الإمتثال المصرفي: خط الدفاع الأول في مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
د. وســام حســن فـتــوح
الأميـــــن العــــام
يُعتبر الإمتثال المصرفي خط الدفاع الأول والركيزة الأساسية لحماية القطاع المالي عبر تطبيق سياسات صارمة لكشف ومنع الجرائم المالية. ويكمن الإمتثال في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في العناية الواجبة عبر تحقُّق البنك من هوية العملاء بدقة ومراقبة المعاملات المشبوهة بناءً على مستوى المخاطر، والسياسات الداخلية. ويرتكز ذلك على وضع المصرف ضوابط وقائية وقواعد بيانات دقيقة لمتابعة حركة الأموال والحدّ من الثغرات، والإلتزام الرقابي، من حيث إلتزام المؤسسات المالية تعليمات المصرف المركزي والمعايير الدولية لتفادي المخاطر القانونية والمالية.
وتقوم منظومة الإمتثال المصرفي على مجموعة من الآليات، حيث تتتّبع العمليات المالية غير العادية والإبلاغ عنها فوراً للجهات المختصّة، وإدارة المخاطر عبر تقييم المخاطر المستجدّة وتحديث أنظمة الرقابة الآلية، وتدريب الكوادر البشرية بإستمرار، والتنسيق المشترك عبر تبادل المعلومات وتعزيز التعاون بين المصارف ووحدات التحرّي المالي.
مهنياً، الإمتثال المصرفي أوسع من مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فهو يشمل الإمتثال للقوانين والانظمة والعقوبات والحوكمة وحماية العملاء، بينما تمثل مكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب أحد أبرز محاور حماية النظام المالي، بغية تعزيز نزاهة وشفافية القطاع المصرفي ضد الإستغلال في العمليات غير المشروعة، وإستعادة الثقة ومواجهة الإقتصاد النقدي.
وهنا يجدر بنا التحذير من مخاطر التوسُّع في التعاملات النقدية الورقية التي تسهّل التهرُّب الضريبي والفساد وتبييض الأموال، مما يجعل صرامة الإمتثال ضرورة ملحّة، فضلاً عن أهمية تحقيق الإصلاح والتعاون، حيث تتطلب المواجهة الفعّالة الإنتقال الجذري نحو تطبيق أعلى معايير العناية الواجبة والتعاون المستمر مع الهيئات الرقابية الدولية.
في هذا السياق، إن إتحاد المصارف العربية شارك خلال السنوات الماضية في مئات الإجتماعات مع المصارف المركزية والهيئات الرقابية والجهات الحكومية والمؤسسات المالية الدولية. وقد خلصت هذه اللقاءات إلى وجود قناعة مشتركة بأن المشكلة لا تكمن في نقص الخبرات، بل بالإرادة الجدّية بتحقيق الإصلاح وإلتزام المعايير الدولية، لا سيما وأن هذه المعايير واضحة والحلول الفنية متاحة في معظم الدول العربية.
في هذا الإطار، لم يعد السؤال الأهم في المرحلة الراهنة: «هل نعرف ما يجب فعله؟»، وإنما: «هل نملك الإرادة السياسية لفعل ما يجب فعله؟». علماً أن الإلتزام السياسي يمثل الأساس لأي إستجابة وطنية فعّالة لمواجهة الجرائم المالية.
في المحصّلة، إن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تعتمد على الإرادة السياسية الفاعلة وتحويل المعايير الدولية إلى تطبيقات عملية وليست مجرّد نصوص على الورق. فالبنوك خط دفاع أول، حيث تُعد المصارف والمؤسسات المالية خط الدفاع الأساسي لحماية النظام المالي، شريطة تزويدها بالخبرات والمعرفة والموارد الكافية، إضافة إلى أهمية توافر الإرادة السياسية من خلال التحدّي الرئيسي والذي لم يعد محصوراً في نقص الخبرات أو غياب القوانين، بل عبر توافر قرار سياسي جاد يجعل الإصلاح أولوية وطنية لإستعادة الثقة الدولية. مع التحذير من توسُّع التعاملات النقدية «الكاش» كونها تشكل بيئة خصبة للتهرُّب الضريبي وتسهيل الجرائم المالية، مع ضرورة إستمرار الحوار البنّاء مع الجهات الرقابية الدولية (الإحتياطي الفيدرالي الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية) لرفع معايير الإمتثال في القطاع المصرفي العربي.
