتبارها أنظمة ثابتة، بل يجب تطويرها بالتوازي مع تطور المخاطر وأساليب الجريمة المالية.
وتبرز التجارب التطبيقية حجم المكاسب التي يمكن تحقيقها من استخدام التقنيات المتقدمة. فقد أظهر مشروع Aurora التابع لمركز الابتكار في بنك التسويات الدولية أن الجمع بين التعلم الآلي وتحليل الشبكات وتبادل البيانات مع الحفاظ على الخصوصية أتاح اكتشاف ما يصل إلى ثلاثة أضعاف حالات غسل الأموال المعقدة، وخفّض النتائج الإيجابية الكاذبة بنسبة تصل إلى 80 % مقارنةً بالأنظمة التقليدية القائمة على القواعد. علماً أن هذه النتائج إستندت إلى تجربة إثبات مفهوم بإستخدام بيانات اصطناعية، وليست نتائج تشغيلية لجميع المصارف. كما أظهرت الهيئة المصرفية الأوروبية في العام 2025 أن 92 % من مصارف الإتحاد الأوروبي أصبحت تستخدم الذكاء الإصطناعي في أعمالها، فيما كانت النسبة المتبقية البالغة 8 % تختبر تطبيقاته أو تناقش إستخدامها. ويؤكد هذا الإنتشار الواسع الحاجة إلى تطوير أطر حوكمة ورقابة بشرية تواكب سرعة تبنّي هذه التقنيات.
وتتطلب مواجهة هذه التحدّيات وضع إطار متكامل لحوكمة الذكاء الإصطناعي، يشمل تحديد المسؤوليات، وتوثيق عمل النماذج، والتحقق المستقل من نتائجها، ومراقبة مستوى الدقة والتحيُّز، وإجراء إختبارات دورية. كما ينبغي الإبقاء على الرقابة البشرية في الحالات الحساسة، بحيث يكون الذكاء الإصطناعي أداة داعمة لفرق الإمتثال وليس بديلاً عنها، مع الإستثمار في تدريب الموظفين وبناء الخبرات اللازمة لفهم نتائج النماذج وتقييمها.
إنعكاسات التحوُّلات على المصارف العربية
تكتسب التحوُّلات العالمية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية خصوصاً حيال المصارف العربية، في ظل التوسُّع في الخدمات الرقمية والمدفوعات الفورية والتحويلات العابرة للحدود. وبحسب دراسة مشتركة لصندوق النقد العربي ولجنة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق، بلغت التحويلات الواردة إلى 14 دولة عربية نحو 62.4 مليار دولار في العام 2022، بما يعادل 2.4 % من ناتجها المحلي الإجمالي، فيما بلغت التحويلات الصادرة منها نحو 70 مليار دولار، أو 2.7% من الناتج. كما كانت نحو 55 % من المدفوعات العابرة للحدود في المنطقة مقوّمة بالدولار الأميركي في العام 2018، مما يزيد أهمية الإمتثال للمعايير الدولية والمحافظة على علاقات المصارف المراسلة.
وفي الوقت نفسه، أدّى دخول شركات التكنولوجيا المالية ومقدّمي خدمات الدفع إلى توسيع المنظومة المالية خارج نطاق المصارف التقليدية. وأظهر مسح إقليمي أن خدمات الدفع المتخصّصة كانت متاحة في 86 % من الدول العربية المستجيبة، فيما سمحت 76 % منها للمؤسسات غير المصرفية بمعالجة التحويلات الإلكترونية للغير. كما بلغت نسبة الدول التي تسمح بتقديم خدمات النقود الإلكترونية 57 %، مقابل 43 % للحسابات المرتبطة بالمعاملات. وتدل هذه المؤشرات على إمتداد مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى المحافظ الإلكترونية وشركات الدفع وغيرها من المؤسسات المالية الرقمية. ويفرض هذا الواقع على المصارف العربية تطوير إجراءات التعرف على العملاء والتحقّق من المستفيد الحقيقي، وربط البيانات المتاحة عبر الفروع والتطبيقات والمنصات الرقمية. كما يتطلب الإنتقال من مراقبة كل عملية بصورة منفصلة إلى تحليل السلوك المالي الكامل للعميل والعلاقات بين الحسابات والأطراف المرتبطة به.
لكن مستويات الجاهزية التقنية والرقابية تختلف بين الدول والمصارف العربية. فبعض المصارف لا تزال تعتمد على أنظمة قديمة وبيانات مجزأة، فيما تواجه المصارف الأصغر إرتفاع كلفة الحلول المتقدّمة ونقص الخبرات المتخصّصة. وتبرز كذلك تحدّيات مرتبطة بتعدد طرق كتابة الأسماء العربية باللغات الأجنبية، مما قد يؤدي إلى أخطاء في مطابقة العملاء مع قوائم العقوبات والأشخاص المعرّضين سياسياً. وتؤثر كفاءة أنظمة المكافحة في علاقات المصارف العربية مع المصارف المراسلة، إذ قد يؤدي ضعف الرقابة أو عدم وضوح مصادر الأموال إلى إرتفاع مخاطر السمعة وتقييد العلاقات المصرفية الدولية. لذلك، تحتاج المصارف العربية إلى تطوير قواعد بيانات موحّدة وتعزيز حوكمة الذكاء الإصطناعي وتدريب فرق الامتثال وتوسيع التعاون مع وحدات المعلومات المالية والسلطات الرقابية وشركات التكنولوجيا، مع تحقيق التوازن بين مكافحة الجرائم المالية وتوسيع الشمول المالي.
تحوّل جوهري
في المحصّلة، أحدث الذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا المالية تحوُّلاً جوهرياً في طبيعة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعدما أصبحت العمليات غير المشروعة أكثر سرعة وتعقيداً وقدرة على تجاوز الحدود والأنظمة الرقابية التقليدية. وفي المقابل، وفّرت هذه التقنيات أدوات متقدمة لتحليل البيانات واكتشاف الشبكات المشبوهة والتحقق من هوية العملاء، مما جعل الذكاء الاصطناعي أداة مزدوجة يمكن استخدامها في تنفيذ الجرائم المالية أو في مكافحتها. وبناء على ما تقدم، يتبين أن فعّالية أنظمة المكافحة لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل تتطلب بيانات دقيقة ومتكاملة وحوكمة واضحة للنماذج ورقابة بشرية فعّالة، إلى جانب التعاون بين المصارف والسلطات الرقابية ووحدات المعلومات المالية وشركات التكنولوجيا. كما ينبغي تحديث التشريعات بصورة مستمرة، بما يضمن شمول مقدمي خدمات الدفع والأصول الإفتراضية والمنصات الرقمية ضمن الأطر الرقابية.
وبالنسبة إلى المصارف العربية، تفرض زيادة المدفوعات الرقمية والتحويلات العابرة للحدود الإنتقال من الإمتثال القائم على الإجراءات الثابتة إلى منهج إستباقي قائم على تحليل المخاطر والسلوك المالي. ويتطلب ذلك الإستثمار في جودة البيانات والتكنولوجيا الرقابية وتدريب فرق الإمتثال وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون الإقليمي والدولي، مع تحقيق التوازن بين تشديد الرقابة وتوسيع الشمول المالي. ومن شأن تبنّي هذا النهج أن يعزّز قدرة المصارف العربية على حماية سلامة أنظمتها المالية، والمحافظة على علاقاتها المصرفية الدولية، ودعم الثقة بالقطاع المصرفي في ظل التحوُّل الرقمي المتسارع.
المصدر: إدارة الأبحاث والدراسات – إتحاد المصارف العربية
