المصرف المركزي اللبناني هو جنّة المصارف اللبنانية
(الجمهورية)-18/09/2026
فادي عبود*
يبدو أنّ مصرف لبنان، في عهد الحاكم كريم سعيد، لم يخرج بعد من دائرة حماية المصارف، بل إنّ مواقفه تطرح سؤالاً أكثر خطورة: هل المطلوب فعلاً إصلاح القطاع المصرفي، أم حماية المصارف القائمة من نتائج ما فعلته؟ نذكّر الحاكم بأنّ مصرف لبنان وُجد لحماية المودعين، لكنّ الحُكام المتتالين حوّلوا مهمّته إلى حماية أصحاب المصارف السارقين. ففي تشرين الأول 2019، عندما أوقفت المصارف الدفع، كان عذرها أنّها لم تعُد تملك ما يكفي، لأنّ الأموال التي وضعتها لدى مصرف لبنان سُرقت. وهذه بحدّ ذاتها جريمة ارتكبها مصرف لبنان والمسؤولون عنه.
أمّا العجيب اليوم، فهو أنّ المصارف ومصرف لبنان يريدان منا أن نقتنع بأنّه لم يعُد هناك أي مال في يد المصارف، وهذا غير منطقي، ويبدو كمحاولة واضحة لاستمرار السرقات. إذ كان من الضروري حينها أن توزّع المصارف ما تبقّى لديها على أصحاب هذه الأموال. ولو حدث ذلك، لكانت مشكلة المودعين وأصحاب الحقوق أصبحت مع الحكومة ومصرف لبنان.
لكنّ المصارف استعملت هذه الأموال على مدى 7 سنوات، وحققت أرباحاً بمباركة مصرف لبنان والمسؤولين عنه، ثم اخترعوا لنا مصطلحات مثل “الخسائر” و”الفجوة” و”الشوائب”، وكلّها مصطلحات تُستخدم لتجنّب لفظ كلمتَي “سرقة” أو “نهب”، وهما الوصف الوحيد لما حصل.
تاريخ
وإذا كنا مخطئين، فليقولوا ويشرحوا لنا ذلك. لقد قلنا مراراً: إذا لم تكن هناك سرقة في المصارف، فلماذا لم تسارع إلى تقديم حساباتها وفتح دفاترها؟
ألا يحق لنا أن نفتح دفاتر المصارف بعد كل الكوارث التي تسبَّبت بها؟ لماذا لا يطالب الحاكم بالكشف العلني لحسابات المصارف؟ فأكثر ما تخشاه المصارف اليوم هو الكشف عن حساباتها. وكل مَن لا يطالب بكشف حساباتها يساعد المصارف في سرقة الناس، حتى لو كان مودعاً.
هذا المطلب أضعف الإيمان وسهل جداً. نطلب أن نعرف أين ذهبت أموالنا، وكيف استُعملت، ومَن استفاد منها، ومَن يتحمّل مسؤولية ما حصل. فإذا كنتم واثقين من روايتكم، افتحوا الدفاتر أمام المودعين والرأي العام، ودعوا الأرقام تتحدّث.
صندوق النقد، على رغم من تحفظاتنا على دوره ومقاربته للأزمة اللبنانية، طالب بتعيين إدارة موقتة لكل المصارف، وهم في سلّة واحدة، لأنّ موقفهم موحّد والجرم مشترك وهم متضامنون باستعمال الرواية نفسها. أمّا الحاكم، فيرفض هذا الطرح ويتمسك بالإدارات نفسها التي كان دورها كبيراً في مأساة سرقة القرن، ومجدّداً مَن يعتبر أنّه غير معني بهذا الاتهام، فليبرهن لنا عبر كشف حساباته حينها نعتذر منه.
والأخطر، أنّ المصارف نفسها تحاول عبر شتى الوسائل تقديم صورة الضحية عن نفسها، عبر الدعم المباشر للمؤسسات الإعلامية وغيرها، وتجنيد أشخاص للترويج لأفكارها، عبر ميزانيات كبيرة تتخطّى بأشواط مبلغ المليونَي دولار التي صرَّحت عنها ببيانها.
كما طلبت إعداد تقرير “أنكورا” ينتهي إلى استنتاج مفاده أنّ القطاع لن يتمكن من سداد كامل حقوق جميع المودعين. وهنا لا بدّ من طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لمن هو طرف في الأزمة أن يقدِّم بنفسه تقريراً يحدِّد حجم قدرته على ردّ أموال المتضرّرين منها؟ كيف يمكن للمصارف التي يُفترض أن تُفتح دفاترها للتدقيق أن تصبح هي الجهة التي تشرح للمودعين لماذا لا يمكن إعادة أموالهم؟ هكذا يصبح المتهم هو القاضي!
قبل أن نصدِّق أي تقرير عن قدرة المصارف على ردّ الودائع، يجب أن نعرف حقيقة كل مصرف على حدة. أمّا إبقاء كل شيء داخل أرقام عامة، ثم الحديث عن “شوائب”، ثم الانتقال إلى القول إنّ المصارف لن تستطيع ردّ كامل الودائع، فهو مسار واحد يؤدّي إلى نتيجة واحدة: حماية المصارف ومساعدتها على ابتلاع الودائع.
كنا نفهم لماذا كان رياض سلامة يحمي هذا النظام. فقد كان جزءاً أساسياً منه، وكانت المصارف ومصرف لبنان شركاء في هندسة مالية انتهت إلى واحدة من أكبر الكوارث المالية في التاريخ، وأفقرت مئات آلاف من الناس. لكن ما لا نفهمه هو لماذا يستمر هذا النهج في عهد حاكم جديد يفترض أنّه جاء ليضع حداً لمرحلة سلامة، لا ليمنحها شكلاً جديداً.
لماذا لا يبدأ الحاكم من المصارف؟ لماذا لا يطلب كشف دفاترها كاملة؟ لماذا لا يُظهر للرأي العام، مصرفاً مصرفاً، حقيقة أصولها ومطلوباتها وتوظيفاتها لدى مصرف لبنان؟ ولماذا يبدو أكثر حرصاً على حماية استمرارية إدارات المصارف من حرصه على كشف المسؤولية عن أموال الناس؟
من جهة أخرى، تطلّ علينا جمعيات مودعين تطلق التصريحات وتعلن دعمها لقانون استرداد الودائع وغيره من الطروحات. ونحن هنا لا نريد أن نتهم هذه الجمعيات أو نشكّك في نياتها، بل نتساءل بكل وضوح: لماذا لا يكون مطلبها الأساسي هو فتح حسابات المصارف والتدقيق في أرقامها وميزانياتها وقيودها؟ ولماذا القبول بقوانين تطرحها الحكومة، من دون أن تسبقها عملية واضحة لكشف حقيقة ما جرى داخل القطاع المصرفي وتحديد المسؤوليات؟
قد تكون هذه الجمعيات لا تدرك أنّ السير بهذه المقاربة، من دون فتح حسابات المصارف، قد يؤدّي عملياً إلى خدمة مصالح المصارف، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً. فالمصارف، وإن بدت ظاهرياً رافضة لقانون استرداد الودائع وهي، في الحقيقة، مستفيدة منه، إذ يتيح لها أن تظهر أمام العالم وكأنّها خضعت لقانون سيُفقِرها ويُحمّلها أعباءً كبيرة، فيما الحقيقة، وفق هذا الطرح، هي عكس ذلك تماماً.
لذلك، نتمنّى من هذه الجمعيات أن تشرح لنا بوضوح: لماذا لا تطالبون بفتح حسابات المصارف والتدقيق فيها قبل أي شيء؟ لأنّ القفز فوق هذه الخطوة الأساسية، والانتقال مباشرة إلى قوانين تعالج النتائج قبل كشف حقيقة الأزمة، سيؤدّي إلى تشتيت موقف المودعين وتمييع القضية، وإهدار حقوق الناس.
